الفصل 1234: لغز
الفصل 1234: لغز
'الماء؟'
بدت حارسة المهجع في مزاج جيد. أومأت بابتسامة. "ليس الماء في حياتنا اليومية، بل ماء النهر الأبدي في الأساطير. يمثل جوهر العالم وأصل كل شيء."
'لم أفهم.'
"يعتقد الفيلسوف بكون كل شيء واعياً. لا يمثل العالم مجرد تجميع عشوائي وتراكم لكيانات معزولة لا تحصى، بل يخضع لقاعدة واحدة—قاعدة السامي العظيم. يمنح السامي الحياة لكل المخلوقات، والوجود، والعمليات. لا يُرَى رغم حضورهم في كل مكان، تماماً كالنهر الأبدي الذي لا يتوقف أبداً."
'إلامَ تهدفين؟'
"حسنًا، نملك الوقت. أريد المحادثة فقط. ألتؤمن بالسامي، يا غاو يانغ؟"
'لا أعلم.'
"لا أعلم أنا أيضاً. لكن أقلقني شيء ما."
'ما هو؟'
"انظر. لم يرَ البشر السامي قط. لماذا يؤمن البشر بالسامي؟"
'تقول الكتب الدراسية إن البشر يحاولون عقلنة ما لا يفهمونه. من هناك جاءت أقدم الأساطير.'
"لماذا السامي إذاً بدلاً من شيء آخر؟"
"مثل ماذا؟"
"حسنًا، في الماضي، اعتقد البشر كون الكارثة الكبيرة عقاباً فرضها السامي. لماذا لم يشكوا في كون إنسان آخر يملك قوة أكبر مسؤولاً؟ أو أي سبب آخر؟ لماذا آمنوا جميعاً بوجود سامٍ قادر على كل شيء خلف ذلك؟"
'أظن أني فهمت نقطتك.'
"يا غاو يانغ، قُدر على البشر مواجهة حتفهم منذ الولادة. يمثل البشر كائنات قصيرة العمر، وهشة، وضائعة، ومحتارة لكنها عنيدة. لماذا يؤمن مثل هذا الوجود بكون العالم تحت سيطرة سامٍ أعلى أبدي، ومطلق، وعليم، وقادر على كل شيء؟"
'تسألين لماذا يؤمن رجل أعمى لم يرَ الضوء قط بوجود الضوء في العالم. لا يتوجب عليه حتى الابتكار بهذه الفكرة.'
"أجل، هذا ما أعنيه."
'أتملكين إجابة؟'
"لا، لكن امتلكت تخمينات."
'أخبريني.'
"يتمثل أحد الاحتمالات في رؤية شخص ما للسامي بالفعل. يمثل ذلك أمراً مباشراً. مع رؤية شخص أعمى واحد للضوء، سيعلم الأشخاص العميان الآخرون بوجود شيء مثل الضوء أيضاً."
'أجل.'
"أو ربما يتواجد السامي في قلوب البشر. أو لنقل إن البشر يشكلون جزءاً من السامي."
'يعلم الأعمى عن الضوء دون رؤيته لأنه جاء من الضوء.'
"أجل. ما رأيك؟"
'لا أعلم. نادرا ما أنغمس في مثل هذه التأملات.'
"يتوجب عليك ذلك أحياناً."
'إذا تواجد سامٍ، أود لقاءه وسؤاله عن سبب جعله العالم بهذه الطريقة. لماذا يطلب من الأعمى البحث عن الضوء؟'
"امتلكت الفكرة من قبل، لكن خفت أحياناً."
'من ماذا؟'
"أخاف عدم وجود سامٍ. ماذا لو مثل هذا شكل العالم ببساطة؟ ماذا لو لم يأتِ العميان من الضوء، ولم يتواجد ضوء في العالم لتبدأ به الأمور؟ ألن يصبح من السخف حينها إيمان العميان بالضوء والبحث عنه؟ لماذا يمتلك العميان مثل هذه الرغبة؟ عن ماذا يبحثون؟"
'لا أعلم.'
"مضحك، لا أعلم أنا أيضاً."
حرك غاو يانغ جناحيه وحط على كتفها. نظرا إلى المشهد نفسه وراقبا النهر. لم يقل أي منهما أي شيء آخر.
توقف الوقت عن الوجود.
مثل الوقت مفهوماً ابتكرة البشر للتمييز بين لحظة والأبدية. جسد الحياة، والمشاعر، والمعاني التي اعتمد البشر عليها لـوجودهم.
لم يمتلك أي من تلك الأشياء مكاناً هنا.
لم يتواجد الوقت.
أصبح كلاهما ببطء جزءاً من الشجرة.
…
"يتوجب عليك الذهاب، يا غاو يانغ."
في النهاية، تحدثت حارسة المهجع مجدداً. عاد الوقت. استعاد جسد غاو يانغ المظلم والمتبلد ببطء دفء حياة عابرة.
'إذاً لا أنتمي إلى هنا.'
"يمثل الأمر مفاجئاً قليلاً، يا غاو يانغ، لكن حان وقت وداعنا."
