الفصل 41: أعداء في الداخل والخارج (1)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
فارس من فئة الخمس نجوم.
كان جين قد قدّر أنه سيحتاج إلى ثلاث سنوات على الأقل، وخمس على الأكثر، ليبلغ تلك المرحلة. في الواقع، معظم أفراد عائلة رانكاندل يبلغون مرحلة الفارس ذي الخمس نجوم في سن العشرين.
غير أن جين هزم فارس [الخمس نجوم] كاجين وهو في الخامسة عشرة فقط.
صحيح أن كاجين قد استخفّ به وخفّض حذره، إلا أن جين كان سيفوز حتى لو تكرر النزال.
“أنتَ… خسرت أمام الأصغر؟”
“هاه، أأنتَ جاد؟ هل تكذب علينا بهذا الشكل الفج؟! الأصغر لم يكن سوى فارس [ثلاث نجوم] حتى وقت قريب! حتى لو كنتَ غبيًّا، فهذا أمر لا يُصدّق!”
لم تصدّق ميو وآن ما جاء في تقرير كاجين.
ولم يكن رد فعلهما مفاجئًا؛ فجين لم يشنّ هجومًا مباغتًا، ولم يُقيّد كاجين نفسه بأي قيود. فارس فئة الخمس نجوم يتمتع بخبرة وقوة جسدية تفوق بكثير فتى مثل جين.
“لا أعذار لديّ.”
“أو ربما رقّ قلبك عليه لأنه من دماء رانكاندل الخالصة؟”
“أم لعله دفع لك رشوة؟”
“…ذلك لم يحدث، سيدتيّ.”
“إذن ما تفسيرك؟ أتريدنا أن نصدّق فعلًا أن الأصغر بلغ فئة الخمس نجوم في هذا الوقت القياسي؟!”
“جميع من كانوا في ساحة التدريب يمكنهم الشهادة على ذلك. كانت هالته، على أقل تقدير، هالة فارس فئة الخمس نجوم.”
“ها!”
قطّبت ميو حاجبيها بعمق، فيما سَخِرت آن باحتقار.
“انسَ الأمر، كان خطئي أني وضعت أملاً في أمثالك. اغرب عن وجهي.”
ما إن غادر كاجين الغرفة، حتى تبادلَت الشقيقتان النظرات.
“الأصغر بدأ يكشر عن أنيابه في وجهنا علنًا، أليس كذلك؟”
سألت آن أختها.
“ليس في وجهنا نحن فحسب، بل في وجه العشيرة كلها. علينا أن نرسله في مهمة لا عودة منها في المرة القادمة… وسنرسل معه بعض رجالنا كذلك.”
❃ ◈ ❃
سادت الفوضى حديقة السيوف فجأة.
إشاعة انتصار جين على كاجين وانتقاله رسميًا إلى لقب أقوى تلميذ في صفوف المستوى المتوسط انتشرت بين الخدم. ومع ذلك، كثير منهم لم يصدق القصة، تمامًا كما حصل مع ميو وآن.
فجين قد نما بسرعة لا تُصدق.
ولو أحصيت جميع من بلغوا فئة الخمس نجوم قبل سن السادسة عشرة عبر تاريخ عشيرة رانكاندل الذي يمتد لألف عام، لوجدت ثلاثة فقط: البطريرك الأول تيمار، وسايرون، ولونا.
لكن أفراد العشيرة لم يعرفوا سوى تقدمه في فنون السيف.
خمسة نجوم في فن السيف، وأربعة في السحر، وأربعة في القوة الروحية.
والأدهى أن جين نفسه لم يكن يتوقع أن يبلغ الخمس نجوم بهذه السرعة.
كان يتدرّب مستخدمًا أحجار الصفاء منذ عودته من ماميِت، وإذا به يجد هالته ترتقي إلى تلك المرتبة في لمح البصر.
وفي أوقات الراحة من التدريب بالأحجار، كان يغلف سيفه بالهالة ويحافظ على ذلك، وكل مرة يفعل فيها ذلك، يشعر بالطاقة تتراكم في جسده بسرعة خارقة.
لكن هذه الظاهرة لم تكن بفضل موهبته الطبيعية وحدها في السيف.
بل بسبب التناغم.
تناغم الطاقات الثلاث التي تسري في جسده: القوة الروحية، والمانا، والهالة.
