الفصل 195
معظم السجلات المتعلقة بـ “الأميرة المجنونة لكراسيون”
قد فُقدت ولم يتبقَّ منها شيء. وحتى القليل المتبقي لم يكن سوى تدوينات تصف مدى جنونها وبشاعتها. أما السجل الذي رآه إياندورس في مكتبة الإمبراطور السرية، فقد كان الوحيد الذي يصف حالتها قبل أن يصيبها الجنون.
والأمر المثير للريبة هو أن اسمها لم يُذكر في أي مكان؛ ففي الكتب يُشار إليها فقط بلقب “الأميرة المجنونة” أو “سمو الأميرة”، دون ذكر اسم صريح لها. لهذا السبب، كان إياندورس يخمن فقط أن الفتاة التي يراها هي تلك الأميرة، لكنه لم يستطع الجزم بذلك تماماً.
في تلك اللحظة، سحب ظل الفتى الصغير كم ثوب الفتاة.
كان صوته ناعماً وهو يثرثر لأخته الكبرى:
“نونا ، المكان هنا ممل جداً. القصر الإمبراطوري ليس فيه شيء ممتع. نونا، افتحي الفضاء الفرعي.”
في تلك اللحظة، تبادلت ثيل وإياندورس النظرات. لمعت عيونهما في الظلام بعدما التقطا تلك الكلمة المفصلية.
‘الفضاء الفرعي!’
قدرة خلق الفضاء الفرعي هي ميزة لا تظهر إلا في السلالة الإمبراطورية لكراسيون. وحتى الآن، لم يملك هذه القدرة سوى ثلاثة أشخاص عبر التاريخ، من بينهم إياندورس.
ومن بين هؤلاء الثلاثة، كانت هناك “فتاة” واحدة فقط.
الأميرة المجنونة لكراسيون.
‘توقعي كان في محله.’
ما يشاهدونه الآن هو ذكرى الأميرة المتوفاة. سواء كان الفضاء قد تداخل مع الزمن، أو أن شظايا الذاكرة قد طفت على السطح بسبب خلل في فضاء إيان، فمن المؤكد أن هذه الأحداث تخص الأميرة الراحلة.
“لكن والدي قال ألا نفتحه دون إذن؟” قالت الفتاة.
“سنفتحه قليلاً ثم نغلقه فوراً.”
“هل نفعل ذلك حقاً؟”
وضعت الفتاة يدها على رأس أخيها الصغير. وفي تلك اللحظة، بدأت الظلال تكتسب تفاصيل جسدية وألواناً، كأن اللحم يكسو العظام. لم يعودوا مجرد ظلال سوداء؛ بل صبغ الشعر بلون الذهب الذي يرمز لعائلة كراسيون.
“الألوان تتغير…!” همست ثيل، فأومأ إياندورس برأسه.
أصبح لون شعر الشقيقين الآن مطابقاً تماماً للون شعر إياندورس. نظرت ثيل حولها، وبدا منظر القصر الذي كان يبدو قديماً ومتهالكاً وكأنه استعاد رونقه وفخامته القديمة.
مالت ثيل برأسها متسائلة: هل تتغير الرؤية هكذا باستمرار؟
وبينما هما في حيرتهما، ضحك الشقيقان ونهضا من مكانهما.
“لمرة واحدة فقط،” قالت الفتاة بمرح.
فوااااات!
تولدت فجوة مشعة من أطراف أصابع الفتاة. كانت تشبه الفجوة التي يصنعها إياندورس، لكنها كانت أكثر بريقاً بكثير. والأهم من ذلك، كان مدخل الفضاء دائرياً ومستقراً للغاية، على عكس فضاء إياندورس الذي يضطرب ويهتز باستمرار؛ فضاء الفتاة كان يبدو كـ “باب” حقيقي ثابت في مكانه.
“هيا، تعال.” سحبت الفتاة يد أخيها.
ضيقت ثيل عينيها؛ فمن مكانها لم تكن تستطيع رؤية ما بداخل فضاء الفتاة. بدا أن إياندورس يشعر بالفضول نفسه، فسحب ثيل من يدها ليقترب أكثر.
