الفصل 258
“ولكن يمكنكِ فعل ذلك.”
يُسمع صدى ذاتي في الماضي موجهٌ إليّ.
صحيح، بل بالأحرى، لا بد أن أتمكن من ذلك لأنه لا خيار آخر لدي.
وعندما نظرتُ إلى الطرف الآخر محملةً بهذا العزم، التقت أعيننا. والطرف الآخر الذي كان ينظر إليّ بملامح تحمل معانٍ كثيرة، ابتسم بخفة.
“……يا للهول، أن تكوني قد جربتِ طعم الجوع.”
كان وجه الطرف الآخر وهو يبتسم وكأنه لا يستطيع حتى تخيل أمر كهذا، مستفزاً للغاية. مع أنها لا يمكن أن تجهل ما كنتُ ألمح إليه. وكأنها ترتدي قناع سيدة مفعمة بالرقي، بعد أن كنا نتصرف بذات الوقاحة ونتناوش منذ قليل.
“إذاً، بالنسبة لسمو الأميرة المخدورة المسكينة، ألا يمكنني تقديم كوب من الشاي لها؟”
وعندما تبعتُها وهي تومئ بأصابعها برقة داعيةً إياي لمتابعتها، ظهرت مساحة لم تكن مرئية من قبل، رغم كل ما فعلته سابقاً من قطع وطعن بالسيف وإحداث فوضى في كل مكان.
وبتعبير أكثر دقة، نبتت في الهواء درجات من النباتات في لحظة، وكأنها قصة من كتاب خيالي. ونزلت ليليوم خفيفة على تلك الدرجات. وهناك، كانت مساحة مصنوعة من الزجاج والفضة والرخام في انتظارنا.
كان المنظر المليء بطاولة الشاي، والكراسي، وعربة الطعام غريباً جداً. استخدمت ليليوم دون أدنى تردد الأثاث المصقول المتألق الذي يبدو وكأن مجرد لمسه سيترك أثراً. وكان ماء الشاي يغلي في إبريق الشاي المصنوع من الخزف الأبيض. وارتشفتُ ببطء جرعة من الشاي الذي صبته لي بنفسها. وكانت بتلات أزهار حمراء مجهولة الهوية تطوف على سطح الشاي.
-…مع ذلك، ألم يكن من الأفضل أن نكون حذرين؟( °δ° )
‘لو دست لي السم، فلن تسلم هي الأخرى.’
“إذاً، كيف وجدتي عبير الشاي؟ إنه الشاي الذي كانت الإمبراطورة كليوفاترا تستمتع بشربه كثيراً.”
“أها.”
“لقد طلبت هذا الشاي لأنها أرادت تقديمه للضيوف الأعزاء الذين يزورون القصر الإمبراطوري.”
“هووه.”
“إنه راقٍ وحامض قليلاً، وطعمه النهائي مر بعض الشيء. وهو مناسب تماماً لإخفاء السموم أو الأدوية.”
“………….”
كان من لحسن الحظ أنني لم أبصق ماء الشاي. غير أن عينيها الخضراوين اللتين تنظران إليّ وكأنهما تقيسان شيئاً ما، ظلتا كما هما.
……لنلخص الأمر.
لا أعرف السبب الذي جعل رايموند يعرف ذكريات ‘ما قبل’.
ولكن بما أنه تورط بشكل وثيق مع تشيرنوبوغ، فقد يكون ذلك هو السبب. وأنا أيضاً استرجعت كل ذكريات الماضي.
ولكن ما لم يُستخدم أسلوب خاص مثل راسبر، فإن أغلبية الناس لا يعرفون ذكريات ‘ما قبل’. وحتى ليشانثوس، رغم أنه كان يتصرف معي بأسلوب غريب، إلا أن ذلك كان يحدث بين الحين والآخر فقط.
إذاً، تلك التي تبتسم أمامي الآن وتستفزني، لن تكون… حاملة لكل الذكريات.
وبتعبير أدق، هي لا تعرف حقيقة أن هذا الشاي بالذات هو الشاي الذي قدمته في الماضي عندما حاولت تسميم 비비 (بيبي)… أو ما شابه ذلك.
في ذلك الوقت، كانت تيتانيا مجرد دمية في يد الإمبراطورة كليوفاترا من جميع النواحي. وبالطبع، كان من الواضح أن كلاً من الشاي والسم كانا بتأثير من الإمبراطورة كليوفاترا. وبالنظر إلى الأمر الآن، فهذا دليل ظاهري على أن هؤلاء القوم والإمبراطورة كليوفاترا كانوا يداً واحدة منذ ذلك الحين، بل وحتى قبل ذلك الحين.
“لقد تلقيتُ معاملة مماثلة من الكاهن من قبل.”
“آه، في ذلك الوقت. لقد قمتِ بطلب جريء للغاية. بصراحة، كان الأمر عجيباً. أنا، في ذلك الوقت…….”
