الفصل 199
. . . * * * . . .
“أوه…”
انهارت ثيل فوق أكوام الأوراق من شدة التعب. كانت لديها عادة منذ طفولتها، وهي أنها عندما تشعر بالإرهاق، تدفن وجهها في أي شيء أمامها، ويبدو أن هذه العادة لا تزال تلازمها.
لحسن الحظ، تدارك إياندورس الموقف في الوقت المناسب، فوضع يده على جبهتها قبل أن تصطدم بالمنضدة، ثم سحبها برفق لتتكيء على كتفه.
“إذا كنتِ متعبة، اذهبي وارتاحي قليلاً. سأكمل البحث بدلاً عنكِ.”
هزت ثيل رأسها نافية.
كانت عينا إياندورس محمرتين من قلة النوم، فقد قضى الساعات الطوال يقلب في السجلات دون انقطاع.
ونظراً لعدم إمكانية إدخال الطعام إلى هذا المكان السري، اقترح إيلم أن يخرجوا جميعاً للاستراحة ثم يعودوا، لكن إياندورس رفض، مصراً على أن كل ثانية تمر هي ثانية ضائعة في سباقهم مع الزمن.
ولم يستطع بيردي وثيل تركه وحده، فبقيا معه.
لقد فحصوا كمية هائلة من المعلومات، لكن معظمها كان عديم الفائدة لهدفهم الحالي. كانت سجلات رئيس عائلة إيفرارد السابق موجهة لابنه كارل، وتحوي نصائح حول كيفية جعل أراضي إيفرارد خصبة، ومعلومات عن إدارة المجاري المائية. وبالنسبة لكارل، كانت هذه كنوزاً معرفية لا تقدر بثمن، فبدأ بحفظها غيباً بما أنه لا يستطيع إخراج الكتب.
لكن المشكلة الكبرى كانت انعدام أي ذكر لـ “الأميرة”. بدأت ثيل تشك في أنهم يبحثون في المكان الخطأ؛ فما الذي يفعله سجل يخص أميرة إمبراطورية في غرفة سرية صممها أب لابنه؟ ومع ذلك، لم تستسلم، وظلت تقرأ بعينين متعبتين.
وبعد وقت لا نعرف مقداره، لمعت عينا ثيل وهي تقرأ جملة واحدة:
‘اليوم الذي زارت فيه سمو الأميرة إقليم إيفرارد.’
تفحصت ثيل الصفحة بدقة، خائفة من أن تكون مجرد أميرة أخرى من تاريخ كراسيون الطويل.
“وجدتها!”
لكنها لم تكن أي أميرة. الكتاب يسجل زيارة أميرة كراسيون التي تملك قدرة “الفضاء الفرعي” إلى إيفرارد.
الغريب في الأمر أن اسم الأميرة كان ممسوحاً بالكامل في كل فقرة.
اجتمع الجميع حول ثيل، ووضعت هي أصبعها على الكلمات لتقرأ بصوت مسموع:
“… زارت سمو الأميرة إيفرارد. وطلبت من سيد العائلة ما إذا كان بإمكانه ‘صناعة نهر’ لها.”
“في البداية، قبل سيد العائلة الطلب، لكنه رفضه بعدما عرف المكان الذي تريد الأميرة إنشاء النهر فيه.”
تابعت ثيل القراءة ببطء:
“المكان الذي طلبت سمو الأميرة من السيد ريناتو أن يجعل النهر يتدفق فيه.. كان داخل فضائها الفرعي!”
“داخل الفضاء الفرعي؟”
ضيق إياندورس عينيه. التقت عيناه الزمرديتان بعيني ثيل الذهبيتين، وتواردا الخاطر في لحظة واحدة. تذكرا ذلك الوهم الذي رأياه داخل فضاء إيان؛ ذلك العالم الواسع ذو المروج الخيالية والسماء التي لا تنتهي.
“لقد أرادت أن تصنع نهراً هناك…” تمتمت ثيل.
أومأ إياندورس، لكنه بدا متحيراً: “لماذا تريد صناعة نهر في الفضاء؟ لأي غرض؟ وماذا كانت تنوي أن تضع فيه؟”
“بما أنها طلبت جريان النهر، فربما كان الشيء الوحيد الناقص في ذلك العالم هو ‘الماء’؟” اقترح بيردي.
