مساحة للحكاية، ووقت لك← رواية متاهة الوحوش
الفصل 1: "الإنتقال (2)"نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 1: "الإنتقال (2)"

الفصل 1: الانتقال

مرت اثنتا عشرة سنة منذ أن انتقل غاو يانغ إلى هذا العالم.

قبل ذلك، كان مجرد يتيم احتفل للتو بعيد ميلاده السادس في دار الأيتام. في تلك الليلة المصيرية، ذهب إلى فراشه راضيًا وبطنه ممتلئة بقطعة "كاب كيك" اشتراها له مشرف المهجع. تمنى قبل نومه أن يجد والديه يومًا ما، ثم استسلم لسبات عميق.

وعندما استيقظ، وجد نفسه جالسًا إلى طاولة طعام. كان أمامه وعاء من المعكرونة الساخنة يتصاعد منها البخار، وقد تناول بالفعل لقمة منها بينما كانت بقايا المعكرونة تتدلى من شفتيه.

كانت شمس الصباح الهادئة تضيء غرفة الطعام في ذلك المنزل القديم. وجلس في مواجهته زوجان في منتصف العمر لم يعرفهما، بينما احتلت صدر المجلس —المقعد الأقرب إلى الباب— امرأة عجوز ذات عينين طيبتين وملامح وجه وادعة. وبجانب غاو يانغ، جلست فتاة صغيرة في الرابعة أو الخامسة من عمرها، ذات عينين كبيرتين ومستديرتين.

حثته المرأة الثلاثينية قائلة، "ما بك؟ أسرع وأنهِ إفطارك وإلا ستتأخر عن المدرسة". كانت المرأة جميلة رغم ارتداء ملابس نوم بسيطة وعدم وضع مساحيق التجميل.

سأله الرجل بابتسامة وهو يضع عود أسنان بين أسنانه، "هل يريد بنيّ من والده أن يوصله؟". كان الرجل طويلًا قوي البنية، بكرش صغير وخط شعر بدأ بالتراجع، لكن ملامحه كانت لا تزال تشي بالشاب الوسيم الذي كان عليه في الماضي.

صرخت الفتاة الصغيرة بضيق وهي تنكبّ بجسدها على الطاولة وتلتهم وعاءً من عصيدة الدخن، "لا! أبي سيوصلني أنا إلى الروضة!".

ربتت الجدة على رأس الفتاة بابتسامة حانية وقالت، "هو هو، ما رأيك أن يوصل والدكِ شقيقكِ إلى المدرسة أولًا ثم يوصلك أنتِ؟".

فتح غاو يانغ فمه، فسقطت المعكرونة من فمه على الطاولة بوقع خفيف.

في سن السادسة الغض، لم يكن يدرك مفهوم "الانتقال"، ولم يكن يعرف ما هو "الكون الموازي".

ظن أنه يحلم، ولم يتخيل أبدًا أن هذا الحلم سيستمر لاثنتي عشرة سنة.

…

الآن، اعتاد غاو يانغ على عالمه الجديد، واندمج كليًا مع صاحب هذا الجسد. لقد أصبح "غاو يانغ"، الشاب ذو الثمانية عشر ربيعًا، والطالب في السنة الثالثة من المرحلة الثانوية. كان جزءًا من عائلة محبة مكونة من خمسة أفراد: جدته اللطيفة الودودة، ووالديه اللذين يتشاجران أحيانًا لكن يغمرهما الحب والاحترام المتبادل، وأخته الصغرى الذكية والمشاكسة.

كانت حياته جيدة؛ فمثل معظم أقرانه، كان يدرس بجد استعدادًا لامتحان القبول الجامعي الوطني. وأحيانًا كان يسرح بذهنه متخيلًا جامعته المستقبلية، وعمله، ومن سيتزوج، وكم سيكون لديه من أطفال…

باختصار، تحققت الأمنية التي تمنى غاو يانغ تحقيقها حين كان في السادسة؛ فقد "وجد" والديه، ومعهما جدته وأخته الصغرى.

كان سعيدًا ولا ينقصه شيء.

إلى أن تغير كل شيء في عيد ميلاده الثامن عشر.

كان يستقل دراجته عائدًا إلى المنزل بعد حصة المذاكرة المسائية في المدرسة. وبينما كان يمر بطريق خافت الإضاءة، اندفع فجأة ظل داكن من زقاق ما واصطدم بـ غاو يانغ ودراجته، ليطرحهما أرضًا.

