مساحة للحكاية، ووقت لك← The Snow Leopard Baby of the Black Leopard Family
الفصل 153نحو 6 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 153

 

“إيان!”

 

أمسكت ثيل بطرف فستانها بخفة كي لا تطأه بقدميها، ثم اندفعت نزولًا عبر بسطة الدرج الحلزوني بحماس، لترتمي في حضن إيان.

 

تلقّاها إيان كما لو كان معتادًا على ذلك، وضمّها إليه. تمايلت أطراف الفستان المزينة بالدانتيل كفراشاتٍ بيضاء.

 

“قلت لكِ لا تركضي يا ثيل.”

 

قال إيان بنبرة عتاب عابرة وهو يقطّب حاجبيه، لكنه لم يبدُ وكأنه ينوي إبعاد ثيل عن حضنه.

 

كان إيان قد نما كثيرًا، حتى صار طوله يقارب طول كاسوس، لذا اضطرت ثيل إلى رفع ذقنها لتلتقي بعينيه، تمامًا كما تفعل مع كاسوس.

 

وحين رفعت ذقنها والتقت عيناهما، رأت شابًا وسيمًا بملامح متناسقة ينظر إليها وهو يقطّب حاجبيه قليلًا.

 

كان إيان، وقد تجاوز سن الرشد منذ زمن، يُعدّ مع بيردي ولوديان من بين “الوسيمين الثلاثة” في إمبراطورية كراسيون بين بنات النبلاء. غير أن شهرته كانت أقل قليلًا من بيردي ولوديان، بسبب كونه مرتبطًا بخطيبة بالفعل.

 

لكن ثيل لم تعتقد يومًا أن إيان أقل وسامة من الأخوين.

 

بل إن ثيل، سرًا، كانت ترى أحيانًا أن إيان أكثر وسامة من بيردي ولوديان…

ولو سمعا بذلك، لعمّت الفوضى بالتأكيد.

 

“ركضت لأنني اشتقت إليك، أَلَمْ تشتق إليّ يا إيان؟”

 

قالت ثيل وهي تتأمل وجهه لبرهة، ثم احتضنت خصره برفق قبل أن تبتعد قليلًا.

 

لم يُقِما مراسم خطوبة رسمية بعد، لكنهما عاشا زمنًا طويلًا باعتبار كلٍّ منهما شريكًا وخطيبًا للآخر، حتى بات العناق بينهما طبيعيًا، بلا خجل، كحال زوجين.

 

نظر إيان إليها نظرةً تفهمٍ وعجزٍ لطيف، ثم انحنى قليلًا وتابع:

 

“اشتقت إليكِ كثيرًا، ثيل أستريان. وإلا، فهل تظنين أنني كنت سأتكبد عناء المجيء بنفسي إلى هنا؟ أترينني رجلًا فارغًا يتردد على أستريان بدافع الملل؟”

 

هزّت ثيل رأسها بسرعة نافية. فإيان هو وليّ عهد إمبراطورية كراسيون، والرجل الوحيد الذي سيرث العرش إذا تنحّى الإمبراطور الحالي. من غير المعقول أن يكون متفرغًا!

 

وقد احمرّ خداها بشيءٍ من الفرح، فأمسكت بيده وسحبته نحو الحديقة.

 

ما إن خرجت ثيل وإيان إلى الحديقة، حتى بادر خدم آل أستريان، بدرايةٍ مألوفة، إلى تجهيز أجمل طاولة فيها، فرشوا المفرش ووضعوا المزهرية، ليجلس الاثنان براحة ويتحادثا.

 

فُرْفُرْ!

 

في تلك اللحظة، حلّق حمامٌ زاجل أبيض من بعيد، وحطّ على كتف ثيل. كان ذلك الحمام هدية من إيان لها حين بلغت الثانية عشرة من عمرها.

 

“تفضل، اجلس هنا!”

 

قالت ثيل وهي تشير إلى الطاولة، ثم استدارت مبتسمة لتنظر إلى إيان. كان المشبك المثبّت على صدرها يلمع بلا توقف، وهو أيضًا هدية من إيان.

 

وبفضله، استطاعت ثيل — رغم كونها من نسل النمور الثلجي الذي لا يحتمل الحر — أن تقضي وقتها في أستريان دون أن تشعر بالحر…

 

“لن أرفض.”

 

أجاب إيان بابتسامة هادئة.

 

جلس على الطاولة الواقعة في قلب الحديقة، وجلست ثيل مقابله مباشرة. وقدّمت الخادمات كوبين من الشاي، وسكّرًا مكعّبًا، وكعكًا طازجًا.

 

“حسنًا… هل لي أن أسألك الآن؟”

 

“عن ماذا؟”

 

“أنت لم تأتِ فقط لأنك اشتقت إليّ، أليس كذلك؟ هل حدث أمرٌ آخر؟”

 

تعلقت عينا ثيل الواسعتان بإيان. كان يضيّق عينيه وهو يرتشف الشاي الأسود دون سكر.

 

“جئت لأنني اشتقت إليك فعلًا، وبالمناسبة أردت أن أسألك عمّا ترغبين به كهدية عيد ميلاد.”

 

“كذب…”

 

“أتشككين في وليّ عهد الإمبراطورية؟”

 

“أنا خطيبة سموّ ولي العهد… من فضلك، أخبرني. ما الذي حدث هذه المرة؟”

 

سألت ثيل بلهجة متعجلة.

 

ظل إيان يرتشف الشاي بصمت، ثم رفع جفنيه ونظر إلى الفتاة الجالسة أمامه.

 

كانت شفتا ثيل الرقيقتان مطبقتين بإحكام. كان إيان يعرف هذا التعبير جيدًا؛ لقد كانت الآن تعاندُه.

