مساحة للحكاية، ووقت لك← الابن الأصغر لسيد السيف
الفصل 42: أعداء في الداخل والخارج (2)نحو 10 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 42: أعداء في الداخل والخارج (2)

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

ترجمة: Arisu san

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

خمسةُ [حملة الرايات] استجابوا لاستدعاء روزا واندفعوا إلى المبنى الرئيسي:

الابن الثالث ران، الابن الرابع فيغو، الابنة الرابعة ميو، الابنة الخامسة آن، وأخيرًا الابنة الثانية لونتيا.

أوقفتهم روزا جميعًا في صفٍ واحد، وحدّقت فيهم بنظرة ثقيلة قاتمة، وقد خفّت قليلاً صرخاتها التي كانت تزمجر بها عليهم منذ قليل.

لكن، ما إن دخل جين إلى الغرفة، حتى علا صوتها من جديد.

“كيف تجرؤون—أنتم من يُفترض بكم أن تكونوا حملة رايات—على التخبط بهذا الشكل المشين؟!”

زمجرت روزا بقوة، فانطلقت الأوراق وحاملة الأقلام التي على طاولتها في كل اتجاه، بل إن الحاملة ذاتها انشقّت وتكسّرت من شدة هالتها.

هااااه…

زفرت بقوة، ثم التفتت نحو جين.

“…لقد وصلتَ.”

“نعم، أمي.”

تحوّلت أنظار الإخوة إليه.

ران وفيغو نظروا إليه بانزعاج وحنق. كان ذلك طبيعيًا، إذ لم يكونوا طرفًا في مهمة كولّون من الأساس.

أما ميو وآن، فكان العداء يتطاير من عيونهم بلا مواربة.

كانت شفتاهما مرسومتين بابتسامة خفيفة، لكن أعينهما كانت محمّلة بدماء الغيظ، وكأنها تقول: “سنقتلك متى ما سنحت الفرصة.”

لونتيا، من جهة أخرى، بدت هادئة، يملؤها فضول لمعرفة ما إن كان شقيقها الأصغر، الذي لم تره منذ زمن، قد بلغ فعلًا مرتبة فارس بخمس نجوم كما يشاع.

“هل بلغك الخبر؟ مهمتك القادمة ستكون في أطلال كولّون.”

“نعم، أُبلغت بذلك.”

“أنا ألغي هذه المهمة. لن تذهب إلى كولّون.”

“أمّاه!”

صاحت كل من ميو وآن في وقت واحد، وتقدمتا خطوة أو اثنتين.

“ما همّكن سوى قتل الأصغر، أليس كذلك؟ أتراكن تظنن أن لقب [حامل راية] منَحكن الجرأة لمواجهة أمكن؟!”

نظرت روزا إلى ابنتيها بنظرات كأنها شفرات من جليد.

لكن الاثنتين لم تَرتدعا.

“أماه، هل من الغريب حقًا أن نحاول قتل الأصغر؟”

“ماذا؟”

“بصراحة، لا أفهم سبب حرصك الدائم على حمايته، يا أمي.”

حدقت ميو في عيني والدتها مباشرة.

“تابعي، هيا، تابعي إن كنتِ تجرئين على التمادي بهذا الفم. أجننتِ؟”

“منذ ولادتنا، وأنتِ تراقبيننا من بعيد مع أبي، بل وتشجعيننا على التنافس والاقتتال. أليس ذلك لأن الصراع أمر ضروري في هذه العائلة؟”

“كلامها صحيح يا أمي. كلنا هنا ذقنا القهر والضغط من إخوتنا الكبار خلال نشأتنا. حين كنتُ في الصف المتوسط، أُرسلتُ عشرات المرات في مهام صعبة كلّفني بها إخوتي الأكبر!”

ساد الصمت لوهلة.

ما قالته ميو وآن لم يكن باطلًا.

فالصراعات والمضايقات السرية بين الإخوة في عشيرة رانكاندل كانت أمرًا لا مفر منه.

بل إنها قدر محتوم لكل أبناء العائلة.

كما أن سايرون وروزا لم يتدخلا يومًا لإيقاف حمام الدم بين أبنائهما.