الناس العاديون لم يسبق لهم أن استخدموا الطاقات الثلاث معًا، لذا فهم يجهلون هذا الأمر، أما جين فقد لاحظ أن تلك الطاقات تتفاعل وتؤثر ببعضها.
كلما تقوّت واحدة منها، عززت الاثنتين الأخريين. والأكثر تأثيرًا بينها كانت القوة الروحية.
وبسبب “انسداد الطاقة الروحية” الذي عاناه مؤخرًا، ارتفعت قوته الروحية، ما أدى إلى تقوية الهالة والمانا في آنٍ معًا.
ونتيجة لذلك، ازداد عدد القنوات التي تتدفق فيها الهالة والمانا داخل جسده. كأنه ربح يانصيبًا دون أن يبذل شيئًا!
“الآن، وقد أعلنتُ رسميًا بلوغي [فئة فارس الخمس نجوم] في سن الخامسة عشرة، سيبدأ إخوتي بالشعور بالخطر حقًا.”
لقد حقق جين إنجازًا مذهلًا.
ومع ذلك، لم يكن بعد بقوة تتيح له مواجهة إخوته. باستثناء التوأمين تونا، فإن بقية حملة الرايات من العشيرة بإمكانهم سحق جين بسهولة إن سنحت لهم الفرصة.
ولم تكن ميو وآن وحدهما في الحسبان.
بل أيضًا جوشوا، الذي يُعد الوريث الأرجح لسايرون، إلى جانب بقية إخوته الكبار، الطامحين لاعتلاء عرش القيادة.
هؤلاء جميعًا باتوا مضطرين لمراقبة جين عن كثب.
فالصغير بات شوكة في خاصرة كل من يسعى لكرسي البطريرك.
اختيار [باريسادا] في طقس الاختيار قد يُعد مصادفة، لكن كشفه عن قوته وظهوره للعالم أمر مختلف تمامًا.
“ربما كان من الأفضل لو أخفيتُ قدراتي إلى أن أبلغ الثامنة عشرة، كي لا أثير مخاوف المنافسين، لكن لا.”
جين آمن بأنه قد كسب الكثير من كشف قوته الآن.
“من اليوم، سيتردد اسمي خارج عشيرة رانكاندل. سيتساءل الناس عني، عن كيف أصبحت فارساً بخمس نجوم في الخامسة عشرة. عشائر كثيرة وتحالفات لا حصر لها ستراقبني، بدافع الفضول والحذر. وإخوتي لن يتمكنوا من التحرّك ضدي كيفما شاؤوا، فكل العيون شاخصة إليّ.”
وفوق ذلك، فإن والده سايرون رانكاندل سيعود لا محالة إلى حديقة السيوف.
فهو يفكر حاليًا في تنصيب وريث غير جوشوا، ويراقب أبناءه واحدًا تلو الآخر، بحثًا عن بديل أفضل. لكن أياً من أبنائه بعد لونا لم يُرضِه قط.
أما الوحيدة التي كان راضيًا عنها—لونا—فهي لا ترغب في العرش أصلاً. بل قالت صراحة إنها تكره هذا الصراع الأسري وتودّ الاكتفاء بالمراقبة.
لهذا السبب، ورغم قوتها، رأى سايرون أن لونا لا تصلح للقيادة.
فعيّن ابنه الثاني جوشوا وريثًا مؤقتًا، كأفضل بديل بعد لونا. جوشوا كان مناسبًا من حيث الشخصية: حاسم، رصين، حادّ كالنصل، وذو طموح لا يُستهان به.
لكن، إن حدث مكروه لجوشوا، فإن لدى سايرون بدائل أخرى: ابنه الثاني ديبُس، ابنته الثانية لُنتِيا، وحتى ابنته الثالثة ماري، كلهم مرشحون لا بأس بهم.
وكان هذا هو الترتيب السائد في قائمة الورثة، إذ لم يبرز أحد بشكل استثنائي… حتى الآن.
“لكن الآن، هناك أنا.”
مع ظهور جين، انقلبت رقعة الصراع على العرش.
فوالده سايرون لا يأبه بالعمر، بل يمنح الفرص لأبنائه بحسب إنجازاتهم.
“تمامًا كما أرسلني في المهمة الخاصة عندما كنت في فئة المبتدئين، فإن تقدمي الأخير سيبلغه دون شك… وسيصدر أوامره.”
