مساحة للحكاية، ووقت لك← رواية متاهة الوحوش
الفصل 1179: الخلاصنحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 1179: الخلاص

الفصل 1179: الخلاص

منتزه الضواحي الغربية.

في منتصف الرقعة العشبية الكبيرة كانت هناك بحيرة اصطناعية، بمركزها جزيرة صغيرة يحتلها كوخ يخرج مباشرة من حكاية خرافية. ومع ذلك، في هذه الليلة، سُوِّي الكوخ بالأرض، واستُبدِل بعرش الغضب. الكرسي الأحمر المصنوع بخلل برز بقرن وحيد القرن الملتوي والمتجه نحو السماء الليلية كمستدقة قرمزيّة.

مئات القرون ذات الأشكال الغريبة برزت من البحيرة حول الجزيرة. ومن بعيد، بدت كخشب متعفن ينمو خارج الماء.

جلس مارك على العرش، لا يرتدي سوى سروايل قصير. وواضعاً يديه على ركبتيه، انحنى إلى الأمام ورأسه منخفض. ورغم سكونه، أطلق طاقة مضطربة وبرية.

في منتزه الملاهي على بعد خمسمائة متر، وقف رجل وامرأة على درابزين أفعوانية، ينظران بأسفل نحو مارك عبر مناظير تكتيكية بدلاً من الاقتراب.

الساعات الست للمحنة السماوية كانت قد نزلت منذ فترة غير قصيرة. ومر وقت كافٍ لنمر الحرب ليستوعب الأمور.

كانت الحجر الواحد تفقد صبرها. نظرت حولها وسألت: "لماذا لم يأتِ العم شين؟"

جثم نمر الحرب على الدرابزين مقوساً ظهره كقط كبير. ضيق عينيه وسيجارة منتهية تتدلى من فمه. وأخذاً النفس الأخير، بصق عقب السيجارة ووقف متمدداً. "ألم أقل لكِ؟ إنه لن يأتي."

"لن ينضم إلى القتال؟" ظنت الحجر الواحد أن نمر الحرب يسخر منها. "لماذا؟ ما الذي يمكن أن يكون أكثر أهمية من النهاية—"

"لقد مات،" قاطعها نمر الحرب.

"ماذا؟!"

"كان مقدراً له أن يموت في منتصف الليل. كان ذلك ثمن القاضي." التفت نمر الحرب إليها. "هل أوضحتُ الأمر بما فيه الكفاية؟"

"ولكن، ولكن…" جائت الأخبار السيئة فجأة لدرجة أن الحجر الواحد صرعت لتقبلها.

"لم يرد أن يؤثر ذلك على غاو يانغ، لذا طلب من العنقاء القرمزية مساعدته في إخفاء الحقيقة." حك نمر الحرب ذقنه. "علمتُ بالأمر يوم أمس فقط."

"إذن نحن الاثنين فقط…" شحب وجه الحجر الواحد. "ضد الغضب؟"

"لا." ابتسم نمر الحرب. "أنا ضد الغضب."

اتسعت عينا الحجر الواحد بصدمة. "نمر الحرب! هل فقدت عقلك؟"

"اذهبي أيتها الحجر الواحد." لوح نمر الحرب لها. "إذا بقيتِ، فستموتين."

"لستُ خائفة من ذلك!" صرخت الحجر الواحد، لكنها لم تكن واثقة كما بدت. "لا، أنا خائفة جداً من الموت، لكن لا يمكنني فقط مشاهدتك—"

"الحجر الواحد." اختفت ابتسامة نمر الحرب، وتجمدت عيناه. "هذه مسألة عائلية خاصة بي. لا أحد يتدخل فيها الليلة. استمعي بينما أتحدث بلطف، أو سأقطعكِ أنتِ أيضاً."

ارتعدت الحجر الواحد، وتوقف قلبها لبعض النبضات. نمر الحرب لم يكن يمزح. سيعمل على قتل أي شخص يعترض طريقه.

