الفصل 257
سيدتيل 257
هذه قصةٌ تعودُ إلى زمنِ اشتعالِ العالم.
[دعنا نتراهن.]
[…تراهن؟]
[ليس الأمرُ سيئاً بالنسبةِ لك، أليس كذلك؟]
على الرغمِ من انفصالهِا عن أتباعهِا وتخلفهِا عنهم، إلا أن نظراتِ خصمهِا كانت تتقدُ حدةً و وهجاً.
وجدَتْ ليليوم ذلكَ أمراً عجيباً.
كانت ليليوم والمتعاقدةُ المحطمةُ مع حاكم النور في وضعينِ متضادين من كافةِ النواحي. فباستثناءِ الجمالِ الأخاذِ الملحوظ، لم تكن هناكَ أيُ مساحةٍ مشتركةٍ بينهما. إلا أن تلكَ الخصمَ أثارتْ فضولَ ليليوم. فقد كانت في مثلِ عمرِها، ومتورطةً في أمورٍ تخصُ حكام، وأيضاً، كيف يمكنُ القول…
على أيِّ حال، نشأت ليليوم في دلالٍ ورخاء.
وحتى عندما ماتَ الطائرُ الذي كانَ يغردُ بجانبها وسقطَ تحتَ مياهِ البركة، وماتتْ السمكةُ التي أكلتهُ وطفَتْ على السطح، وماتَ طائرٌ آخرُ نقرَ تلكَ السمكةَ حتى أصبحتْ حديقةُ الزهورِ في حالةٍ يرثى لها. بدلاً من أن تبتسمَ وتدفنَ شيئاً ما، كانت تفحصُ حالةَ زهرةٍ واحدةٍ ستزهرُ في تلكَ الحديقة.
لذا، كانَ من الطبيعي أن تشعرَ بالاستغرابِ من منظرِ خصمِها التي هبطَت إلى درجةِ أن تحفرَ عن جثةِ طائرٍ سقطَ على الأرضِ و تشعلَ النارَ لتشويهِا و تأكلها وهي تغصُ به.
لقد رأتها مرةً واحدةً من بعيدٍ في الماضي. وكانت تبتسمُ كدميةٍ ورقيةٍ هزيلة. ولهذا لم تستطع فهمَها أكثر.
في ذلك الوقت، كانَ جوفُها فارغاً لدرجةِ أن صوتَ ضحكِها كانَ يبدو وكأنه يجعلكَ تسمع سحقَ ورقةٍ هزيلة، أما الآن فكانت عيناها الخضراوان اللتانِ تتألقانِ بحدةٍ تشبهانِ وقوداً للنيران.
‘تلك’ هي من وقعَ عليها الاختيار؟
لماذا؟
حتى مظهرُها الذي كانَ جميلاً في يومٍ من الأيام قد تحطم، وتصرفاتُها تشبهُ أوباشَ الشوارع.
من أجل البقاء؟
حتى لو نَجَتْ بهيئةٍ كهذه، هل سيكونُ لذلكَ قيمةٌ حقاً؟ لو كانت ليليوم… لكانت أخذتْ بيدِ والدِها وحافظتْ على هدوئِها حتى اللحظةِ الأخيرة.
ولذا لم تستطع ليليوم مقاومةَ الفضولِ الذي جرفَها فجأة.
[……حسناً، لكن. يجبُ أن تكونَ الشروطُ عادلة. كشرطٍ للصفقة، سنمحو ذكرياتِنا نحنُ الاثنتين. ولكن….]
[آه، أجل. إذا خسرتُ فأنني سأصبحُ أيَّ شيء، لعبةً أو قرباناً أو طعاماً للوحوش، فلا تقلقي.]
إذا كانَ هذا خروجاً عن المألوف، فقد كانَ خروجاً بحق.
زهرةُ الشرِ النادرةُ والجميلةُ التي نشأتْ بدلال، ارتكبتْ رهانًا لمرةٍ واحدةٍ فقط ظانّةً ‘ما المشكلةُ في أمرٍ كهذا’.