لم تكن السقطة خطيرة. نهض غاو يانغ وهو يتأوه ألمًا، وأخيرًا تمكن من رؤية الشخص الذي اصطدم به بوضوح. تحت ضوء الشارع الخافت، وقف رجل في منتصف العمر، صغير البنية، بدا هزيلًا ووجهه الشاحب ملتوٍ من الخوف والصدمة، وكان يرتدي ثوب مستشفى ممزقًا ملطخًا بالدماء من كل جانب.

"يا عم، هل أنت بخيـ…"

"اهرب!" أمسك الرجل بمنكبي غاو يانغ بقوة مرعبة. "وحوش! إنهم في كل مكان! اهرب! اخرج من هنا!"

بدا صوته مصبوغًا باليأس والدماء وهو يتابع. "لا تثق بأحد…"

بانغ!

قبل أن ينطق الرجل بكلمة أخرى، انغرست رصاصة في صدغه واخترقت جمجمته لتخرج من الصدغ الآخر. تطايرت الدماء كزهرة حمراء تتفتح في لحظة.

سبلات!. هاجم رذاذ كثيف من الدماء حواس غاو يانغ، رافقته رائحة نفاذة.

تراخت اليدان القابضتان على منكبي غاو يانغ تدريجيًا، بينما تجمد وجه الرجل في تعبير دائم من الصدمة والرعب. توقفت عيناه الجاحظتان عن الحركة، وقد نُقش فيهما كل ما يشعر به من يأس وحيرة وندم.

وبعد ثانيتين، سقطت الجثة الهامدة على الأرض بارتطام ثقيل.

حدق غاو يانغ في الذهول.

تسمر في مكانه، وشعر بقدميه تتبللان ببركة الدماء الآخذة في الانتشار؛ كانت لزجة ورطبة. الطنين الخفيف في أذنيه الذي أحدثته الطلقة في رأس الرجل بدأ يتلاشى تدريجيًا، ليحل محله قرع دقات قلبه المحبوس في صدره.

خفق، خفق، خفقخفقخفق…

"هل تأذيت يا فتى؟"

"لا تخف، أنت بأمان الآن!"

"أغمض عينيك ولا تنظر للأسفل…"

اندفع عدد من رجال الشرطة نحو غاو يانغ. جذبه أحدهم بين ذراعيه وغطى عينيه.

…

في اليوم التالي، أصبح ما حدث لـ غاو يانغ هو العنوان الرئيسي للصحف المحلية: مريض بمرض نفسي خطير يفر ليلًا بعد قتل ممرضتين، ويُقتل بالرصاص بعد اتخاذه طالبًا ثانويًا كرهينة.

أخذ غاو يانغ إجازة مرضية وقضى اليوم يرتاح في المنزل.

كان في حالة صدمة؛ فلا يمكن لأي شخص عادي أن يتجاوز بسهولة تجربة رؤية حياة تُسلب أمام عينيه برصاصة من مسافة قريبة كهذه. كما أزعجه وصف الرجل بأنه مصاب بمرض نفسي، لكنه لم يستطع تحديد السبب بدقة.

في تلك الليلة، تناول غاو يانغ قرصًا منومًا.

ورأى حلمًا بعد أن غط في النوم.

بعد الانتقال، كان غاو يانغ قد استوعب منذ فترة طويلة ذكريات صاحب الجسد الأصلي ما قبل سن السادسة، لكن يبدو أن هناك بعض المقاطع غير الواضحة التي نسيها.

أعاده الحلم إلى الصيف الذي كان فيه في الرابعة من عمره. كان الوقت متأخرًا من الليل.

كان قد أفرط في تناول البطيخ، وأيقظه ضغط المثانة في ساعات الفجر الأولى. نهض من فراشه متوجهًا إلى الحمام، وعندما مر بغرفة جده وجدته، سمع صوت حفيف.

وبدافع الفضول، وضع غاو يانغ أذنه على سطح الباب البارد وأنصت بكل جوارحه. أصبحت الأصوات أوضح، لكنها كانت أغرب أيضًا.

كانت أصواتًا غريبة تمامًا عليه؛ بدت وكأنها عواء وحش، وأيضًا كأنين حوت عملاق في أعماق البحر. بدت مؤلمة، ومع ذلك كانت هناك آثار من الإثارة أيضًا. وتحت تلك الصرخات، كان يمكن سماع أصوات خشنة مكتومة لشيء يُنزع ويُمضغ.

شعر غاو يانغ برعدة تسري في عموده الفقري.

