الفصل 190
“هذا هو البابُ الخلفيُّ.”
“……… بيبي؟”
“هنا، هنا، بهذا يمكنكِ الاستعانةُ بفرقةِ حراسةٍ طارئةٍ. بما أنكِ لم تحصلي على اسمِ عائلةِ كاستراين، فهذا هو الحدُّ الأقصى، ولكن هذا مفتاحُ الإسطبلِ الثالثِ، وخذي هذا أيضًا.”
“… بيـ، بيبي؟”
تصَبَّبَ العرقُ الباردُ من الشخصِ القابعِ أمامَ عينيها. لكنَّ بيبي لم تترددْ، وبيدَيها الصغيرتين كبراعمِ السرخسِ، واصلتْ تمريرَ الأشياءِ المتراكمةِ أمامَها بقوةٍ وإلقاءَها أمامَ الطرفِ الآخرِ.
خريطةٌ مختصرةٌ للمنافذِ والبواباتِ الخلفيةِ المستخدمةِ عندَ الطوارئِ، والممراتِ السريةِ -باستثناءِ تلكَ المخصصةِ لأفرادِ العائلةِ المباشرين فقط-، وشارةٌ ترمزُ إلى السلطةِ لاستدعاءِ بعضِ القواتِ في حالاتِ الطوارئِ، كانت تلكَ الأشياءُ متناثرةً هناكَ.
أشياءٌ ثريةٌ وثمينةٌ للغايةِ، لو رآها أعداءُ عائلةِ كاستراين لربما فعلوا أيَّ شيءٍ للحصولِ عليها.
ولم تُسارعْ تيتانيا إلى أخذِها، بل تجمدتْ من الرعبِ وكأنها تنظرُ إلى طاعونٍ.
كان هذا أمرًا متوقعًا.
“بيـ، بـــیـــبــــي. لا يجوزُ لكِ أعطاءُ مثلِ هذهِ الأشياءِ لجميعِ الناسِ بعشوائيةٍ! خاصةً خريطةً كهذهِ! ماذا لو تسربتْ إلى مكانٍ ما؟!”
“هل ستنشرينَها في الخارجِ يا أختي؟”
“لا!؟”
“إذن لا بأسَ.”
فتحتْ تيتانيا فمَها بذهولٍ وأمسكتْ رأسَها بكلتا يدَيها. وكانت عيناها تدورانِ بدوارٍ دونَ أن تدري ماذا تفعلُ، لدرجةِ أنَّ المشهدَ كان مضحكًا قليلًا.
أحبتْ بيبي تيتانيا هذهِ. لدرجةِ أنها لم تُرِدْ نبشَ ما تخفيهِ تيتانيا.
“أختي.”
ولكن، هل تجهلُ تيتانيا أيَّ شيءٍ عن بيبي؟
إنها تتخبطُ وترتبكُ بإظهارِ مودّةٍ لا تظهرُ إلا بينَ أفرادِ العائلةِ. بالطبعِ، الجوهرةُ الثمينةُ الوحيدةُ لعائلةِ كاستراين تستحقُ ذلكَ، ولكن…
حتى عندما تصدُّ خطيبَها، الذي هو الدوق الشابُ لأسرةِ كاستراين نفسها؟
إذن، لماذا تبتسمُ لبيبي فقط بابتسامةٍ مشرقةٍ تذوبُ لها القلوبُ؟
بدَتْ قلقةً ومضطربةً وهي تنظرُ إلى الهدايا الممنوحةِ لها. ظهرتْ عليها علاماتُ الحيرةِ، متسائلةً: ماذا تفعلُ بيبي بإعطائي شيئًا كهذا؟
كان هذا مظهرًا لا يظهرُ إلا من قِبَلِ أفرادِ العائلةِ الذين يقبلونَ بعضَهم البعضَ تمامًا داخلَ حدودِهم. وفي كلِّ مرةٍ كانت ترى فيها هذا الجانبَ منها، كانت هناكَ كلماتٌ لا تُنسى تترددُ في أذنيها.
يجبُ أن تعودي إلى الأشخاصِ الذين يحبونكِ… أنتِ ثمينةٌ ولطيفةٌ جدًا، ولذلكَ تستحقينَ العودةَ، بنبرةٍ لا تختلفُ عن قولِ ذلكَ.