'إلى أين تذهبين؟'
"لا مكان. سأنتظرك هنا."
'سأعود؟'
"لا أعلم. لكن إذا عدت، سنجري محادثة جيدة حينها."
'نستطيع فعل ذلك الآن.'
"تُجرى بعض المحادثات بشكل أفضل كتابةً. وتُجرى بعضها بشكل أفضل تحدثاً. وتُجرى بعضها بشكل أفضل شخصياً."
'يتحدث الجميع حولي بلغة الألغاز دوماً.'
"أيمكن كوننا نتحدث بالألغاز لأنك تمثل لغزاً؟"
'لن أجادلك.'
"وداعاً، يا غاو يانغ. ليكن الحظ معك."
…
مدينة لي، ديسمبر.
غرفة الحمل في الطابق السادس تحت الأرض، برج الألفية، منطقة داكسو.
أضاء ضوء خافت جناح الرعاية المتخصص والمجهز جيداً وهواءه النقي. استلقى شاب نحيل وشاحب ذو شعر أسود على السرير الطبي. تواجد في غيبوبة طويلة.
"واحد، اثنان، ثلاثة. اثنان، اثنان، ثلاثة. ثلاثة، اثنان، ثلاثة. أربعة، اثنان، ثلاثة…"
جلست مرآة صغيرة على الطاولة الليلية، ورقصت فتاة بحجم الإصبع أمامها. ارتدت ملابس رقص ملاءمة. أُرتبط شعرها الرمادي البنفسجي، الواصل إلى كتفيها، في ضفائر. تدربت بينما تعد الضربات.
توقفت في المنتصف. ابتكرت حركة أفضل. رافعة ذقنها قليلاً، حركت قدمها اليسرى قليلاً إلى الأمام ونقرت على الأرض بالطرف. مدت يدها اليمنى مع انحناء الأصابع لأعلى، وكأن إمبراطورة تطلب من رعاياها الراكعين تقبيل ظهر يدها.
"جيد!" أضاءت عينا نايناي بالحماس بينما تكرر الحركة. "أنيقة جداً. تذكري ذلك!"
سيكون العام الجديد بعد شهر. نظمت الزمردة الحمراء تجمعاً للمستيقظين والمستيقظين السابقين. طبيعياً، يتوجب وجود عروض.
تطوع عدد قليل جداً، لذا توجب عليهم سحب القرعة. سحبت نايناي، لسوء الحظ، إحدى القشات القصيرة.
استعدت نايناي لأداء حُكم الإمبراطورة — لم يعلم أحد ما سيستلزمه ذلك، فقط وجوب كونه طفولياً للغاية.
واجهت سيتروس، وتينغ تينغ، وكُتب هادئة المصير نفسه. طلبن المساعدة من نايناي وأغرقنها بالتوسلات إلى الإمبراطورة. توسلن إلى الإمبراطورة نايناي لإنشاء تصميم رقص بسيط برحمة ليستطعن جميعاً الرقص عليه. سيمثل ذلك عرضهن.
مواجهة مثل هذه التوسلات الصادقة لـ"جلالة الإمبراطورة"، لم تستطع نايناي الرفض. وافقت على استبدال حُكم الإمبراطورة بهبوط الإمبراطورة وضمت النساء الثلاث.
نفد الوقت منهن. توجب على نايناي إنشاء رقصة مختلفة. لم تستطع الحركات كونها صعبة للغاية، لكن توجب عليها التأكيد على نبل نايناي وسلطتها. في الوقت نفسه، توجب عليها مراعاة اختلافاتهن وتآزرهن الجماعي. شكل ذلك تحدياً.
رضيت نايناي عن الجزء الخاص بها من الرقصة. بدأت في تفكير حركات كُتب هادئة.
افتقت كُتب هادئة إلى الإيقاع الطبيعي. يتوجب عليها التصرف بلطافة بدلاً من ذلك. سيمثل دورها… آه، ستكون الفتاة البريئة التي تعجب بالإمبراطورة.
"واحد، اثنان، ثلاثة. اثنان، اثنان، ثلاثة. ثلاثة، اثنان، ثلاثة. أربعة، اثنان، ثلاثة…"
مع الراقصة، تحولت نايناي فوراً إلى فتاة مشرقة، ترقص حركات بسيطة ولطيفة تفيض بالمشاعر، مع ابتسامة نقية ترتسم على شفتيها.
فور مرورها بـثماني مجموعات من الحركات، ارتجفت فجأة.
تواجدت… نظرة على ظهرها.
الترجمة: كوكبة
——
بالمناسبة، النصف الأول من كلام الحارسة صحيح، البشر مستحيل عليهم نظريا إبتكار مفهوم 'الإله الواحد كل القدرة' وحدهم.
الأعمى مستحيل يتخيل الضوء، والمحدود مستحيل يتخيل القوة القديرة. مع ذلك الفكرة هاذي لدينا بالفعل.
وهاذي فكرة طرحها العالم والفيلسوف "رينيه ديكارت"، في كتابه "التأملات في الفلسفة الأولى".
وهاذي هي أيضا الفطرة السليمة في الإنسان.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.