“ربما كانت تملك عالماً متكاملاً في فضائها، ولم يكن ينقصه سوى النهر أو البحر ليكتمل النظام البيئي هناك.”
بدا كلام بيردي منطقياً، وأدركوا أن فضاء الأميرة كان يفوق خيالهم بمراحل.
لكن السؤال ظل قائماً: ماذا كانت تريد أن تفعل بذلك العالم؟ ولماذا مُسح اسمها من الوجود؟
“هل مسح السيد ريناتو اسمها عمداً؟” سألت ثيل.
هز إيلم رأسه: “لا أدري. لقد مر وقت طويل جداً.”
“إذاً، لا أحد يتذكر اسمها الآن؟” تمتم إياندورس، فأومأت ثيل بحزن.
تذكرت ثيل “المتسللة” وصورة الفتاة الصغيرة في الفضاء.
أميرة تملك قدرة هائلة ومكانة رفيعة، ومع ذلك لا يعرف اسمها أحد.
‘هذا محزن قليلاً.’
بل محزن جداً. أي خطيئة ارتكبتها ليُمحى ذكرها هكذا؟
وكأنها لعنة أصابت كل من يحاول تذكر اسمها.
تابعت ثيل تقليب الصفحات في الكتاب الذي يبدو أنه مذكرات مساعد السيد ريناتو. ذكر الكتاب أن الأميرة كانت تلح بطلبها، لكنها في لحظة ما توقفت عن المجيء.
“لماذا توقفت؟ هل نجحت في النهاية بصناعة النهر؟”
“حتى لو نجحت، لم يكن ليفيدها بشيء،” قال إياندورس ببرود.
“كل ما يُصنع داخل الفضاء الفرعي هو مجرد وهم. العشب، الشمس، وحتى النهر.. كلها ليست حقيقية.”
“وهم؟”
“نعم، حتى لو صنعتُ بركة داخل قصري في الفضاء، فهي ليست ماءً حقيقياً؛ لن تبلل يدك ولن تغرق فيها. وحتى لو تبللت، فبمجرد خروجك ستجد نفسك جافاً تماماً وكأن شيئاً لم يكن.”
“إذاً.. حتى لو عرفت طريقة صناعة النهر، لم تكن لتستطيع بناء نظام بيئي حقيقي؟”
“بالضبط. علاوة على ذلك، ما يُصنع في الفضاء يتشبع برغبات ومشاعر صانعه القوية.. وإذا امتصه الجسم بالخطأ، فقد تكون العواقب وخيمة.”
تذكرت ثيل كلام الفتاة في الوهم: ‘أنا أريد أن أفعل…’
الجزء الذي كان مشوشاً. شعرت فجأة أنها أدركت غاية الأميرة؛ لقد أرادت أن تصنع عالملاً حقيقياً داخل فضائها!
قلبت ثيل الصفحات الأخيرة لتجد أن الأميرة عادت لزيارة ريناتو مرة أخيرة، لكن السجلات تنتهي هناك. إما أن الصفحات التالية فُقدت أو لم تُكتب أبداً.
“ربما اكتشفت أن النهر كان وهمياً؟”
“مجرد تخمين، لكن ربما عرفت أن ما صنعته كان زائفاً، فعادت تطلب ‘ماءً حقيقياً’ هذه المرة،” قال إياندورس.
“إذاً، ألا يُفترض أن يكون هناك سجل في عائلة آرني أيضاً؟” أضافت ثيل بحماس.
“إذا كان كل ما تصنعه وهمياً، فالنباتات أيضاً وهمية. ألم تطلب من آرني أن يزرعوا نباتات حقيقية في فضائها؟”
في تلك اللحظة..
كـبوم!
انفجار هائل هز الأرجاء. احتضنت ثيل الكتاب غريزيًا من شدة الفزع. اندلعت قدرتها فجأة لتحيط بجسدها؛ لقد كانت قدرتها تحمي صاحبها بشكل غريزي بعد كل ما مرت به.
حاول بيردي حمايتها، لكن إياندورس كان أسرع، فجذبها إلى صدره وهو يحدق في اتجاه الصوت.
كغغغغغغ!
دوى صوت تحطم حاد مرة أخرى، كان قوياً لدرجة أن الجميع اضطر لتغطية آذانهم.
وبعدها..
“هل يعقل…”
شحب وجه إيلم تماماً وكأنه أدرك مصدر الصوت المرعب.
ترجمة : ســايــومــي ❥
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.