الفصل 186
سمعتُ صوتَ همسِ فان ولاسفر بالتبادل من جانبي.
“ذ، ذلك، أنا لم أكن بخير…….”
“ظننتُ أنني لن أضع قدمًا في معبد طوال حياتي، لكن بدا لي وكأنني يجب أن أذهب إلى المعبد وأصلي.”
“مع كل أسفي، لكـ…… لا، همم. أيا كان هذا حاكم، لا أظن أنه سيعطيك بركته لو سمع صلاةً كهذه…….”
“لو صلى شخص مثلي ، فعليه أن يكون ممتنًا، لا أن يتدخل في التفاصيل.”
……لو سمع كاهنٌ مفعم بالإيمان كلام فان المبتذل هذا، لعقد العزم على “إرساله إلى جوار ذاك العظيم بضربة واحدة”، بينما كان لاسفر يوافق فان الرأي مع أنه حاول أن يدعوه بمعلمه ثم استدرك الأمر بعد أن لمح الجو، فاستمعتُ لكلامهما من أذن وأخرجته من الأخرى وأنا أبتسم ابتسامة ممتضة.
هـ، هل كانت السرعة عالية قليلاً.
نظر رايموند إليّ وإلى لاسفر وفان اللذين كانا يتهامسان، ثم فحص بنفسه وبشكل مباشر بقايا المزلقة الثلجية (ما كانت عليه سابقًا). ثم نظر إليّ بوجه يعلوه الذهول.
“في منتصف الليل، وعلى شيء أُعد بعجالة، ألقيتِ بضع طبقات من السحر بصعوبة. وعلى شيء لا يمكن التحكم به بشكل صحيح؟”
-هذا صحيح! بصراحة كان تصرفًا مجنونًا بحق متعاقدتي!
‘إذن ما هي الطريقة الأخرى التي كانت لدينا!’
“…بما أن النتيجة كانت حسنة، أليس الأمر بخير على أي حال؟ آ، لا، لقد أخطأت. أنا أندم وأراجع نفسي.”
“مرة أخرى، لا تـ…….”
توقف كلام رايموند الذي كان يبدو وكأنه يحثني ألا أفعل ذلك مجددًا.
لو تكرر نفس الموقف ولم تكن هناك بدائل أخرى…. ألن يتوجب عليّ فعلها؟ ولكن، إن أجبتُ بتلك الصراحة فسيكون الأمر وقاحة شديدة، لذا فلن بأس بكذبة بيضاء صغيرة، أليس كذلك؟
بينما كنتُ أدير عينيّ يمنة وشمالاً، سطع شيء أحمر وتوهج من بعيد. وتقرب نحو هذا الاتجاه مثل كلب ضخم يعبر الحقل الثلجي.
“أخي!”
ليس “مثل كلب ضخم”، بل هي مجموعة كلاب بالفعل.
واو! كْرُرْرْ، كَنْغ!
أخذت بعض الكلاب التي سحبت المزلقة سابقًا تركض مع ريسيانثوس نحو هذا الاتجاه.
“لقد أنهينا القضاء على باقي الوحوش……. تيتانيا؟ لاسفر ؟ لا، ما الذي يفعلانه كليكما هنا؟ وما هذه الهيئة مجددًا؟! آ، آآه، ما الذي حدث للمزلقة الثلجية؟! لقد توسلتُ كثيرًا إلى العم النجار حتى صنعها بجهد! يا إلهي، لقد جعلني العم جاك آكل الرز بلعنته قائلًا إنني أفعل أشياء بلا فائدة، وصنع لي بضعًا منها بصعوبة! لقد تحطمت كلها! وما هذه الخرق البالية مجددًا؟”
نظر رايموند بوجه يبدو وكأنه أدرك شيئًا ما إلى ريسيانثوس الذي كان يتمتم دون أن يفهم ما يحدث مطلقًا.
ثم نظر إليّ.
……ما هذا. ما هذه النظرة الشبيهة بنظرة الوالدين.
في الوقت الذي تجمدتُ فيه بمكاني وأنا أتهرب بنظري يمنة وشمالاً، أطبق رايموند على أضراسه بقوة.
“…………هذا بسببك.”
“نعم؟ إيه، لماذا فجأة يا أخي؟ ما الذي جرى بسببي؟”
“لأنك نقلتَ مثل هذه التصرفات المجنونة إلى صاحبة السمو الأميرة تيتانيا! لولا تصرفاتك المتهورة الشبيهة بسمكة سمك الشبوط، أكانت صاحبة السمو الأميرة لتفكر في شيء مثل المزلقة الثلجية في منتصف هذا الليل!”
كان منظرًا يدعو للدهشة لو رآه شخص آخر. “ذاك” رايموند كان يصرخ في وجه أخيه الأصغر وكأنه يُفجر الغضب في صدره. وبالطبع، لم يكن ريسيانثوس ليرضى أن يقال له بكل بساطة ‘نعم! كل هذا خطأي!’، فبرزت شفتاه إلى الأمام وراح يدمدم مظلومًا:
“أوه؟! لا، لقد حذرتها بشدة أن تبقى داخل القلعة لأن الأمر خطير. أخرجتِ لأنكِ أردتِ ركوب المزلقة الثلجية؟! لا، مهما كان الأمر، كان عليكِ الصبر قليلاً……. لو أشرقت الشمس فقط، لركّبتكِ إياها بقدر ما تشائين…….”
