الفصل 615: المنزل
الفصل 615: المنزل
"آآآآه!!"
دوى صراخ يان شياوفانغ في عقله. وعاد وعي مو شينغ من "الفضاء" إلى جسده، وشعر بألم لا يطاق وكأنه يُقتل تمثيلاً، لكن الألم كان يتضاءل.
وأخذ عناق والدته القاتل يرتخي.
وانفصلت المجسات اللزجة والحادة عن جسده، منكمشة داخل ذراعيها، اللتين عادتا لتصبحا ذراعي امرأة عادية في لمحة عين. ونزفت يان شياوفانغ من جميع منافذها، واختلط الدم بدموعها الحارة، وتشوه وجهها بيأس، وإحباط، وحيرة.
ولن ينسى مو شينغ هذا الوجه أبداً.
وبعد ثانيتين، انهارت يان شياوفانغ بارتطام مكتوم، ميتةً تحت قدمي مو شينغ.
وكان مو شينغ، بثيابه الممزقة والمغطاة بالدماء، يلهث لالتقاط أنفاسه، وهو يرتجف في مكانه.
"أمتَّ بعد أيها الصغير؟ إن كنت حياً، فأصدر صوتاً." جاء صوت رجل من خلفه.
ومتحملاً الألم الشديد، استدار مو شينغ ببطء ورأى رجلاً في منتصف العمر يرتدي ملابس كفلاح. وكانت قبعة القش على رأسه تغطي نصف وجهه. وعاري الصدر ويرتدي بنطالاً أزرق من الكتان، وقف حافي القدمين، ببشرة لفحتها الشمس وجسد نحيل لكنه قوي البنية. وعلى كتفه استقرت مجرفة مغطاة بتراب أصفر جاف.
وقال مو شينغ بصوت مرتجف: "لم… لم… أمت…"؛ فقد كان وعيه يلوح وينطفئ، وظن أنه يمر بكابوس.
"لم أتوقع أن تستيقظ في مثل هذا السن المبكر. والدتك من الملتهمبن، وكانت تحاول قتلك. لحسن حظك، لقد أنقذتك."
وظلت تعابير مو شينغ متصلبة؛ فلم يفهم ما الذي يتحدث عنه الرجل.
أنزل الرجل المجرفة قائلاً: "لا تلم والدتك؛ لم تكن 'هي' تريد فعل ذلك، لكن البشر والمسوخ لا يمكنهم التعايش في وئام. ستعرف هذا في المستقبل."
قال مو شينغ، وقد تحطم صوته ونظرته معاً: "أنا لا ألوم أمي…"، وسالت الدموع على وجهه في مجريين: "لقد كان خطأي. لو كان بإمكاني فقط جعل أمي تبقى مع أبي إلى الأبد…"
"ها،" ابتسم الرجل بسخرية وسأل: "كم عمرك أيها الصبي، وما اسمك؟"
أجاب مو شينغ بصدق: "مو شينغ، خمس سنوات."
تنهد الرجل قائلاً: "يا لها من حياة بائسة تعيشها أيها الصغير. يان هو اسم عائلتي؛ يمكنك أن تدعوني العم يان. لا يمكنك النجاة بمفردك، تعال معي."
هز مو شينغ رأسه ونظر لأسفل إلى والدته الميتة. "أريد البقاء مع أمي."
تحدث العم يان بصراحة شديدة، ولم يعامل مو شينغ كطفل على الإطلاق: "لقد رحلت والدتك في اللحظة التي استخدمت فيها موهبتك عليها. ما الفائدة من البقاء مع جثة؟ مع هذا الحر، ستتعفن الجثة سريعاً وتجذب الحشرات، متحولة إلى كومة من اللحم ثم عظام في النهاية…"
ولم يقل مو شينغ شيئاً.