وتوقّع جين أن تلك الأوامر ستتضمن أمرين على الأقل:
أولًا: اختبار:
سايرون سيُخضع جين لاختبار، بنيّة التحقّق مما إذا كان الصبي قادرًا على تجاوز فارق السن والقدرات بينه وبين إخوته الأكبر، الذين هم بالفعل مرشّحون لخلافة العرش.
والأمر الثاني: الحماية.
فبعد أن كشف جين عن قدراته الحقيقية، صار من المحتّم أن يبدأ إخوته بمحاولات الاعتداء عليه مباشرة. إلا أن سايرون لم يكن ليسمح بسحق ابنه الأصغر قبل أن يتاح له اختباره بنفسه.
كان جين حالةً خاصّة. صغير جدًا مقارنة ببقية إخوته، ولهذا السبب تحديدًا، كان سايرون سيتدخّل استثناءً في هذا الصراع بين الأبناء.
“جيلي.”
“نعم، يا سيدي الصغير؟”
“في المستقبل القريب، ستطلب العديد من العشائر والمنظمات الهامة لقاء مع عشيرة رانكاندل. سيرغبون في رؤية الفتى ذي الخمس عشرة سنة، الذي بلغ رتبة [فارس الخمس نجوم] بأعينهم. فشائعة الابن الأصغر لعشيرة رانكاندل ستجتاح العالم.”
عشيرة يفليانو سادة السيف، عشيرة كين سادة الرمح، عشيرة توكو سادة القتال اليدوي، وسائر عشائر القتال، سيأتون جميعًا لرؤية جين.
بل حتى منظمات وطنية مثل الحرس الإمبراطوري لإمبراطورية فيرمونت، والقوات الخاصة، وفرسان ملك التنانين سيرسلون مندوبين. وكذلك القوى المسلحة العالمية كقصر الخفاء، ومرتزقة الملك الأسود، ومرتزقة الأشباح.
“واو، انظر إليك تتفاخر بذلك الوجه المتعجرف، أيها الفتى. أترى أن لا شغل لهم إلا زيارتك؟”
“بالنسبة لهؤلاء، معرفة التغيرات الجارية في عشيرة رانكاندل أمر بالغ الأهمية. كلهم يعتقدون أن إنجازاتي ستُحدث تغييرًا في هيكلية الوراثة بين المرشحين. لذا عليهم الحضور بأنفسهم ليتأكدوا.”
لم يكن جين واثقًا بتوقّعاته لمجرد قدرته على قراءة الساحة السياسية داخل العشيرة، بل كان ذلك يستند أيضًا إلى قصة سمعها من حياته السابقة.
فقد سمع أن لونا، عندما أصبحت فارسة [فئة الخمس نجوم] في سن الخامسة عشرة، اجتمع الناس من كل حدب وصوب لرؤيتها. كانت كأنها أسطورة بين الإخوة.
“هاه، نيالك. لا حدا يهتم بتنين أسود وضيع مثلي.”
“صحيح، لا أحد.”
ثم تابع جين بنبرة جادة:
“على أي حال، ما إن تصل الطلبات الرسمية لزيارة العشيرة، سيعود والدي إلى حديقة السيوف. ومن المحتمل أن يقيم وليمة كذلك.”
“أفهم. إذاً، البطريرك سيغادر البحر الأسود مجددًا. سأبدأ بالتحضيرات.”
“سأترك الأمر لكِ يا جيلي. واحرصي على إبقاء موركان بعيدًا عن الأنظار. إن تسلل إلى الوليمة متحوّلًا على هيئة بشر، فسنقع في ورطة. فهمتِ؟”
“أنا لست طفلًا حتى—”
“سأضع ذلك في الحسبان.”
رمق موركان جيلي بنظرة نارية، لكن المربية تجاهلت نظراته وأشاحت بوجهها.
❃ ◈ ❃
بعد يومين، بدأت العشيرة باستقبال الرسائل بشأن الابن الأصغر لعشيرة رانكاندل، تمامًا كما تنبأ جين.
وبما أن جين لم يظهر علنًا من قبل خارج العشيرة، فقد كان المراسلون والمبعوثون يتسابقون لجمع أي معلومة عنه.
كل ما عُرف عنه خارج العشيرة هو عمره وكونه فارسًا بخمس نجوم.
فبدأ الصحفيون الأثرياء برشوة خدم حديقة السيوف للحصول على معلومات من الداخل، فيما توجه الصحفيون الأكثر دهاءً إلى موظفة بوابة النقل في مملكة مايتل، وفيلق المرتزقة الثالث لمرتزقة الملك الأسود.