تعرفُ بيبي هذهِ المشاعرَ أفضلَ من أيِّ شخصٍ آخرَ. أنا بلا قيمةٍ، سأموتُ هكذا دونَ أن أتركَ شيئًا، أنا، أنا.
لأنها استمرتْ في اليأسِ بهذهِ الطريقةِ قبلَ موتها.
لذلكَ، تمنتْ أن يحلَّ النورُ على ذلكَ الوجهِ. وتمنتْ أن تغدو تيتانيا سعيدةَ أيضًا.
بدلاً من أن تظلَّ تيتانيا غارقةً في نهرِ الاستسلامِ ميؤوسًا منها، كانت شخصًا يبتسمُ بمرارةٍ ويقولُ ‘لا بأسَ’ ويخرجُ يسيرُ بعيدًا عن ذلكَ النهرِ…
في الواقعِ، لا أعلمُ ما إذا كانت كلُّ الخياراتِ ستكونُ من أجلِ نفسها.
إذن، ماذا عليَّ أن أفعلَ بالظبطِ؟
“أختي، لديكِ عملٌ عليكِ القيامُ بهِ أيضًا، أليسَ كذلكَ؟”
اتسعتْ حدقتا تيتانيا، التي ربما توقعتْ كلماتٍ مثل ‘أن تخرجي ركضًا دونَ أن تثقي ببيبي وبأفرادِ عائلتنا بعدَ كلِّ ما وصلنا إليهِ، فهذا كثيرٌ جدًا! كان عليكِ أخذُ الحراسِ معكِ بشكلٍ صحيحٍ!’.
بيبي… سمعتْ قبلَ قليلٍ خبرَ عودةِ دوقِ كاستراين. وسمعتْ أيضًا أنهُ التقى بتيتانيا.
مهما غَيَّرتْ بيبي إدراكَها الخاصَ، ومهما وضعَ دوقُ كاستراين كلَّ شيءٍ في تلكَ اليدينِ الصغيرتينِ كبراعمِ السرخسِ. فإنَّ دوقَ كاستراين لن يرسلَ بيبي إلى الوحوشِ حتى لو كلفهُ ذلكَ فقدانُ حياتهِ عشراتِ أو مئاتِ المراتِ بالتناوبِ.
لذا، لم يكن بالمقدورِ منعُهُ من اختبارِ تيتانيا، التي التقى بها لأولِ مرةٍ، بتلكَ الطرقِ.
لم تتوسلْ تيتانيا ولم ترثِ أمامَ دوقِ كاستراين العظيمِ. بل عُومِلَتْ كضيفةٍ باستقامةٍ.
لكنها لن تشتكي لبيبي أبداً وتقولُ: ‘لقد انزعجتُ من تلقي مثلِ هذهِ المعاملةِ’. لأنها لا تريدُ خلقَ موقفٍ محرجٍ لبيبي يضطرُها للاختيارِ بينَ ‘بابا’ العزيزِ وتيتانيا.
ولكن، طالما أن دوقَ كاستراين موجود، فإنَّ تيتانيا ستفكرُ بأنهُ في أيِّ وقتٍ وتحتَ أوامرِ رئيسِ العائلةِ، وحتى لو قُطِعتْ صلتُها بعائلةِ كاستراين، فستقولُ ‘لا بأسَ’.
لذا، قررتْ بيبي ببساطةٍ القيامَ بما يمكنُها القيامُ بهِ.
مهما اعتذرتْ لآلافِ الأيامِ، فكان من الواضحِ جداً أن تيتانيا ستطرفُ بعينيها وتبتسمُ بنضجٍ قائلةً: ‘لقد قامَ دوقُ كاستراين بما هو طبيعيٌ، لا داعيَ لأن تعتذرَ بيبي’.
من لا يعرفُ ذلكَ؟
لكن مشاعرَ الإنسانِ هي التي تتأذى. هل نحنُ غيرُ مقربينَ لدرجةِ ألا نبوحَ بما يحزنُنا، وهل اختي ليست بحاجةٍ إلى مواساةٍ من أحدٍ؟ تفكيرٌ كهذا شغلَ بالَ بيبي كثيراً.
ولكن كان عليها أن تقتنعَ تدريجياً.
هذهِ الأختُ عنيدةٌ للغايةِ.
إنها أشدُّ من اخي رايموند! وبمعنى ما، قد تكونُ شبيهةً بـ بابا!