“…….”
هل أقول إنه أخضر، أم أخضر فاتح؟ رغم أن اللون نفسه قد يكون متماثلاً، إلا أن بريق العينين مختلف تماماً. وكانت صورتي المنعكسة في عيني الطرف الآخر خالية من التعابير.
“لقد ظننتُ أن سمو الأميرة تيتانيا ستفارق الحياة حقاً، أتعلمين؟”
“………في ذلك الوقت، خب، السير رايموند هو من ساعدني.”
“أليس الأمر غريباً؟”
“………….”
“في القصر الإمبراطوري أيضاً، نعم. وعندما ألقيتِ بأسركِ لحماية الفتاة المسماة بيبي. قال الجميع إنه لا أمل، لكنكِ استيقظتِ بسلام.”
“……….”
“هل هذا لأنكِ متعاقدة مع إله النور؟ ولكن، يا ترى. إذا كانت الخلود، فإلى متى؟ وبأي شرط؟ في الأصل، كنتُ أريد إجراء تجربة على الأقل، ولكن…….”
مسح بريق أخضر بارد جسدي بالكامل ببطء. وأفضتُ عينيّ.
“……للأسف، هذا النوع من التجارب، أصبح من غير الممكن إجراؤه لفترة من الوقت.”
“واو، هل يجب أن أعرب عن شكري للسير رايموند؟ رغم أنه هو من قام بالاختطاف أيضاً.”
عندما أظهرتُ موقفاً جافاً، تحرك حاجبا الطرف الآخر.
“أنتِ حقاً غير أبالية أكثر مما ظننتُ. أنتِ……. هي، ألا تملكين مطلقاً القدرة على الاستشعار بخطر على حياتكِ؟ تبدين أسوأ من النباتات.”
“الشاي لديد، لكن الحلوى أسوأ مما توقعت. صنع خباز قصرنا أفضل بكثير.”
“…هل تتجرئين الآن على التذمر من الطعام أمامي؟”
“هذه الكانليه جرى تحميصها لفترة طويلة جداً. القشرة ليست مقرمشة بل يابسة وقاسية.”
استقرت نظرات الطرف الآخر التي تتأملني وأنا أتذمر من الحلوى، ببرود شديد.
“……….”
“أنتِ بالذات، أتعلمين…….”
ما كانت تقوله هذه التي أمامي هو مجرد ترهات فارغة. خاصة، ما كانت تقوله عن تشيرنوبوغ.
ولهذا السبب ربما، رغم أنها تأخذ هيئة امرأة ساحرة، إلا أنها كانت تبدو لي مجرد طفلة.
جنية قاسية نمت كما هي في وسط حديقة مصغرة ملتوية للغاية. تنظر إلى الإدراك البشري والواقع بأسره، من الأعلى وكأنه يخص الآخرين… قائلةً إنه ‘مزرٍ’، و’أحمق’…….
ورغم ذلك، كان هناك الكثير من شظايا المشاعر المألوفة جداً في النظرات التي تسددها إليّ.
يقال إن عكس الحب أو الكراهية هو اللامبالاة. وفي الواقع، لو كانت لا تهتم بي حقاً، لكان بإمكانها ترك الطعام بكثرة وإهمالي أو حبسي في مكان ما.
لكن هذه الخصمة كانت تتحدث إليّ بحجم صوت مرتفع وتوضح لي الموقف، وتستجيب لتصرفاتي. ومجرد تصرفها بأسلوب يقضي بأنها تعرف كل حقائق العالم التي يجهلها الآخرون، وأن الجميع تحت قدميها، يوضح كل شيء…
“هل تريدين أن تعترفي بي؟”
“……ها؟”
“أم أنكِ تريدين اللعب معي؟ لأنكِ الكائن الوحيد في العالم، وتابعة تشيرنوبوغ التي ولدت مكتملة؟ وهل تظنين أن من يناسب مقامكِ هي أنا التي ولدتُ كأميرة وأصبحتُ متعاقدة مع بيلوبوغ؟”
“……….”
تشوه وجه الطرف الآخر لبرهة قصيرة جداً. ولشدة طفوليته لم أستطع حتى الضحك.
…إذاً، في الماضي البعيد. تيتانيا التي كانت تعتقد أن نسبها ومظهرها هما فقط ما يثبتان قيمتها، لم يكن لديها أصدقاء. وبغض النظر عن كونها عاشت محبوسة في القصر الإمبراطوري كمنبوذة في العائلة الإمبراطورية دون أن تخوض حتى حفل الظهور الأول بشكل لائق، فإن ذلك يعود أيضاً إلى أن تيتانيا نفسها اتخذت موقفاً مفاده أنها لا تحتاج إلى مثل هذه الأمور.