وكانَ قلبُها ينبض خفقاناً متسارعاً لارتكابِ عملٍ سيئ.
ولكن، يا سيد تشيرنوبوغ. ويا أبي العزيز.
تلكَ النكرةُ تثقُ أنها ستتمكنُ من النجاحِ إذا تجاوزتْ هذهِ اللحظةَ فقط.
وبالفعل، يبدو أنَّها ستلتقطُ أنفاسَها الأخيرةَ فوراً حتى دونَ أن أمدَّ يدي إليها…
لذا أودُ على الأقل أن أراقبَ اللحظةَ التي تُكسرُ فيها تلكَ الآمال.
سيكونُ ذلكَ ممتعاً جداً على ما يبدو.
في الأصل، أكثرُ القراراتِ أهميةً تخضعُ لسيطرةِ شظايا مشاعرَ ضئيلةٍ أكثرَ مما يتوقعُ المرء.
وهذهِ القاعدةُ كانت تنطبقُ حتى على الطفلةِ النبيلةِ التي تعلمت أن كلَّ القواعدِ التي عرفتها هي وحدها أعلى من كلِ نظامٍ في هذا العالم.
***
“سيدي، ليست وحيداة. لأنني موجودة.”
“حتى لو كانَ هناكَ بضعةُ أتباعٍ لا يفعلون شيئاً سوى التمجيدِ والاتباعِ لكلِّ ما يخصُ سيدتكِ،…….”
بلعتُ الكلامَ الذي وصلَ حتى أطرافِ حقيقي. لقد قضيتُ هنا فترةً قد تكونُ قصيرةً أو طويلة، لكنني لم أشعرْ بوجودِ رائحةِ حياةِ البشرِ في هذا المكان. ولا يمكنُ لقطعةِ أرضٍ تابعةٍ لنبيلٍ بسيط أن تخفيَ مساحةً شاسعةً كهذهِ بسهولة، ولا يسعني سوى الشكِ في أنها إحدى المساحاتِ الأكثرِ أهميةً التي جرى إخفاؤها لاستخدامها عندَ الحاجةِ فقط.
والشخصُ الذي يُرى هناك هي هذهِ الفتاة، الملقبةُ بـ بريمروز، وتُدعى اختصاراً بريم. وليليوم التي تتبعُها هذهِ الفتاةُ كأنها حياتُها.
عندما يبردُ ذهني، تتشكلُ لدى الكثيرُ من التقديرات. الكلماتُ التي كانت تفصحُ بها ليليوم أمامي كانت حقيقة، لكنها… مم، كانت مبهمة.
ليسَ كلُ شيءٍ يُحلُ بالجوِ الساحرِ والصوتِ الجميلِ والمظهرِ الحسناءِ فقط. وربما كانَ سببُ قلّةِ تأثري بهذا الإغراءِ هو كوني متعاقدةً مع حاكم النور…
“…ما علينا، أجل. سيدتكِ كائنٌ كاملٌ لا تحتاجُ إلى أصدقاءٍ ولا إلى أيٍّ شيء. ولهذا تأتي إليّ بلا داعٍ لتلعبَ ألعاباً طفوليةً مثل ‘ليسَ لديكِ مستقبل’، وتتركني أطعنُ في أيِّ مكانٍ دونَ أن تهتم.”
“تـ، تصرفاتُها ليست طفولية!”
لوحت الفتاةُ الغاضبةُ بيمينِها نحوي. ومن أطرافِ أصابعها التي كانت تبدو كيدِ إنسانٍ طبيعي، امتدتْ أظافرُ تشبهُ الأشواكُ بسرعةٍ نحو أطرافِ كتفي ومستها.
-إيااااه، أيعقلُ أن هؤلاء الأشرار ينتهكون العقد؟! بهذه الوقاحة؟!(꒪⌓꒪)
يا إلهي، هذا يؤلم… وقبل أن أصدر صوتاً أنين. سُمع صوتُ صراخ.
“آااااااااخ!”