ثم نظر إليّ بنظرة جانبية وهو يبتسم، وكأنه ينظر إلى طفلة طائشة خرجت للتسلية في منتصف الليل.
في تلك اللحظة، غلي شيء ما في داخلي بفورة غضب.
……على أية حال، أنا أفضل منه!
لا، بما أنني أنا من ارتكبتُ ذلك. مهما كان الأمر لأجل حياة مولودة حديثًا، فلن أهرب مما اقترفت يداي…….
وفي الوقت الذي كنتُ أتململ فيه بأطراف أصابعي بتلك العزيمة تقريبًا، رأيتُ ناسًا يقتربون نحو هذا الاتجاه بزخم من بعيد.
أجل، حان الوقت لتبليغ الوضع العام.
رايموند، الذي غامت عيناه الذهبيتان وكأنه ينظر إلى مشكلات لا حل لها، تجمد في مكانه عندما رأى الحشد المقترب.
وريسيانثوس، الذي كان يتلقى التوضيح الإجمالي للوضع من لاسفر ، تجمد في مكانه هو الآخر.
سُمِع صوت صهيل الخيول.
بالطبع، كانت العربة التي ركبناها حتى نزلنا إلى إقليم كاستراين ممتازة من الدرجة الأولى، وكان واضحًا أن الخيول التي تجر تلك العربة كانت مخلوقات غير عادية. فمهما تلقت من أدوات مساعدة وسحر ومختلف الأدوية، لم يكن ليكون ممكنا أن تقطع تلك المسافة الشاسعة في بضعة أيام دون تغيير الخيول.
ولكن، الخيول التي كانت تقترب الآن، كيف عساي أصفها.
كان لها حضور واضح مثل خيل الابيض يحمل فرسان الموت. ولم يكن عدد الأشخاص القادمين نحو هذا الاتجاه كبيرًا جدًا. عشرة أشخاص على الأكثر؟
وكأن موجة سوداء وهادئة تقترب داخل الظلام…….
توقفت الخيول. ونزل الفرسان الذين كانوا يمتطونها. كان جميعهم يرتدون دروعًا فولاذية كاملة تغطي أجسادهم بالكامل.
شخص واحد فقط في المنتصف كان ينظر نحو هذا الاتجاه بكشف وجهه. زمجر رايموند المتجمد بقوة:
“…والدي.”
الدوق ذو الدم الحديدي.
سيد عائلة كاستراين الحالي.
أقوى رجل في الإمبراطورية.
الشخص الذي عرضتُ عليه صفقة بلا خوف في الماضي……. كانت أصوات أقدامه وهي تطأ بقايا الثلج والتراب واضحة.
اقترب رجل يشبه العملاق أكثر من كونه إنسانًا ونظر إليّ من الأعلى.
كان رجلاً يشبه صخرة ضخمة جدًا. وكانت نظرته التي تطل عليّ صريحة حادة. تجمد جسدي كضحية وضعت أمام قاتل متسلسل في فيلم رعب.
لو كنتُ طفلة صغيرة لا تعرف شيئًا، لكان مجرد الوقوف أمامه كافيًا لتتأكلني الرهبة وأسقط جثوًا على الأرض. ولكنتُ صرختُ أبحث عن والدي وأنا أزحف على الأرض.
تجمد وجه رايموند بصلابة. وكان ريسيانثوس على نفس الحال تمامًا. وكأنهما يريدان الاحتجاج والتساؤل لماذا تفعل هذا ولا تفعل هذا، لكنهما لم يستطيعا نطق أي كلمة. وحتى لاسفر وفان لم يستطيعا فعل أي شيء.
-……متعاقدتي.
‘أنا بخير.’
رايموند أيضًا، ألم يوجّه السيف إلى عنقي عندما التقيتُ به لأول مرة بعد أن أدركتُ حياتي السابقة؟ لاختباري وللتحقق من إخلاصي. ولمعرفة مدى عزيمتي.
قشعريرة سرت في بشرتي الرقيقة وضاق نفسي. يقال إن القوي يربط خصمه ويرعبه بمجرد هيبته وقوته.
فتسربت ضحكة من بين شفتي.
ماذا عليّ أن أدعوه؟ على الرغم من أننا سنفسخ الخطوبة في المستقبل القومي، أهو حماي المستقبلي؟
أبي؟ صاحب البيت؟ من يعلم…….
‘لكي أرعب بشيء كهذا الآن، لقد كانت حظوظي الأخيرة قاسية بعض الشيء.’
بي.
ارتجف الجسد الصغير للكتكوت الصغيرة التي اختبأت داخل غطاء الرأس. واصطدم المنقار الذي لم ينضج بعد ببعضه ليصدر صوت طقطقة.
