مساحة للحكاية، ووقت لك← السجل البدائي
الفصل 2196: "أتظن أن الألم يهمني؟"نحو 5 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 2196: "أتظن أن الألم يهمني؟"

الفصل 2196: أتظن أن الألم يهمّني؟

نظر إيوس إلى هيئة أخنوخ الساطعة هذه، وضحك في أعماقه، رغم أن شعور الاشمئزاز في قلبه كان عميقاً للغاية.

لم تكن لدى "النهاية" أدنى فكرة عما يعنيه النور الحقيقي، حتى بعد أن استمرت في استهلاكه طوال هذه الأبديات. الوسيلة الوحيدة التي كانت تستخدمها لتفسير "الوجود" هي "أصل أخنوخ"، والآن بعد أن ذهب ذلك الأصل، أثبتت لإيوس أنها مجرد قشرة جوفاء، وقد اخترق إيوس ببصره هذا المخلوق وجوهره الفارغ.

"نعم، أنت جميل،" قال إيوس، ثم ابتسم، "لكنك ستكون أكثر جمالاً عندما تكف عن الوجود."

أرسل إيوس إرادته من أعماق قلبه إلى كل "الأصل"، وإلى جميع أسماء الموتى الذين رحلوا ولكن لم يُنسوا منذ فجر الزمان، وقال لهم: "أنا تجسيدكم، أنا من يحمل كل آمالكم، أعطوني أحلامكم، وسأحفظها آمنة. ارقبوني وأنا أخوض هذه المعركة، وكونوا معي بينما نغزو كل أعدائنا."

اعتدل في وقفته، ورغم أن الحركة التي قام بها تكاد لا تُرى، إلا أن إحدى يدي أخنوخ الممدودتين انفصلت فجأة عن كتفه بصوت يشبه تمزق جبل إلى نصفين.

اندلع "إيكور" أسود من الجرح، وكان حياً يصرخ ويتلوى في الفراغ، محاولاً الزحف عائداً إلى العضو المبتور. لم تدم صرخاته طويلاً حيث كان يموت بسرعة، إذ كانت كل قطرة من الإيكور المحتضر تصرخ بتردد مختلف، وكل تردد يمثل حشرجة موت لـ "وجود" ميت مختلف.

ترنح أخنوخ.

"أنت—" بدأ قائلاً.

لم يضع إيوس وقته في محاولة استرضاء غرور أخنوخ، فقد دخل في حالة قتالية؛ وهي حالة إما أن يفنى فيها هو، أو يفنى أخنوخ.

انصبّت كل قوى "الأصل القديم" العشرة آلاف في نصله، فاشتعل بضياء سطع عبر لانهايات الفراغ التي لا تعد ولا تحصى، وأخجل ضياء الهيئة التي اتخذها أخنوخ.

"هذا النور…" لُهث أخنوخ، قبل لحظة من اندفاع مليار سنة ضوئية من الضياء الصارخ -وهي "المُدمر"- داخل صدر أخنوخ.

دخل النصل أسفل عظمة القص مباشرة، وخرج من الجانب الآخر حاملاً قطعاً مما قد يكون أعضاءً، أو واقعاً، أو البقايا المضغوطة لمليار كون ميت. تقوس جسد أخنوخ للخلف، وانشق وجهه عديم الملامح عن جرح وهو يعوي.

كان كل تصادم بين "الأصل" و"النهاية" يشبه التصادم بين المادة والمادة المضادة، وهذا يعني أن إيوس كان يطفئ "النهاية" بنصله، لكن الشيء نفسه يحدث له أيضاً، والفرق الوحيد هو أنه لم يكن يصرخ.

تطاير الإيكور من الجرح وتناثر على وجه إيوس، وبدأ هذا الإيكور – الذي يمثل أنقى مصدر للنهاية – في نهش وجهه ونور تاجه، وللحظة، ظهرت هيئته الحقيقية تحت جلده، تشبه شبكة واسعة من الندوب والجروح التي في طور الشفاء، وهي بقايا مائة مليون سنة من الحرب.