“سمعتُ أنهُ لم تكن لديكِ وسيلةُ ركوبٍ مناسبةٍ، فأخذتِ زلاجةَ الثلجِ تلكَ وعدلتِ عليها واستخدمتِها.”
“………….”
فكرتْ بيبي في شهادةِ الشاهدِ التي سمعتْها قبلَ قليلٍ.
‘بالتأكيدِ كان هناكَ شيءٌ ما فوقَنا… شيءٌ يشبهُ المارلين… كان يطيرُ! حقاً! بدا وكأنهُ سفينةٌ أيضاً!’
‘ما هذا الكلامُ المجنونُ، لماذا تطيرُ سفينةُ مارلين في منتصفِ الليلِ وهي ليست بزلاجةٍ ولا حصانٍ؟ هل نعستَ؟ لو كان وحشاً لطلقَ إنذارٌ مختلفٌ، لذا لم يكن وحشاً.’
‘هذا صحيحٌ! شيءٌ ما… كان يرفرفُ في الهواءِ! وتركَ آثاراً على الثلجِ أيضاً!’
‘… أليسَ شبحاً؟!’
تطلعتْ تيتانيا، القبطانةُ الفخريةُ لشبحِ سفينةِ المارلين التي تعبرُ حقولَ الثلجِ في الخرافةِ الجديدةِ، إلى الهواءِ بعينينِ تعجزانِ عن الكلامِ.
“لذا سأعطيكِ وسيلةَ ركوبٍ. ونعم، سأعطيكِ أيضاً قوةَ حراسةٍ طارئةٍ يمكنكِ استخدامُها كما تشائينَ لو حدثَ موقفٌ كهذا مجدداً. ولكن، لو حدثَ أمرٌ عاجلٌ مجدداً وقمتِ بالتسللِ كقطةٍ سارقةٍ وقفزتِ من فوق السورَ وأصيبَ كاحلكِ، فماذا نفعلُ؟”
“بيـ، بيبي، ولكن الأخت… القفزُ فوقَ سورٍ واحدٍ لا يتسببُ في كسرِ… الكاحلِ… … أيتسببُ؟”
عندَ سماعِ عذرِ تيتانيا، ان انفجرتْ مرارةُ بيبي.
حتى لو ماتتْ، لن تقولَ إنها لن تقفزَ فوق السورَ!
ما هذا؟ كيفَ أصبحتْ هذهِ الأختُ هكذا؟ هل هو ريسيانثوس حقاً؟ هل هو كذلكَ؟ منذُ أن أحرقَ القصرَ الورديَّ بالنارِ وكانت العلاماتُ غريبةً؟
هل الإناءُ الذي ينضحُ من الداخلِ ينضحُ من الخارجِ أيضاً، هل إناءُ بيتنا المحترقُ أشعلَ النارَ في بيتِ الآخرينَ أيضاً وأصبحَ على هذهِ الحالِ؟
بالطبعِ، لو سمعَ ريسيانثوس هذا التفكيرَ الداخليَّ لشعرَ بالظلمِ.
تصرفُ تيتانيا اليومَ، هو لم يكن يعلمُ عنه شيءً فلماذا تتجهُ السهامُ إليهِ؟ لهذا السببِ فإنَّ التصرفاتِ اليوميةَ مهمةٌ.
“أخبريني بكلِّ ما تفعلينه، وكلِّ أسراركِ. أنا لا أطلبُ منكِ إشراكي في كلِّ ما تفعلينه. بيبي ليست طفوليةً إلى هذا الحدِّ.”
بما أنَّ بيبي لا يمكنُها أن تتصرفَ معطيةً الأولويةَ لتيتانيا على كلِّ شيءٍ في العالمِ، فلا يمكنُها مطالبةُ تيتانيا بذلكَ أيضاً.
إذن، لا بأسَ، في المرةِ القادمةِ ليسَ هناكَ خيارٌ سوى تقديمِ كلِّ شيءٍ والمطالبةِ بالتصرفِ بقلةِ تهورٍ قليلاً فقط.
لو كان الأمرُ بيديها، كانت تريد أن تضع رايموند وريسيانثوس، أعمدة عائلة كاستراين، تحت قدمي تيتانيا.
لكنَّ تيتانيا كانت ترغبُ في عدمِ رفضِ هدايا بيبي، التي كانت أصغرَ سناً ولديها حجةُ أن بيبي هي من أنقذتْها. وضعت الجدارُ الحديديُّ تجاهَ خطيبِها، وأخوهُ الأصغرُ غيرُ الناضجِ…
عندما تفكرُ بيبي إلى هذا الحدِّ، كان رأسُها يؤلمُها. لسببٍ ما، شعرتْ أن هؤلاءِ الإخوةِ لا يجيدونَ الحبَّ!