"نـ… نمر الحرب…" كبحت الحجر الواحد خوفها، وصوتها يرتجف. "أعرف عن تاريخك مع مارك، ولكن ليس هذا هو الوقت لترك المشاعر تحكم…"

"لكنني سأفعل. أنا أفعل." خطى نمر الحرب نحو الحجر الواحد مع سخرية، وهيبته كانت مسيطرة لدرجة أنها كادت تسقط من على الدرابزين. "ما علاقة نهاية العالم بي؟ ما علاقة انتصار البشرية بي؟ سأكون طائشاً اليوم. ماذا ستفعلين؟"

كانت الحجر الواحد مرعوبة، لكنها لم تتراجع. "نمر الحرب، لن أتخلى عنك حتى لو قتلتني."

رمش نمر الحرب، وقناعه البارد انكسر. تنهد. "هل تريدين مني حقاً أن أوضحها لكِ بالكامل؟ الغضب قد يكون الثاني فقط بعد الكبرياء من حيث القوة التفجيرية والقوة الهجومية. بمجرد اندلاع المعركة، لن تتركي حتى جثة للدفن، ناهيكِ عن البقاء على قيد الحياة."

"ستكونين فقط مصدر إلهاء بابقائكِ هنا أيتها الحجر الواحد. وعندئذ سأحظى بفرصة أسوأ."

سقطت الحجر الواحد في الصمت. دون العم شين، ستكون عبئاً.

"اذهبي،" قال نمر الحرب. "لا تقلقي. سأقتل الغضب."

احمرت عينا الحجر الواحد. وأذعنت. ليس فقط بسبب منطقه، بل أكثر من ذلك بسبب الإصرار والعزيمة اللذين كان يظهرهما. كانت لديها حدس مفاجئ بأن هذا سيكون وداعاً، إلى الأبد.

استمر الصمت لبرهة.

"كن حذراً يا نائب القائد." قدمت الحجر الواحد له يدها.

أخذها نمر الحرب.

كانت الحجر الواحد ستسحب يدها بعد ثانيتين، لكن نمر الحرب لم يتركها. وكانت على وجهه ابتسامته الملتوية المعتادة.

"بجدية، هل ستصافحين يدي فقط؟ أعطيني تعزيزاً."

شهقت الحجر الواحد، مفعّلة الحالة. "ألم تسمّني مصدر إلهاء؟ ظننتُ أنك لا تحتاجها."

"هاها، كنتُ أحاول التظاهر بالروعة، لكنني ربما بالغتُ." شعر نمر الحرب بالتأفق المتدفق إلى جسده. قطّع حاجبيه وقال: "هذا ليس كافياً. الغضب سيظن أنني لستُ جاداً! ارفعيها إلى الحد الأقصى!"

قطّعت الحجر الواحد حاجبيها. "هل أنت متأكد؟ الآثار الجانبية ستكون وخيمة. ستكون منهكاً في غضون عشرين دقيقة."

"قتال بهذا المستوى لن يستغرق أكثر من بضع دقائق." أومض نمر الحرب لها بابتسامة واثقة.

"حسناً." شحنت الحجر الواحد نمر الحرب بالحالة القصوى. في غضون خمس دقائق، ستصل حالة نمر الحرب البدنية والعقلية إلى الذروة.

"انتهيت." تركت يده. وبعد لحظة من التردد، سألت: "إذا—وأنا أعني إذا—أنت… هل تريد مني نقل رسالتك إلى أي شخص؟"

"همم…" صلب نمر الحرب ذراعيه، وشفتان مضمومتان. وبعد التفكير، هز رأسه. "لا."

أومأت الحجر الواحد. "سآخذ إذنكِ للرحيل."

"أوه!" نادى نمر الحرب. "أخبري تشينغ لينغ أن أسلحتي أصبحت لها."

توقفت الحجر الواحد. "حسناً."

قفزت من على الدرابزين وقامت بتراجع سريع. أشعل نمر الحرب سيجارة أخرى، متنفساً بعمق مرة واحدة قبل وضعها على طرف الدرابزين، كعود بخور أُشعل لأجل آخر.

وبقفزة قوية، هبط على الأرض العشبية. مشى بخطوات واسعة نحو العرش في قلب البحيرة الاصطناعية.

في العالم أحادي اللون، همست رياح الليل بهدوء في العشب. كرسم بالرصاص، تمايلت البراعم عديمة اللون وتداخلت.

تذكر نمر الحرب والدته دون قصد.