منذ بدأت المعركة، لم يجد إيوس وقتاً للراحة أو الشفاء، وكان يقاتل بكل ما يملك، محققاً اختراقات ودافعاً نفسه إلى نطاقات جديدة دون تحفظ، وكان ذلك يكلفه الكثير… ومع ذلك، لم يتوقف.

قام بليّ النصل، مما أدى إلى انشقاق تجويف صدر أخنوخ. الأضلاع التي لم تكن أضلاعاً، بل خطوطاً زمنية فاسدة صُهرت في العظام، واحتمالات ضُغطت في الغضاريف، تحطمت تحت الضغط. كان الصوت رطباً ونهائياً.

ورغم أن إيوس أصبح متمرساً في القتال بعد سنوات لا تحصى من الحرب، إلا أن أصواتاً كهذه كانت ستطارده إلى الأبد، لكن هذا هو عبئه الذي وجب عليه حمله.

"أتظن أن هذا مؤلم؟" زمجر أخنوخ وهو يدير وجهه نحو إيوس، "أتظن أن الألم يهمّني؟ لقد جرى تفكيكي ألف مرة. لقد مُحيت من الوجود. نصلك الصغير هذا هو مجرد…"

سحب إيوس النصل للأعلى.

شق صدر أخنوخ كسكين ساخن يمر عبر الثلج، حيث قطع كل ما يمثل الأعضاء في جسد صِيغ من موت مائة وجود. خرج النصل عند عظمة ترقوة أخنوخ، والجرح الذي خلفه ورائه كان هوة شطرت جذع أخنوخ من عظمة القص إلى الكتف.

انهمر الإيكور في موجات. بدأ جسد أخنوخ ينهار تحت ثقله، والهيئة البيضاء الساطعة التي اتخذها بدأت تومض كمصباح على وشك الانطفاء.

تراجع إيوس خطوة إلى الوراء، وكان يتنفس بصعوبة. كان تاجه يخبو، والأضواء العشرة آلاف تومض كشموع في عاصفة. ذراعه، التي كانت تمسك النصل، اسودّت حتى المرفق، حيث كان الإيكور ينهش جلده وعضلاته وعظامه، لكنه لم ينظر إليها.

كان قد بدأ بالفعل في تشكيل السلاح التالي من "المُدمر" الخاص به. وبينما كان هذا السلاح منفرداً في غرضه، فإن إضافة "وحوش الأصل" إليه ضاعفت من فتكه ومنحته مرونة كان السلاح يفتقر إليها.

صرخ "المُدمر" صرخة قد تكون ألماً أو لذة وهة يتخذ شكل قوس، منحناه من اللحظات المتجمدة، ووتره من السببية، وسهمه لم يُطلق بعد ولكنه قد أصاب بالفعل.

سحب إيوس يده، واستعد للإطلاق. في اللحظة التي فعل فيها ذلك، تدفقت إليه كل ذكريات كل رامٍ عاش منذ بداية الوجود حتى هذه اللحظة. وكأن أطيافاً لا حصر لها ظهرت حوله، تمسك أقواساً مختلفة، من تلك المصنوعة من الخشب إلى المعدن، واندمجت في جسده.

لم يكن إيوس يقاتل وحده؛ كان يقاتل بكل "الأصل"… بكل "الوجود"، حيه وميته. السهم الذي تشكل على الوتر كان ذروة كل سهم أُطلق أو سيُطلق قط، كل مقذوف… ويلتف حوله "إرادة إيوس" المحضة التي أرادت محو الأعداء أمامه إلى عدم.

حبس إيوس أنفاسه وأطلق.

لم يطر السهم عبر الفضاء، بل عبر أخنوخ. دخل صدره وخرج من ظهره، وحيثما مر، خلف وراءه "غياباً". كان هذا غياب "الأول" من كل شيء. تحطم أعظم فخر لأخنوخ، وصرخ جنباً إلى جنب مع "النهاية". كانت صرخة بشرية، وللحظة، توقف إيوس.

الترجمة : كوكبة

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.