كان قد سمع للتو قصة "ذات الرداء الأحمر" من المعلمة في الروضة. هل تسلل "الذئب الشرير" وأكل جده وجدته؟

كان قلبه يخفق بشدة، لكنه استجمع شجاعته وفتح الباب بحذر.

ومن خلال الشق، رأى ذلك الشيء.

فقد صوابه من الرعب، فاستدار وركض عائدًا إلى غرفته، غائصًا تحت غطائه كشرنقة. حتى إنه نسي السبب الذي استيقظ من أجله.

في الصباح التالي، استيقظ غاو يانغ ليجد أنه قد بلل فراشه. ظن أن كل ذلك لم يكن سوى كابوس، لكن بعد ذلك فتحت والدته الباب واقتربت منه لتضمه بين ذراعيها وهي تبكي قائلة: "لقد توفي جدك يا غاو يانغ".

تبع والدته للخارج ليرى المسعفين وهم يحملون جده المتوفى على محفة، والجثة مغطاة بقطعة قماش بيضاء. ثم جاءت الجنازة، ولم يعد جده سوى صندوق من الرماد.

لم يتسنَّ لغاو يانغ وأخته الصغرى رؤية جدهما للمرة الأخيرة أبدًا.

وبالنظر إلى الماضي، كانت الأمور مريبة من نواحٍ عديدة.

كان جدهما يعشق غاو يانغ وأخته؛ لقد كانوا عائلة من دم واحد، فلماذا لم يُسمح لهما برؤيته للمرة الأخيرة؟

وإذا كانت ذاكرة غاو يانغ تسعفه، فقد كان هناك شيء غريب في الجزء العلوي من جسد جده تحت القماش الأبيض؛ بدا وكأن الجثة ينقصها ذراع.

ألم يمت جده بنوبة قلبية؟ لماذا يكون هناك ذراع مفقودة؟

في حلمه، حدق غاو يانغ في الجثة على المحفة البيضاء، ورأسه مليء بأسئلة لم يستطع الإجابة عليها مهما أرهق نفسه في التفكير.

وفجأة، جلست الجثة!

سقط القماش الأبيض وكشف عن الرجل الذي يُفترض أنه يعاني من مرض نفسي. كانت عيناه قد اختفيتا، تاركتين محجري عينيه داميين وفارغين. تناثرت دماء سوداء لزجة من فتحاته السبع، ومد يده ليمسك بمنكبي غاو يانغ بيدين مغطيتين بالدماء.

"وحوش! إنهم في كل مكان! اهرب! اخرج من هنا!

"لا تثق بأحد!"

…

"آه!"

انتفض غاو يانغ مستيقظًا من حلمه.

كانت الساعة العاشرة صباحًا. الشمس كانت مشرقة، ونسيم يوم من أيام أبريل يرفع الستائر ويكشف عن صخب المرور وحياة المدينة خارج النافذة.

جلست أخته بجانب سريره ونظرت إليه بعينين واسعتين ترمشان، ورأسها مائل، "حلم سيئ يا أخي؟"

بعد صمت، سأل غاو يانغ، "لماذا أنتِ في غرفتي؟"

رمقته أخته بنظرة لائمة. "لقد طلعت الشمس منذ وقت طويل يا كسول! أمي طلبت مني إيقاظك!"

"حسنًا، فهمت."

غادرت أخته الغرفة.

بينما لا يزال يترنح من أثر الحلم، ترنح غاو يانغ خارج السرير وتجرع جرعة كبيرة من الماء.

ثم رن هاتفه. ودون تفكير طويل، فتح تطبيق وي تشات.[1]

وعلى الفور، نفث كل الماء الذي في فمه.

[بداية المجلد الأول – الأبراج الإثني عشر]

الترجمة : كوكبة

———

بسم الله الرحمان الرحيم، القدير العليم، العلي السميع والبصير، الذي لا إله إلا هو.

افتتح معكم يا أصدقائي الأعزاء روايتنا الجديدة، 'متاهة الوحوش'، والتي بتكون مختلفة جدا عن بقية رواياتي؛ ولكنها لا تقل جودة عنها.

شخصيات، أركات، ألغاز، معارك، حروب، مخططات ومؤامرات، وغيرها الكثير ينتظركم، وكلي شوق لترجمتنا كلها ونشرها لكم.

أيضا راح أنشر عدة صور لمختلف الشخصيات في الفصول نفسها الي تظهر فيها لأول مرة.

الرحلة نحو الفجر تبدأ.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.