"لقد ماتت والدتك، ولم تعد هنا. هل تسمعني؟"
ولزم مو شينغ الصمت لبضع ثوانٍ قبل أن يرفع رأسه. "ألن أراها مجدداً؟"
"ليس بالضرورة. ستجتمع مع والدتك ووالدك يوماً ما. سيكون لنا جميعاً نهاية سعيدة. كن صبوراً."
"حقاً؟" دفئت نظرة مو شينغ مجدداً.
أومأ العم يان برأسه وانفجرت أساريره عن ابتسامة. "بالطبع، أنا لا أكذب أبداً. إذاً، هل ستأتي معي أم لا؟"
"إلى أين نحن ذاهبون؟"
"إلى المنزل …" توقف العم يان قبل أن يهز رأسه وتابع: "لا، هذا ليس منزلا، ولكن يمكننا العثور على المنزل."
"العثور على… المنزل؟" لم يفهم مو شينغ تماماً.
"أجل، العثور على منزل حقيقي، حيث يمكن للجميع الاجتماع مجدداً مع أحبائهم، ههههه!"
ضحك العم يان ومضى مبتعداً بمجرفته، وهو يغني بمزاج رائق: "النهر يتدفق نحو الشرق، والنجوم تشير إلى نجم الشمال…"
راقب مو شينغ الرجل وهو يغادر. ثم لمح جثة والدته بطرفه؛ وأحكم قبضة يده، وبدت عليه علامات الألم والاضطراب.
كان صوت غناء الرجل يبتعد سريعاً، وكاد أن يختفي في الغابة.
أرخى مو شينغ قبضتيه.
وماحياً الدموع والدماء عن وجهه، تخطى جثة والدته وهرول ليلحق بالرجل.
…
عيادة "البيت الأزرق" الطب النفسي، طريق نهر لي المركزي، منطقة فييانغ.
فتح كيلين عينيه على الأريكة الفردية في غرفة الاستشارة الخاصة به. ولم ينهض على الفور، بل ظل مستلقياً ويداه المتشابكتان تستقران على بطنه.
ففي كل يوم بعد الغداء، كان يجلس على الأريكة ويأخذ قيلولة لمدة عشرين دقيقة. ولم يكن بحاجة إلى ضبط منبه؛ إذ كان يستيقظ دائماً في الوقت المحدد تماماً.
كان هذا هو اليوم الثالث بعد إدراج "الظل السابع" في قائمة المطلوبين.
لقد نام كيلين لفترة أطول قليلاً اليوم، لدهشته، ورأى حلماً.
وبعد عشر ثوانٍ، اعتدل كيلين في جلسته ولمح ساعته؛ وبالفعل، لقد أطال النوم لأربع دقائق إضافية.
خلل أصابعه في غُرّته والتقط النظارات المتدلية من جيب صدره ليضعها، ثم نهض على قدميه مستعيناً بعصاه.
خرج من الغرفة ووصل إلى مكتب الاستقبال. وخلف المكتب جلست امرأة شابة سمراء ذات وجه لطيف، الآنسة تشين موظفة الاستقبال.
وكانت تضع ساقاً فوق الأخرى، وبدت وكأنها تدردش مع شخص ما على هاتفها، وأصابعها تكتب على الشاشة في وابل من الحركات السريعة؛ وكل نقرة كانت تحدث صوتاً حاداً ورناناً.
ناداها كيلين بصوت ناعم: "آنسة تشين".
"نعم يا سيدي!" وضعت الآنسة تشين هاتفها بعيداً على عجل، بعد أن ضُبطت متلبسة بالعبث أثناء العمل، وتابعت: "ماذا، ماذا يمكنني أن أفعل لأجلك يا دكتور سو؟ هل تريد قهوة؟ هل تحتاج إلى استلام طرد؟ دفع الفواتير؟"
ابتسم كيلين قائلاً: "لا شيء مما سبق. من فضلكِ، ألغي مواعيدي المستقبلية."