بما أن الشقيقين لا يستطيعان رؤيتهما، لم يكن هناك خطر من الاقتراب.
كانت هذه هي المرة الأولى التي يرى فيها إيان وثيل فضاءً فرعياً لشخص آخر؛ فإياندورس هو الوحيد في هذا الجيل الذي يملك هذه القدرة. وخلافاً لمخاوفهما من أن تكون الرؤية محجوبة كما حدث مع الوجوه، كان الداخل واضحاً تماماً.
“لندخل!” صاحت الفتاة بحيوية.
اتسعت عينا ثيل وإياندورس بذهول وهما ينظران إلى الداخل.
“ما هذا…” تمتم إياندورس.
أمسكت ثيل بـكم ثوب إيان من الصدمة، حتى أسماكها اقتربت بفضول من الفجوة.
داخل ذلك الفضاء الواسع… كانت هناك مروج خضراء ممتدة، سماء زرقاء صافية، وخيول تركض بحرية في الأفق.
“هذا… فضاء فرعي؟” تمتمت ثيل بصوت يرتجف وهي تنظر إلى إياندورس.
كان إيان مصدوماً بالقدر نفسه. السجلات التاريخية ذكرت أن فضاء الأميرة المجنونة كان يشبه “الجحيم المستعر” أو “عرين الوحوش”، وأنه كان مكاناً مرعباً يبتلع مئات البشر بدموية وقسوة.
لكن…
‘هذا يختلف تماماً عن السجلات.’
ليس مجرد اختلاف بسيط؛ فما يشاهدونه كان عالماً كاملاً، ضخماً، مهيباً وغنياً بالحياة.
اختفى الشقيقان داخل الفضاء وهما يضحكان، ثم بدأ المدخل ينغلق ببطء. وقفت ثيل وإيان بذهول يراقبان تلاشي الباب.
فضاء إياندورس عظيم؛ فهو يحوي قصراً ويسمح بتخزين الأشياء وحبس الأعداء. لكن قدرة الأميرة كانت أبعد من ذلك بكثير. كان هناك “عالم آخر” داخل فضائها. أدركا في تلك اللحظة القوة الحقيقية لنسل كراسيون.
وفجأة…
تحطم!
تحطم فضاء إياندورس بعنف. أمسك إيان وثيل بأيدي بعضهما غريزياً.
“ثيل!”
“سـ، سيد إيان!”
جذبها إيان إلى صدره بينما كانت الأوهام من حولهما تتفكك. جدران القصر الفاخرة تشظت، والسرير الذي كان يلعب عليه الأطفال تحول إلى غبار. انهار الوهم الذي طُبِق فوق الفضاء الأصلي.
شعرت ثيل بالخوف من أن تتلاشى هي الأخرى مع هذا الوهم، لكن قبضة إياندورس القوية وذراعه التي تحتضن ظهرها جعلتها تشعر بالأمان. راقبا في قلب الانهيار كيف تعود الأشياء إلى الظلام.
لولا نور ثيل، لما رأى إيان أياً من هذا؛ فلو دخل وحده لظل محبوساً في الظلام دون أن يرى هذه التجليات. بفضل ثيل، لم يفوتا أي تفصيل مما أراد الفضاء إظهاره لهما.
لكن لماذا أظهرهما الفضاء هذا؟ هل ليريهما القوة الكامنة في قدرة إيان؟ أم لسبب آخر؟
شعرا بقوة جذب هائلة تسحبهما، فأغمضا أعينهما.
. . . * * * . . .
بام!
عادا فجأة إلى غرفة ثيل في قصر إيفرارد. بما أن مدخل ومخرج فضاء إيان واحد، فإنهما عادا إلى النقطة التي دخلا منها.
كان بيردي، روديان، كاسوس، وألفيوس بانتظارهما بقلق.
“أوه! هناك!”
صاح روديان عندما انفتح الفضاء ليقذفهما للخارج.
سقطت ثيل فوق السرير الناعم، بينما سقط إياندورس على الأرض بقوة. حاولت ثيل استجماع وعيها المشوش ونظرت إلى إيان بقلق:
“سـ، سيد إيان! هل أنت بخير؟”
ترجمة : ســايــومــي ❥
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.