وكانت تتصرف بنوع من الهستيريا قائلة ‘كل النساء يطمعن في رايموند!’… وكانت تعتقد أنه لا يمكن أن يكون هناك صديق يناسب مقامها كأميرة نبيلة.
وبالنظر إلى الأمر الآن، فهو أمر مضحك.
في مثل هذا الموقف، أن أجد شظايا من ذاتي السابقة في خصم التقيتُ به رغماً عني.
“……حتى لو آل العالم إلى نصرنا، فسواء كان ذلك بسبب العقد، أم لأنكِ خصم يصعب التخلص منه بعشوائية، فأنتِ شخص سيظل حياً لفترة طويلة. فلا بأس من فهمكِ…….”
“ألم تتواصلي بصدق من قبل مع شخص لا يؤثر فيه الإغواء؟”
“وهل هذا خطأ في شيء؟ على أي حال، الجميع يستسلمون لشهواتهم الخاصة بفيض من السهولة.”
“لا. ليس الأمر كذلك، أنتِ. فقط قولي بلمحة صراحة إنكِ تريدين اللعب إذا كنتِ تريدين اللعب.”
“……تتعاملين مع المرء وكأنه، طفل صغير……….”
“وأيضاً، كنتِ تزمجرين قائلة إنكِ لا تستطيعين قتلي بسبب شروط العقد، ولا يمكنكِ لمسي بعد. يبدو أنكِ لا تتذكرين الثغرة في ذلك العقد، أنتِ.”
توسعت عينا ليليوم. وابتسمتُ ابتسامة عريضة ورششتُ الماء الموجود في فنجان الشاي على ليليوم. قطرة، فقطرة. بلل ماء الشاي المعطر الوجه الأبيض والشعر الذي يشبه الأبنوس، وتكثف ليتساقط على الأرض. وابتسمتُ ببهجة في وجه الطرف الآخر التي فتحت فمها ذهولاً دون أن تفهم ما يجري.
“أنا أستطيع لمسكم.”
ورمتني الأخرى التي احمر وجهها بالكانليه من فوق الطبق. وأنا قلبت الطاولة.
وفي الهواء، اختلط ماء الشاي المعطر والحلوى ليتساقطا بأسلوب مهيب.
كانت تلك بداية شجار الشوارع.
“……لقد نفذتُ ما أمرتِ به.”
“جيد.”
كانت الإمبراطورة كليوفاترا التي تقف ناتالي أمامها أكثر جمالاً من أي وقت مضى.
وعلى عكس العادة، كان الثوب الأسود الفاخر الذي ارتدته يعطي بريقاً كالنجوم كلما تحركت. وفي الماضي، كانت تتنافس مع الإمبراطورة على العظمة من خلال تعليق نجم المحيط، ولكن الآن، ما قيمة نجم المحيط؟ سمح الإمبراطور لكليوفاترا بأن ترتدي بحرية الحلي الثمينة من الخزينة الإمبراطورية، والتي لا تحظى حتى الإمبراطورة بفرصة ارتدائها إلا في المناسبات الخاصة. وكان المعنى أنه بما أنها الأم البيولوجية لولي العهد، وبما أن مكانتها الآن لا تختلف عن الإمبراطورة، فلا بأس في ذلك.
“أين هي؟ هل عادت تلك الفتاة؟”
“…كلا.”
“سواء هربت الإمبراطورة أم بقيت في مكانها، فلا بأس. ليفعلوا ما يشاءون!”
قهقهت الإمبراطورة كليوفاترا، وضحكت من أعماق قلبها لأول مرة منذ وقت طويل جداً. لم يعد هناك داعٍ، أجل. لم يعد هناك داعٍ للتردد بعد الآن. والإمبراطورة التي تلقت الخبر بأن جميع ‘الأعمال’ قد بدأت أخيراً، كانت سعيدة جداً لأنها لم تعد بحاجة إلى التحمل أكثر من ذلك.
“تيتانيا تلك الفتاة كانت تتذمر من أن قصر الورود قد احترق. وبما أنهما تصرفتا كأم وابنتها بطريقة مثيرة للشفقة رغم عدم اختلاط دمهما، فسيكون من الجيد إعطاؤهما التجربة نفسها في هذه الفرصة.”
“……إذا تطايرت النار بالخطأ إلى مكان آخر.”
“لن يحدث ذلك.”
الان لم تعد هناك حاجة حتى لمراعاة مشاعر الإمبراطور. ولهذا السبب كانت الإمبراطورة كليوفاترا تنوي إحراق قصر الإمبراطورة بالكامل. ألا يُسمع من بعيد، من بعيد جداً، صوت صراخ البشر الذين يشبهون الحشرات؟
كلا، وحتى لو امتدت النار إلى مكان آخر، فما المشكلة في ذلك؟ حتى لو احترق القصر الإمبراطوري قليلاً، فلا توجد أي مشكلة. الآن.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.