“حقًا، ما قلتماه ليس خطأ. التنافس ضرورة، ولكما أن تستخدما أي وسيلة للفوز.”

قالت روزا ذلك بابتسامة هادئة.

ففهمت ميو وآن مغزى كلماتها…

“لكن، هل بلغتُما مرتبة الفارس ذي الخمس نجوم في سن الخامسة عشرة؟”

“هاه؟”

“أنتما تختلفان عن الأصغر. لو كنتما حققتما ما حققه في سنكما، لكنتُ قد حميتكما أيضًا. لكنكما لم تفعلا.”

روزا صرّحت علنًا أنها تميّز جين عن الباقين.

“بمعنى آخر، لم تكونا جديرتين بحمايتي أو عنايتي. وها أنتما الآن، بعد أن صرتما حاملتي راية، تتجرآن على الحديث معي بهذه الوقاحة؟ لا أندم إطلاقًا على ترككما من دون حماية.”

تلوّت وجها ميو وآن وهما ترمشان بدهشة مشوبة بالألم.

مهما كانت العائلة قاسية، وسواء أكان الأشقاء وحوشًا، فإن كلمات مثل هذه من الأم لا بد أن تترك جرحًا لا يندمل.

“…أجل، معكِ حق يا أمي. كنتُ ساذجة.”

“شكرًا لتوجيهك، أمي.”

انحنتا بهدوء وغادرتا الغرفة.

لكن، رغم أن ظهريهما كانا إلى جين، إلا أن نيران الغضب والكراهية في قلبيهما كانت أوضح من أي وقت مضى.

“لونتيا، ران، فيغو.”

“نعم، أمي.”

“بما أنكن زميلات ميو وآن كحاملي راية، فلا مفر لكنّ من المسؤولية أيضًا. وخصوصًا أنتِ، لونتيا. خيّبتِ أملي. عليكِ أن تتأملي تقصيرك لبعض الوقت. أما أنتَ يا ران، وأنتَ يا فيغو، فستعيدان سيفًا واحدًا من أسلحتكما.”

لونتيا اكتفت برفع كتفيها بلا اعتراض.

أما ران وفيغو، فاعترضا بصوت مرتعش.

“أمّاه؟ ت-تطلبين منا أن نعيد سيفًا؟”

“ألستما راضيَين؟ اشكرا حظكما أنه مجرد سيف واحد. لو خُيّرتُ، لكنتُ قد صادرت كل السيوف الثمينة التي أخذتماها من مخزن العشيرة. فاشكرا أني لم أفعل.”

لم يجرؤ الأخوان على الرد.

أحنيا رأسيهما في صمت.

وشعرا وكأنهما يُعاقبان على جرم لم يقترفاه.

وبطبيعة الحال، تحولت نيران غضبهما إلى جين.

“عائلتنا فاسدة حقًا… الأمور تزداد تعقيدًا.”

تمتم جين في نفسه، ولسانه يقرع سقف فمه بامتعاض.

روزا رانكاندل…

هل كانت تُعنّف حملة الرايات بدافع المحبة له؟

جين كان متأكدًا أن ذلك ليس السبب.

“أمي… تريد أن أدخل في صراع أشرس وأعنف مع إخوتي. لقد استدعت أختي الكبرى لونتيا، وأخيَّ ران وفيغو—رغم أنهم لا صلة لهم بالحادثة—لكي تبثّ فيهم العداء تجاهي.”

صحيح.

كانت روزا قد استدعت ثلاثة من حملة الرايات بالإضافة إلى ميو وآن لاختبار جين.

والأدق أنها كانت تختبر جميع أولادها الحاضرين في تلك الغرفة.

أرادت أن ترى إلى أي مدى يمكنها أن تدفعهم، وهل سيستمرون في تمزيق بعضهم البعض بلا رحمة.

“أتساءل كيف سيتصرّف الأصغر في هذا الموقف… إنه فتى ذكي، ولا أظنه سيغترّ بحمايتي له. فماذا سيفعل؟”

تساءلت روزا في نفسها. كانت مشاعر الحماسة والفضول تغلي في صدرها، لكنها أخفتها خلف وجهٍ غاضب صارم.