هؤلاء كانوا الوحيدين الذين التقوا بجين وجهًا لوجه. غير أن موظفة البوابة كانت حريصة على حياتها، ولم تفشِ معلومات زبائنها، أما مرتزقة الملك الأسود فكانوا يكرهون الصحفيين بشدة.
أما الصحفيون الأقل خبرة—أو بالأحرى السذّج—فقد ظنّوا أن عشيرة رانكاندل لفّقت هذه الإشاعة لجذب الأنظار إليها.
“من يكون جين رانكاندل بحق السماء؟!”
تناهت تلك الجملة من أفواه المراسلين، وقد علا التأفف والتذمر.
حديقة السيوف لم تكن مكانًا يستطيع الصحفيون دخوله ببساطة. كل ما كان بمقدورهم فعله هو الانتظار بقلق، ومحاولة استغلال علاقاتهم مع عشائر أخرى تملك ما يكفي من النفوذ لدخول الحديقة كزائرين.
وهكذا مرّ أسبوع آخر. صار الوقت الآن شهر أيار عام 1795.
وانهالت الطلبات لزيارة حديقة السيوف كالسيل المنهمر. كل شيء سار كما تنبّأ جين.
“يبدو أن الخدم مشغولون جدًا هذه الأيام في الرد على الرسائل، يا سيدي الصغير. عندما سألت بيترو، أخبرني أن حتى العائلة الإمبراطورية لفيرمونت أرسلت رسالة رسمية.”
“العائلة الإمبراطورية؟ لم أكن أتوقع ذلك. حتى هؤلاء الغامضين لم يستطيعوا كبح فضولهم، على ما يبدو.”
“المعجزة الحقيقية هي أنك تنبأت بكل هذا بهذه الدقة، يا سيدي جين.”
ابتسمت جيلي وقد اعتراها الفخر، وتابعت:
“كما أن الفارس الحارس خان عاد إلى المنزل الرئيسي اليوم، وأعلن عن قرار البطريرك: سيعود بعد شهر من الآن. وتقوم العشيرة حاليًا بترتيب توقيت الزيارات الرسمية لتتزامن مع عودته.”
كانت العشيرة في حالة غليان، من الداخل والخارج، بسبب جين.
ومع ذلك، لم تُسجل أي تحركات غريبة من إخوته حتى الآن. كانوا يخرجون في مهمات أو يتدربون كالمعتاد، وجين لم يختلف عنهم.
لكن ذلك لم يكن مفاجئًا. مهاجمة جين أو محاولة الحد من تحركاته في ظل انشغال العشيرة كلها به كان تصرفًا غبيًا.
فأي محاولة للضغط عليه في هذا الوقت كانت ستُعدّ اعترافًا علنيًا بالخوف أو الحقد نحوه، وهذا كفيل بأن يُلحِق بهم ضررًا بالغًا في السمعة.
لكن، هذا لا يعني أن جميع إخوته امتنعوا عن التفكير بذلك.
“س-سيدي الشاب!”
ركض بيترو، كبير الخدم الثاني، باتجاه جين ووجهه يتصبب عرقًا وتعلوه الكآبة.
وما إن لمح جين وجه الخادم، حتى أدرك أن اللحظة قد حانت.
“لابد أن الشقيقتين، ميو وآن، دبّرتا مكيدة جديدة.”
كان بيترو مبللًا من رأسه حتى أخمص قدمَيه، وكأنّه اجتاز الحديقة الشاسعة ركضًا ليبلّغ الخبر العاجل.
“تمهل، والتقط أنفاسك أولًا، بيترو.”
“هاه… هاااه… شكرًا جزيلًا… ففف… لقد تم إسناد مهمة جديدة إليك، يا سيدي الصغير. لكن المكان الذي ستُرسل إليه هو…”
“ما هو؟”
“أطلال كولّون.”
“هاه! أطلال كولّون؟! يا سيدي، لقد تجاوز حاملو الرايات الحدود هذه المرة! فهذه الأطلال تقع في أراضي زيفل!”
“هذا صحيح… لقد تجاوزوا حدودهم فعلًا. ولهذا، فقد غضبت السيدة روزا بشدة. وقد استدعت بالفعل حاملي الرايات لتوبيخهم. أظن أنه يجدر بك زيارة السيدة روزا أيضًا.”
أومأ جين بهدوء، وبدأ بالتوجه نحو المبنى الرئيسي.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.