"أوه، بالطبع،" أومأت برأسها ولم تملك إلا أن تسأل: "هل أنت مشغول مؤخراً يا دكتور سو؟"
أومأ كيلين برأسه قائلاً: "أجل، ويمكنكِ أنتِ أيضاً أن تحزمي أمتعتكِ وتغادري."
"هاه؟" تملك الذعر الآنسة تشين وقالت: "دكتور سو! أنا… أنا أعلم أنه لا ينبغي لي استخدام هاتفي أثناء العمل، لكنني انتهيت من كل شيء…"
قاطعها كيلين بابتسامة: "أنتِ تؤدين عملاً جيداً يا آنسة تشين، وتعرفين كيف تتعاملين مع الناس. أنا راضٍ عنكِ كموظفة، ولا أرى فيكِ أي عيوب."
"أنتِ لسيتِ المشكلة؛ بل أنا."
"دكتور سو، أنت…" لم تصدق الآنسة تشين الأمر وقالت: "هل ستنهي ممارستك للمهنة؟"
أومأ كيلين برأسه: "أحتاج إلى الراحة لمدة عام لإعادة التفكير في حياتي، وإلا سأصاب بمشاكل نفسية أنا نفسي."
"أوه، حسناً." لم تدرِ الآنسة تشين بماذا تشعر أو ماذا تقول.
قال كيلين وهو يخرج علبة مخملية سوداء من جيبه: "سأدفع لكِ راتب ثلاثة أشهر، وهذه هدية صغيرة لكِ."
أُخذت الآنسة تشين على حين غرة وقالت: "دكتور سو، هذا، هذا كثير جداً…"
ابتسم كيلين قائلاً: "إنها مجرد حاجة بسيطة لإظهار امتناني، أرجوكِ اقبليها. أرجوكِ، أنا أشعر بالإحراج بالفعل."
"حسناً، شكراً لك!" أخذت العلبة منه وفتحتها؛ وكان بداخلها زوج من الأقراط الزمردية الجميلة والمصنوعة بدقة، والمصممة على شكل كوكب المشتري.
"واو، إنها جميلة جداً! التصميم مميز حقاً!" كانت الآنسة تشين صادقة في إعجابها.
تنهد كيلين بارتياح قائلاً: "الحمد لله، كنت قلقاً من ألا تعجبكِ."
"ولماذا لا تعجبني؟ ذوقك رفيع يا دكتور سو. لقد أحببتها كثيراً، وسأرتديها غالباً."
وأضافت الآنسة تشين متأثرة: "شكراً لك يا دكتور سو. أنا لست بارعة في الكلام المعسول، لكنك أكثر الرجال لطفاً وجاذبية ممن قابلتهم قط. أتمنى لك مستقبلاً مشرقاً حيث تسير كل أمورك بسلاسة!"
أجابها كيلين بابتسامة: "شكراً لكِ، وأتمنى لكِ التوفيق أيضاً."
وبعد إنهاء عملها، أكملت الآنسة تشين إجراءات الاستقالة وغادرت.
وفي الساعة الرابعة عصراً، خيّم السكون على العيادة. وعاد كيلين إلى غرفة الاستشارة ونبش في الصناديق الورقية في المخزن، ليعثر على ألبوم للموسيقى الكلاسيكية؛ ثم قام بتشغيل الفونوغراف. وناصتاً إلى الموسيقى الحماسية والمؤثرة بشكل مأساوي، طحن حبوب البه يدويّاً؛ وبدا أن الوقت قد توقف من حوله.
واستغرق وقتاً لإعداد ثلاثة أكواب من القهوة، ففاحت الرائحة الغنية في الأرجاء.
"رنين."
رنت أجراس الرياح؛ لقد وصل زواره.
الترجمة: كوكبة
——
أحب أن كيلين، رغم كونه ديكتاتور مختل، لازال يقدر موظفين العاديين للغاية.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.