رمشتُ بعيني.
أنا بخير. لأنني مستعدة لأي شيء.
ولكن، لا يمكنني أن أجعل جيمينيا تتعرض لشرارة روح القتال لدى ذلك القوي، بعد أن مرت بتجربة المزلقة السريعة المليئة بالإثارة والشبيهة بركوب ألعاب الملاهي.
أتراجع عن فكرة الصمود أكثر. أمدد ظهري، وأشد كتفي. ونفضتُ طرف ردائي المترسخ بالثلج بشكل تقريبي وأصلحتُ تجاعيده.
“إلى سيد عائلة كاستراين، أقدم تحياتي كضيفة متأخرة.”
كان شعري المبتلى بالثلج والريح مبعثرًا في فوضى، والثياب التي أرتديها كانت مريحة وبلا رسميات كصياد. وأطراف أصابعي وأذني قد زرقتا من البرد، ولون شفتي لا بد أنه سيء للغاية. أي وقار للأميرة، فلتذهب إلى الجحيم.
ولكن……. حتى لو لم أكن في هذا المكان وكنتُ أرتدي الأزهار والجواهر والحرير من رأسي إلى قدمي وأرقص كالفراشة في أفخم قاعة، لم تكن لتكون لي أي قيمة لدى ذلك الشخص.
“أشكركم على شرف دعوتی إلى هذا المكان القاصي، وبصفتي فردًا من العائلة الإمبراطورية فسوف أساعد بصدق في طقوس التكريس…….”
سيد عائلة كاستراين الواقف كالصخرة، والفرسان الواقفون خلفه وكأنهم يحرسونه.
“……وسوف أستمتع بضيافة عائلة كاستراين وأعود. بالقدر الذي أستطيعه.”
ربما كانت هذه عبارات غير محترمة بعض الشيء لتُقال أمام شخص لا يجرؤ حتى الإمبراطور على خفض مرتبته، إذ أصدر الفارس الواقف في أقرب نقطة بجانب الدوق أنينًا خفيضًا ينبي عن عدم رضاه.
رفع الدوق يده بخفة ووقفه. ثم اقترب أكثر مني وأنا أبتسم ابتسامة حادة كالسيف.
طَقْ، طَقْ.
“أتَقصدين أن هناك جانبًا في ضيافة عائلتنا لا يرضيكِ، أيّتها الأميرة الصغيرة؟”
“الجانب الذي لا يرضيني، يبدو أنه من جهتكَ يا سيد العائلة.”
“ولماذا؟”
“أن تتلقى التحية في الهواء الطلق المليء بالثلج والجليد، إن كانت هذه هي ضيافة عائلة كاستراين للضيوف، فيجب عليّ أن أصعد إلى العاصمة وأتفاخر أمام عمتي الكبرى. بأنني تلقيتُ تحيةً ثمينة لا يحظى بها أي كان.”
“أن نلبي رغبة الضيفة الثمينة التي فضلت الخروج الخالي على الداخلي الخالي من الرياح الجوفاء، فهل يُعد ذلك عيبًا أيضًا.”
حتى رايموند عندما رآني سابقًا ارتسم على وجهه تعبير ‘لماذا أنتِ هنا؟’، لكن وجه الدوق أورتو كان حادًا وكأنه يدرك تمامًا لماذا أنا هنا، وماذا جئتُ لأفعل، ومن أخرجتُ معي ولماذا، حتى دون أن أشرح له شيئًا.
لم أفكر منذ البداية مطلقًا أنه لمجرد أن رايموند وريسيانثوس كانا لطيفين معي، فإن دوق كاستراين العظيم سيكون لطيفًا معي هو الآخر.
بل على العكس، من الطبيعي أكثر أن يشك قائلاً ‘من هذا الشخص بحق السماء الذي جعل أبنائي يتغيرون هكذا فجأة؟’.
أنني كدتُ أموت ثم تغيرتُ كشخص آخر، هذه قصة مبتذلة. وعلى الرغم من أنني بقيتُ على قيد الحياة بهذه القصة حتى الآن. إلا أن الكذبة الشائعة أمام شخص كهذا قد تكون أسوأ من عدم قولها.
بي، سُمع صوت زقزقة خفيفة.
أجل، أجل. لا بأس.
“كان ينبغي عليكَ أن تعاملني بقيمة ثمينة.”
“أنا؟”
“أليست هذه هي الحواجز الشمالية الثمينة التي حميتموها بأي طريقة وسط الدماء والجثث والموت والصرخات والثلج.”
نظرة حادة وكأنها تشرح الآخر إربًا إربًا.
ابتسمتُ وكأنني أطبق بأسناني على شفرة سيف، وكأنني ساحرة تطلي شفتيها بالدم المنسكب بغزارة مثل أحمر الشفاه.
“إن قلتُ لكَ إنني جئتُ بشرور وطيش ورغبة خبيثة لتدمير الحواجز و تضحية بنفسي، فماذا ستفعل؟”
سُمع صوت شهيق الجميع وهم يحبسون أنفاسهم.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.