كانت ذكرياته عن المرأة ضبابية، لكنه تذكر السماء الجميلة لذلك الشهر من مايو، ورائحة الأرضية الخشبية الرطبة التي تجف تحت ضوء الشمس، وأصوات لحم الاستيك وهي تتفرقع على المقلاة كتوقعات متفقاعة تُفجر بينما لا أحد ينتبه.

كانت والدته قد وضعت المكياج لتغطية الكدمات على وجهها. ترتدي فستاناً أسود مع سترة صوفية رمادية، وشعرها ينساب بلطف على كتفيها، مغطياً الإصابات على جسدها.

لم يكن والده في المنزل. أعدت له والدته غداءً كبيراً — مناسبة نادرة. عادة، كان لديهم وجبات بسيطة مع القليل من التفكير المصبوب فيها.

سكبت والدته له كأساً من عصير البرتقال ولنفسها كأساً من النبيذ. كانت في مزاج جيد روحياً بشكل غير عادي. وتحدثت أكثر بكثير أيضاً.

تحدثت عن مسقط رأسها وطفولتها. كان هناك بستان في الجزء الخلفي من منزل عائلتهم. في مايو، كانت أغصان الأشجار ثقيلة باليوسفي الحلو. سرقت هي وأصدقاؤها اليوسفي من البستان، لكن كلباً كبيراً وجدهم. فروا. أحدهم مُزق سروايل، كاشفاً عن مؤخرته. وللصيف، كان عرضة للمداعبات والمزاح الودي.

حكت والدته القصة بتفاصيل حية. واستمتع بالقصة وهو يأكل الاستيك غير اللذيذ جداً.

ولأول مرة، سمح لنفسه بأن يكون متفائلاً: ربما مرض والدته سيتحسن، ربما كل شيء سيصبح أفضل.

بعد الغداء، عاد نمر الحرب إلى غرفته لتجميع المجسمات. أخذت والدته حقيبة قماشية، مغادرة للحصول على البقالة من سوبرماركت قريب.

لم تعد والدته في تلك الليلة، ولا والده. لا بد أن الرجل العجوز ثمل جداً لدرجة أنه غاب عن الوعي في حمام بار أو زقاق عشوائي.

في الصباح التالي، وجد الجيران جثة والدته في البحيرة الصغيرة بالمزرعة. لقد تناولت جرعة زائدة من حبوب النوم وغرقت.

كانت الشمس ساطعة في ذلك اليوم، والهواء نقياً. واقفا بجانب البحيرة، راقب نمر الحرب القماش الأبيض وهو يغطي جسد والدته المبتل. ثم رُفعت على نقالة وحُملت إلى سيارة شحن.

في تلك اللحظة، لم يشعر بالحزن، بل بالفهم.

أجل، لقد فهم والدته.

لماذا كانت والدته في مثل هذا الألم؟ لماذا لم تستطع التحسن بغض النظر عن كمية الدواء التي تناولتها؟ كان ذلك لأنها لم تستطع قبول قدرها ومع ذلك لم تملك القوة لتغييره.

لماذا كانت والدته سعيدة جداً بالأمس، وكأنها تعافت بالكامل؟ لأنها وجدت الطريق الثالث خارج قبول القدر وتغييره—التخلي.

التخلي عن حياتها.

هل كان ذلك شجاعة أم جبناً؟ هل كان ذلك جميلاً أم قاسياً؟ هل كان ذلك صواباً أم خطأً؟

تساءل نمر الحرب عن ذلك لفترة طويلة. لم يملك إجابة.

ثم توقف نمر الحرب عن التفكير. حتى إنه نسي الأمر.

ولسبب ما، جاء السؤال إلى ذهنه مجدداً اليوم.

وأدرك أخيراً أنه لا يوجد سؤال غير مجاب يختفي تماماً. إنه يذوب ببساطة في اللحم والدم ويشكل الروح. ويوماً ما، سيضرب الصدر ككبش يضرب جرس القدر.

العاطفيون أعطوه اسماً رائعاً، اسماً لطيفاً:

الخلاص الذاتي.

الترجمة: كوكبة

——

لم اتوقع يوما أن أرى ماضي نمر الحرب، ولكنني لن اشكو أبدا.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.