كانت أطراف الأظافر التي لوحت بها نحوي تذوب بصوتِ غليان. ولم يقتصر الأمرُ على إصابة أطراف الأصابع فقط، بل كان منظرُها مزرياً وهي تتمرغُ على الأرض وتتدحرج. وكانت الدموعُ تتساقطُ من عينيها بكثرة، وأطرافُ جسدها المنهكة التي لم تتحمل الألم كانت ترتجفُ وتخمشُ الأرض.
“بريم!”
لم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً لتأتي ليليوم ركضاً. وسواء كان كلامها عن اعتزازها بها صحيحاً، فقد جاءت ليليوم ترفرفُ بأطرافِ ثوبها وتفقدت بريم في كل مكان، ثم تنهدت بصوتٍ خفيض ونظرت إليّ.
وبتعبيرٍ أدق، إلى الخطِ الأحمرِ القاني المخطوط على طرفِ كتفي.
وقطبت حاجبيها وكأنها تواجه شيء مزعج، ثم سألت بصوتٍ خفيض:
“…هل تعمدتِ إغواءها لانتهاك العقد؟”
“مستحيل. الخادمة التي تحبُ سيدتها بجنون هي من ألحقت الضرر بالضيفة. أنا مظلومة.”
عندما تحدثتُ بصوتٍ جاف، استمرت ليليوم في احتضان بريم الصارخة ونظرت إليّ بحدة وقالت.
“اخرجي.”
“همم؟”
“اخرجي من هذه الغرفة. لن أكرر كلامي.”
هززت كتفي وخرجت من الغرفة.
***
ظننتُ لا وجود لباب، لكن ألواحاً تشبه جذوع الأشجار الملتفة نمت في الوقت الفعلي وسدت الباب. وضعتُ أذني بجد بجانب ذلك الباب. وعندها سُمع صوت همس خفيض.
‘كيف تفعلين هذا وأنتِ لم تتعافي بالكامل بعد؟ لنذهب لاحقاً إلى غرفة الزراعة… يجب أن نسترد طاقتكِ.’
‘أنا، آسفة.’
كانت أصواتاً تحنّ بالود بحق. وأثناء الاستماع إلى تلك الأصوات، قلتُ للسيف:
‘ما هي المحتويات التي يمكن استنتاجها من هذا؟’
-نعم، يبدو أن الكائنات التي تفترض شكل أسلحة مدمجة بين البشر والوحوش مثل تلك الفتاة بريمروز، يتوجب عليها الحصول على الإمدادات من منشآت خاصة كهذه.(´⊙o⊙`;)
‘لأنها نتيجة التجارب.’
-ويبدو أنها تستطيع محاولة إلحاق الضرر بالسيدة. إلا أن ارتداداً يتبع ذلك لاحقاً… يبدو أنه أمر محتوم.סּ_סּ
‘وبتعبير دقيق، كان مجرد خدش بسيط، وإذا كان خصم بهذا المستوى لا يستطيع الحركة لفترة، فلو ألحقت بي جرحاً كبيراً فلن تكون سليمة هي الأخرى.’
-نعم، في الأصل كلما زادت مرتبة الكائن، لا يمكنه نكث القَسَم أو الوعد الذي قطعه باسمه ووجوده، وإذا نكثه فقد يصل الأمر إلى التلاشي… (◔_◔)
‘هذا صحيح أيضاً، ولكن لا بد من وجود شيء ما هنا. فتنزیل كائن كبير مثل تشيرنوبوغ داخل جسد بشر يستلزم أكثر من أمر أو أمرين.’
حتى بالنسبة لإعادة الدوق كاستراين إلى الحياة، كان الأمر يتطلب قلب الوحش الذي أعده تشيرنوبوغ بصر أسنانه منذ وقت طويل جداً. وبما أن بيلوبوغ لم ينزل قط في جسد بشري، فربما لا يمكننا معرفة كل ما يحتاجه تشيرنوبوغ.
‘…على أي حال، الارتداد قوي حقاً. سيتوجب عليها البقاء هنا لمدة أسبوع دون حراك.’
‘لا، يمكن، فعل، ذلك! أنا، سأنقذ… سيدتي.’