هل سيتظاهر بالدفاع عن إخوته ويطلب منها أن تعاقبه عوضًا عنهم؟

إن اكتفى بالوقوف هناك بابتسامة رضا لمجرد أن أمه في صفه، فذلك سيكون نهاية الأمر.

ورغم أن بلوغه مرتبة فارس بخمس نجوم في سن الخامسة عشرة يُعد إنجازًا نادرًا، فإن رد فعل سطحي كهذا يعني أن روزا ستسحب اهتمامها منه فورًا.

بالطبع، حتى لو خاب أملها فيه، فسيظل ابنها الأصغر المحبوب، لكنها ستزيل اسمه من قائمة ورثة العرش.

لأن من لا يعرف كيف يستغل الفرص لن يكون جديرًا بقيادة عشيرة رانكاندل.

“أمي.”

“تحدّث، يا جين.”

أجابت روزا بنبرة منخفضة، تخفي وراءها توقًا خفيًا لما سيقوله.

“في الحقيقة… أحببت المهمة التي أوكلتني بها أختاي الكبيرتان.”

“وهل تعرف حتى أين تقع أطلال كولّون؟”

قالت روزا بسخرية لاذعة.

“نعم، في أراضي زيفل، وقد حاولت عشيرتنا احتلالها من قبل لكن المحاولة باءت بالفشل. حدث ذلك قبل ولادتي بكثير، طبعًا.”

“إذًا، أنت على علم بالأمر. حينها، خاض كبير الحراس تيلوت المعركة برفقة ثلاثين فارسًا، وانتهى به الأمر في مأزق خطير. الآن أصبحت تلك الأطلال موقعًا سياحيًا، لكن زيڤل لا تزال تتدخل فيها بقوة. ولن تكون قادرًا على فعل شيء هناك.”

المهمة التي أُسنِدت إلى جين كانت “سرقة”.

[عليه أن يسرق بعض القطع الأثرية القديمة التي ينقّب عنها الزيڤليون في أطلال كولّون.]

ولم يكن جين قد اطّلع بعد على قائمة الأغراض المطلوبة، لكنه قدّر أنها لا تقل عن ثلاث قطع.

“لا يمكننا التأكد من ذلك ما لم أذهب بنفسي. مع أنها منطقة خطرة، لا أراها مهمة غير منطقية. ألا تظنين أن أختاي اختارتاها لأنهما تظنان أنني أملك المهارة الكافية لتنفيذها؟”

“أي جرأة متهوّرة هذه؟ أو لعلك تختبر صبر أمك؟”

“جرأة متهورة”.

لم تكن إجابة سيئة، لكنها لم تكن ما كانت روزا تأمل سماعه.

“علاوة على ذلك، لو قمنا بتعديل المهمة فجأة، فسنظهر للعشيرة كم نحن فوضويون وعديمو الحزم.”

“لا أحد في العشيرة سيشكك في رانكاندل لأجل أمر كهذا. أختاي فقط أرادتا إيذائي، ولما عجزتا عن مهاجمتي جسديًا، استغلّتا سلطتهما كحاملتي راية.”

“وهذا بالضبط ما أعنيه، يا أمي.”

قال جين بابتسامة مشرقة:

“لا أنوي التراجع عن هذا النزال. صحيح أنني سأخسر خسارة فادحة إن تحدّيت أختاي الآن في مبارزة، لكن إن نجحتُ في هذه المهمة، فسأكون قد وجهت لهما ضربة موجعة.”

تألقت عينا روزا ببريقٍ لامع.

“بمعنى آخر، لديّ فرصة ضئيلة للفوز. أعلم أنه من الحكمة أن أتراجع الآن، وأنمّي قوتي ثم أعود لهزيمتهما بعد سنوات… لكنني ببساطة لا أستطيع الانتظار. تصرفاتهما بدأت تزعجني بشدة.”

“يمكنك أن تلقى حتفك في أطلال كولّون بسبب هفوة بسيطة. هل أنت واثق من نفسك؟”

“نعم. وإن عدت سالمًا من المهمة، أود أن أحصل على السيوف التي صادرتِها من أخويّ.

وبما أنكِ حكمتِ على المهمة بأنها خطرة للغاية، فأرغب بمكافأة تناسب ما خاطرْتُ به.”