لذا، كان عليها أن تبتسمَ ببطءٍ وتفرضَ رأيَها بحججٍ واهيةٍ.
لا يجبُ تركُ تيتانيا ترفضُ قائلةً إنها تسببتْ في إزعاجٍ كافٍ وأنها غريبةٌ وما إلى ذلكَ من أعذارٍ.
“ولكن، لقد قدمتُ لكِ الكثيرَ من الوسائلِ والطرقِ الرائعةِ والممتازةِ. إذا صنعتِ المشاكلَ وأصبتِ بالضرر بناءً على أعذارٍ مثل عدمِ الرغبةِ في الإزعاجِ، وأنكِ غريبةٌ، فستحزنُ بيبي كثيراً! لقد أعطيتكِ المالَ والشرفَ والسلطةَ، ولكنكِ لا تستخدمينَها يا أختي!”
“… بيبي، النبرةُ غريبةٌ قليلًا.”
قررتْ بيبي أن تتصرفَ كطاغيةٍ أمامَ تيتانيا المعاندةِ.
أنا أعطيكِ، فلماذا لا تستخدمينَها؟ لماذا لا تستخدمينَها؟
“إذا قفزتِ السورَ وأصيبَ كاحلكِ، فسأزيلُ السورَ.”
“بيبي، هذا يبدو كلاماً مجنوناً للغايةِ. ألا ينبغي لنا التفكيرُ في الأمنِ؟ الأختُ ستعيشُ لفترةٍ قصيرةٍ ثم ترحلُ، ولكن بيبي يجبُ أن تستمرَ في العيشِ هنا؟”
“إذن، إذا كانت اختي لا تريدُ لبيبي أن تصبحَ في خطرٍ، فستستخدمينَ الخريطةَ، أليسَ كذلكَ؟ إذا استخدمتِ السورَ بكثرةٍ والتوى كاحلكِ وجعلتِ بيبي تزيلُ السورَ والدموعُ في عينيها، فأوه، سيكونُ المبنى مرئيًا بوضوحٍ. والقتلةُ الذين يعتقدونَ أنهُ سهلُ الدخولِ سيدخلونَ كلَّ يومٍ، وستسهرُ بيبي الليالي، ويسودُ وجهُها، وتفقدُ شهيتَها…”
“… لن أقفزَ من فوق السورَ. سـ، سأحفظُ الخريطةَ، سأحفظُها وأحرقُها حتى لا يراها الآخرونَ…”
أعلنتْ تيتانيا الاستسلامَ في النهايةِ.
***
بفضلِ تعاونِ بيبي، أصبحَ التحركُ داخلَ عائلةِ كاستراين مريحاً للغايةِ.
بفضلِ ذلكَ، فتشتُ المكتبةَ السريةَ مجدداً، وسمّنتُ جيمينا لتصبحَ سمينةً، وشربتُ الشايَ مع فلوكس الذي بدأ يتوددُ رويداً رويداً متسائلاً عما أفعلهُ هذهِ الأيامَ، وشعرتُ بالأسفِ على رايموند الذي كان يموتُ من كثرةِ العملِ، وأبعدتُ ريسيانثوس الذي كان يقيمُ ضجةً عارمةً قائلاً إنهُ إذا كانت زلاجةُ الثلجِ قد أعجبتني إلى هذا الحدِّ فسوفَ يصنعُ لي أفضلَ زلاجةِ ثلجٍ، وزرتُ معبداً مجاوراً وتجاذبتُ أطرافَ الحديثِ الرأسماليِّ مع كاهنٍ شابٍ يُقالُ إنهُ مقربٌ من الكاهنِ الأكبرِ إيليا، وركضتُ وراءَ فان قائلةً ‘مرةً واحدةً فقط، لنطهرْ تلكَ اليدَ مرةً واحدةً فقط’ ليفرَّ فان هارباً، ونتيجةً لتلكَ الأيامِ المزدحمةِ.
“لقد اكتملتْ!”
الأشياءُ التي طلبتُها من لاسفر قد اكتملتْ.
كان ذلكَ في اليومِ الذي يسبقُ تاريخَ طقوس تكريس.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.