‘لا يمكن. هناك شرخ في النواة. إذا ازداد الأمر سوءاً فسيتوجب تغيير الجسد مجدداً. وفي هذه الأيام من النادر العثور على عينة نجاح جيدة.’
‘……لأنني، غير كافية……. في مثل هذا، الوقت المهم…….’
‘لا بأس. وأهم من ذلك هو ألا تهاجمي الضيفة حتى عن طريق الخطأ. لو كان بهذا القدر….’
أجل. لو كان بهذا القدر، فلو وطئتُ جيشاً من نمل الوحوش الماشية والتهبت بشرتي بسبب حمض النمل، فهل سينقرض جنس النمل بالكامل؟
وبما أنها تستطيع استخدام التعافي الذاتي أيضاً، فلو تسببتُ بخدش واحد وأسقطتُ أعداداً هائلة من الوحوش، فهذا أمر يستحق المحاولة حقاً…؟
أليس هذا خياراً ممتازاً…؟
-…متعاقدتي، لستِ تفكرين في شيء غريب، أليس كذلك؟(¬▂¬)
‘عفواً؟ أي شيء غريب؟’
-بما أن النتائج جيدة هكذا، فإن مجرد الاندفاع بجسدكِ العاري أمام أولئك الأشرار والبقاء على قيد الحياة، سيقتل كل من يهاجمكِ. أليس هذا ما تفكرين فيه؟٩(๑´^`๑)۶
‘يا هذه. يجب أن ننهرب أيضاً.’
-…أنتِ تفكرين في شيء غريب حقاً! أنا لا أستطيع التحمل!◟(`ﮧ´ ◟ )
في تلك اللحظة، وبمجرد سماع صوت خطوات الأقدام، أبعدتُ أذني عن الباب واستقمت.
وبعد أن ابتعدت خطوة، ووقفتُ أنظر إلى الباب بوجهٍ يظهر عليه الملل الشديد، فتحت ليليوم الباب وهي تحمل علامات انزعاج واضحة ثم جفلت لبرهة. فقد كان وجهها يبين أنها لم تتوقع أن أكون واقفة هناك بتلك الهيئة.
“هل تلك المسماة بريم بخير؟”
“يا للرعب، هل تسألين عن حالها الآن أمامي؟”
“ألا يحق لي أن أسأل؟ أنا لم آمرها بالهجوم عليّ فوراً.”
نظرت إليّ ليليوم بوجهٍ يصعب التعبير عنه.
“على أي حال، أنا جائعة، ألا يوجد طعام حقيقي؟ واو، مع ذلك لقد عشتُ كأميرة. وأنتِ أيضاً ابنة ماركيز، أليس كذلك؟ وثقافة شرب الشاي أكثر شيوعاً من الأكل، فهل يعقل ألا تقدمي لي قطرة شاي واحدة؟”
“……أنتِ وقحة جداً، أليس كذلك؟”
“إذا خضتِ حرباً وأنتِ تجوعين، فسيصبح أي شخص وقحاً.”
“……….”
“لقد مر وقت طويل منذ أن شربتُ الشاي مع شابات نبيلات من سنّي.”
ومضت عينا ليليوم بلونٍ غريب فور سماع كلامي.
تلك المسماة ليليوم نادراً ما ظهرت بشكل صريح في التاريخ أو في العمل الأصلي أو في الذكريات حتى الآن.
وقد قالت بريمروز إنها تملك تلك القدرة في الأصل.
ومع ذلك، إذا كنتُ أتذكر حتى الترهات التي أغراني بها تشيرنوبوغ، فمن الغريب ألا أتذكر ليليوم وهي تابعة له. إذاً هناك شيء ما في الأمر.
‘أيتها الذات الماضية، لقد تركتِ لي الكثير من الواجبات المنزلية!’
أردتُ أن أُمزق شعري. وشظايا الماضي التي كانت نائمة على شاطئ الذكريات تحت الأمواج اللطيفة أخذت تضحكُ بصوتٍ عالٍ.
لقد قمنا بواجبنا، والآن جاء دوركِ.
صوت يضحكُ هكذا.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.