“مـ… ماذا قلتَ؟!”

صاح ران وفيغو في آن، ووجّها إليه نظرات نارية، بينما أخفت روزا ابتسامتها المشرقة.

لقد بدأ جين باستفزاز إخوته كما أرادت، وكأنه قرأ ما في قلبها.

“أخي، لماذا تطلب أخذ السيوف التي صادرتها أمي منّا—”

“موافقة.”

قاطعت روزا فيغو قبل أن يُكمل.

غير أن ران تنهد عميقًا، ثم قال:

“إن كنت تطمح لاقتناء سيوف عالية الجودة، فأنا أستطيع أن أمنحك واحدًا من أسلحتي. لكن تخلّ عن هذه المهمة. لقد انتشرت إنجازاتك في العالم، ويجب أن تبقى حيًا حتى يعود أبي إلى حديقة السيوف.”

لو عاد سايرون إلى مقر العشيرة بعد شهر ولم يجد جين، فإن جميع الزوار سيصابون بخيبة أمل.

وسيظن الناس أن قصة الفارس ذي الخمس نجوم في الخامسة عشرة كانت كذبة اخترعتها العشيرة، وأنهم غطّوا على الكذبة بالادعاء أن الفتى قُتل في مهمة قبل الزيارة.

تظاهر ران وكأنه قلق من هذا الاحتمال، لكن جين أمال رأسه بتعجب.

“أنت منافق، يا أخي ران. إن كان الأمر مهمًا إلى هذه الدرجة، لكان الأولى بك أن تمنع أختاي من تكليفي بالمهمة منذ البداية.”

ران كان يدّعي النُبل والقلق، لكن جين لم يبتلع الطُعم.

فحين قررت ميو وآن منحه المهمة، لم يعارض ران ولا فيغو.

كان ران يتظاهر بعقلانية زائفة ليكسب رضا الأم.

“هاهاها… لا بد أن ذلك كان محرجًا جدًا لك، يا ران. كان عليك أن تصمت مثل أختك الكبرى.”

احمرّت أذنا ران من شدة الحرج، بينما انفجرت روزا ضاحكة.

“أنا فضولية لأعرف إن كان الأصغر سيتمكن حقًا من الحصول على سيوف إخوته. سأراقب جيدًا لأرى إن كان هذا استفزازًا فارغًا، أم وعدًا سيتحقق. يمكنكم الانصراف الآن.”

بعد أن غادر الجميع، أسندت روزا ذقنها على يدها وأطلقت تنهيدة تفكير.

“…لقد دهستُ كبرياء إخوتِه حتى لا ينتهي به المطاف مثل لونا… لكن يبدو أنني لم أكن بحاجة لذلك أصلًا.”

كان الأصغر متعطشًا للصراع.

واليوم، كان الصراع بالكلام لا بالسيف، لكنه نجح في السيطرة الكاملة على مجريات الحديث، وسَحق إخوة يكبرونه بسنوات.

“سايرون سيكون مسرورًا عندما يرى ما بلغه الأصغر من نمو وتقدّم.”

لكن، كل هذا لا يُعدّ شيئًا إن لم يعد جين حيًا من أطلال كولّون.

❃ ◈ ❃

وما إن غادروا المبنى، حتى هرع ران وفيغو إلى غرفتَيهما مباشرة.

أما لونتيا، فترددت في الحديث مع جين للحظة، لكنها فضّلت الانسحاب بهدوء.

“هل تعتقد فعلًا أنك ستكون محظوظًا هذه المرة أيضًا؟”

قالتها ميو دون أن تلتفت نحوه.

كانت هي وآن واقفتين بجوار الجدار، تنتظرانه ليخرج.

“من يدري؟ قد لا تعلمان ذلك، لكنني لست محظوظًا البتة في الحياة.”

“هذه آخر مرة ستتحدث فيها بهذه الخفة. فالمهمة ليست فردية، ولن تكون وحيدًا في طريقك.”

“هاها، شكرًا لاهتمامكما، أختاي الكبيرتان. إلى لقاء قريب.”

تابعتاه بنظرات مشتعلة حتى ابتعد واختفى عن الأنظار.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.