 

“لم يحدث شيء. هذا كل ما في الأمر. جاي لا يزال مفقودًا، وصاحب الجلالة…”

 

“ليس هذا!”

 

قاطعت ثيل حديثه. نظر إليها إيان دون أي انزعاج.

 

كانت الفتاة ذات الشعر الأبيض الناصع، المرفوع نصفه في جديلة، تحدّق به بعينين حادتين.

 

“ليس هذا ما أسأل عنه!”

 

نظرت ثيل إلى إيان.

 

قبل سنوات، حين كانت في الثانية عشرة، اقتحم شخصٌ ما الحيّز الفراغي الخاص بإيان.

 

ومنذ ذلك الحين، أصبحت قدرة إيان غير مستقرة على نحوٍ ملحوظ، رغم كونهما مرتبطين بعلامة الشراكة.

 

ربما لأن العلامة بينهما لم تكن مكتملة. لكن ذلك لم يكن المهم الآن.

 

المهم هو أن قدرة إيان صارت غير مستقرة للغاية منذ تلك الحادثة.

 

حاولت ثيل تهدئته كما فعلت سابقًا مع بيردي ولوديان وإيان حين كانت قدراتهم تثور، لكن الأمر لم يكن سهلًا.

 

نجحت أحيانًا في تهدئته وهو على وشك فقدان السيطرة، لكن رغم جهودها المتواصلة، لم تستقر قدرته تمامًا.

 

ولهذا، كان إيان يعيش دائمًا كما لو كان يسير على حبلٍ مشدود. وكانت ثيل تشعر بحزنٍ عميق لأنها، رغم كبرها الآن، لا تستطيع أن تساعده.

 

“كنت أسأل عمّا إذا كان قد حدث شيء آخر بخصوص قدرة إيان.”

 

“همم…”

 

تنهد إيان تنهيدة قصيرة.

 

فهو في النهاية لا يستطيع إخفاء حالته الجسدية عن ثيل.

 

بسبب ارتباطهما، كانت ثيل تشارك إيان عبء قدرته، ولهذا لم يكن من الصواب أن يخفي عنها حاله. ومع ذلك، شعر إيان بدافعٍ غريب يجعله لا يرغب في الحديث عن وضعه.

 

‘هل لأنني لا أحب أن تقلق عليّ؟’

 

لا، هذا ليس السبب. كان يحب قلق ثيل عليه.

 

‘أم لأنني لا أريد أن أُقلقها؟’

 

كان قلقها عزيزًا عليه، لكنه لا يريد أن يكون سببًا فيه. يا له من تناقض!

 

لكن خطيبته، غير مدركة لصراعه الداخلي، كانت تحدّق به بعينيها الواسعتين وقد جعلتهما حادتين قدر الإمكان.

 

“إيان!”

 

“حسنًا، حسنًا. لم يدخل أحد إلى الحيّز الفراغي مؤخرًا. لكن… بعض الغرف داخله اختفت.”

 

“اختفت الغرف؟”

 

سألت ثيل بدهشة وعيناها تتسعان.

 

كانت تعرف أن حيّز إيان الفراغي أشبه بقصرٍ كبير، فخم وضخم، لكنه مظلم.

 

ومع ذلك، أن تختفي غرف؟ حدّقت به ثيل غير مصدّقة.

 

“نعم، حرفيًا. اختفت بعض الغرف. كان الحيّز يتغير دائمًا، فلم أعِر الأمر اهتمامًا كبيرًا، لكن مؤخرًا…”

 

“مؤخرًا؟”

 

“أصبحت بعض الأبواب لا تُفتح، وأحيانًا يتعذر الانتقال داخل الحيّز. لكني أقسم أنني لم آتِ اليوم لأتحدث عن هذا، جئت فقط لأسألك عن هديتك…”

 

“كان عليك أن تخبرني فورًا إن حدث شيء كهذا…!”

 

“ثيل، هل تستمعين إليّ حقًا؟”

 

هزّت ثيل رأسها ببطء، وقد تدلّت حاجباها.

 

صحيح أن معرفتها المسبقة لم تكن لتغيّر شيئًا، فالأمر لم يكن بيدها.

 

لكن مجرد سماعها أن قدرة إيان تعاني مشكلة أخرى جعلها تشعر بالضيق، حتى إنها لم تستطع النظر إليه مباشرة.

 

“…”

 

“…ثيل؟”

 

انحنى إيان نحوها. كانت ثيل ترتشف الشاي وتخفي وجهها خلف الكوب.

 

“هل غضبتِ لأنني لم أخبرك في الوقت المناسب؟”

 

“لم أغضب!”

 

“إذًا، لماذا هذا التعبير؟”

 

“لأن هناك مشكلة عند إيان، وأنا لا أستطيع حلّها… مع أنني شريكة إيان…”

 

“ليس معنى كونكِ شريكتي أنكِ قادرة على حلّ كل شيء، يا ثيل.”

 

وضع إيان كوبه، ثم دار حول الطاولة ليقف خلفها.

 

مدّت ثيل يدها، فأمسك إيان بيدها الصغيرة من فوق كتفها ونظر إليها.

 

رفعت ثيل ذقنها لتنظر إليه، فانسدل ظلّ على وجنتيها البيضاوين.

 

“وأنتِ، منذ اللحظة التي التقيتكِ فيها وحتى الآن، قدمتِ لي ما يكفي وأكثر.”

 

“…”

 

“دائمًا. لذلك لا داعي للعجلة، ولا للحزن، يا ثيل…”

 

هبّت نسمة هواء لطيفة.

 

وتناثر صوت إيان الدافئ الحنون مع نَفَس الريح.

 

ترجمة : يـوميـكـو ❥

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.