الفصل 33: قاتِل، انتصر، استمتع (3)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
أشار زيد بيده إلى بقعة بجوار الفتية الثلاثة.
كانت هناك كُتل مستديرة من المعدن مكدّسة كأنها جبال، وبضع طاولات مصطفّة إلى جوارها.
قال زيد:
“أحضروا تلك الطاولات وتلك الكرات الفولاذية إلى هنا.”
سأله هايتونا:
“كم نُحضر منها؟”
ابتسم زيد ابتسامة ماكرة خبيثة وأجاب:
“أربع طاولات، وكرات فولاذية بعدد ما تستطيعون حمله.”
بدأ الفتية الثلاثة في نقل الطاولات والكرات إلى وسط القاعة السرية.
كانت الكرات أثقل من وزن الإنسان العادي.
وفوق ذلك، حين كانوا يرفعونها، كانوا يشعرون بشيء كثيف يتحرك داخلها.
“ما هذه الأشياء؟”
وأثناء تحريك الكرات، راح جين ينقّب في ذاكرته، فتيقّن أنه لم يرَ مثل هذه الأجسام في حياته السابقة.
لكنه لم يُفاجأ كثيرًا بذلك؛ فمن استنتاجه، كانت هذه الكرات تُستخدم لتدريب نسل الرانكاندل المباشر على أسلوب السيف الخاص بالعشيرة.
غير أن جين في حياته الأولى لم يكن موهوبًا بما يكفي ليبلغ المستوى المتوسط ويتدرب مع عمه.
طخ، طخ.
في كل مرة يسقطون فيها كرة على الأرض، كانت تترك أثرًا غائرًا في الأرض الصلبة.
أمرهم زيد بالتوقف بعدما نقلوا نحو خمسين كرة.
ثم سألهم:
“أتدرون ما هذه الكرات؟”
وضع واحدة منها على طاولة حتى غدت بمستوى خصره تقريبًا.
“لا، سيدي.”
قال:
“هذه الكرات تُدعى الحجارة الصافية – Clear Stones، لأن صوتًا نقيًّا يتردد منها عند ضربها.”
أمال التوأمان رأسيهما بحيرة، ولم يفهما ما علاقة هذه الكرات بتدريب السيف.
أما جين، فلم يُظهر شيئًا على وجهه، لكنه كان فضوليًا جدًا لمعرفة طريقة استخدامها.
ببطء، استل زيد سيفه من غمده ووضعه على سطح الكرة.
قال:
“سأضرب هذه الكرة ثلاث مرات. حاولوا أن تلاحظوا الفارق في الأصوات الناتجة.”
الضربة الأولى.
أنزل زيد سيفه بخفة، دون أن يبذل قوة تُذكر.
ثوووومب…
صوت غليظ ومغث، كأنما يبث غثيانًا في الأذن ويثير القلق في الصدر.
قال زيد بابتسامة:
“ليس صوتًا لطيفًا، أليس كذلك؟”
ثم ضرب الكرة مرة أخرى، وهذه المرة كانت الضربة أسرع وأقوى.
كلاااانغ!
رنّ صوت صافٍ وأنيق في القاعة، صوتٌ يليق باسم “الحجر الصافي”.
كأن الصوت تسلّل إلى أعماقهم فهدّأ أجسادهم من الداخل.
“أوووه!”
هتف التوأمان بانبهار، واتسعت عينا جين وهو يحدق بالكرة.
قال زيد:
“حتى أنا استمتعت به. لم أسمعه منذ وقت طويل. كما رأيتم، حين تضربون الكرة بضربة ضعيفة، يُنتج صوتًا كريهًا، لكن إن استعملتم القوة المناسبة، يصدر صوتًا جميلاً.”
كان المبدأ بسيطًا.
لكن جين لاحظ أن زيد لم يخبرهم ما مقدار “القوة المثالية” بالضبط.
ومن هنا، فهم جين الهدف من هذا التمرين.
“الغاية من هذا التمرين أن نُصدر ذلك الصوت الجميل في كل ضربة نوجهها للحجر الصافي.”
قد يتمكن المرء من تحقيق الضربة المثالية مرة واحدة.
لكن تكرارها في كل مرة؟ أمرٌ في غاية الصعوبة.
وسرعان ما أدرك أن التمرين لا يقتصر على دقة الضربات، بل يدرّب على الإرادة والتركيز.
فالضربات السيئة ستنتج أصواتًا مزعجة قد تشتت الذهن، ومع ذلك، لا يمكنهم التوقف أو الاستسلام.
“لكن لماذا قال إنه سيضربها ثلاث مرات؟”
الضربتان الأولى والثانية كانتا لتوضيح أهمية التحكم في القوة.
أما الضربة الثالثة… فلا بد أن تكون هي الفخ.
“نتدرب على هذا التمرين لأنه يتناسب مع قدرات الرانكاندل الجسدية. عمي قال إن التمرين بسيط، لكنني أشعر بأن فيه خطورة مفقودة…”
أسلوب الرانكاندل في المبارزة يعتمد على السيطرة بالقوة الطاغية، وتقنياتهم قد تكون مؤذية حتى لهم.
فهل يُعقل أن تمرينًا خُصّ به نسلهم النقي يكون بهذا القدر من الأمان؟ مستحيل.
“كنت قد شعرت بشيء يهتز داخل الكرة عندما حملتها. صوت معدن… قطعة تتحرك…”
“آه!”
لمع الجواب في ذهن جين لحظة رفع زيد سيفه للمرة الثالثة.
وفي الحال، أمسك برقبة كل من التوأمين من جانبيه ودفعهما إلى الأمام وهو يصرخ:
“انبطحا!”
سقط التوأمان أرضًا مع أخيهما الأصغر، يحدّقون بذهول.
وفي لحظة، سمعوا دويًا هائلًا.
بوووووم!
انفجرت الكرة الصافية بقوة، وتناثرت منها عشرات الكريات المعدنية في كل الاتجاهات مثل السهام.
لو كان شخص عادي مكانهم، لمات في الحال.
“إه… ها؟”
“م-ماذا؟!”
حدّق التوأمان بما حولهما بدهشة، وقلوبهم تكاد تتوقف.
قال زيد وهو يبتسم برضا:
“أحسنتم. الصغير يتمتع بغريزة حادة. هذه الحجارة الصافية تنفجر إن تعرضت لضربة قوية أكثر من اللازم.”
نهض جين وهو ينفض الغبار عن نفسه.
لقد أدرك الآن أن عمه أيضًا ليس بعقله.
وضع أبناء أخيه في موقف مميت دون أن ينذرهم!
“هل يوجد شخص عاقل في هذه العشيرة؟”
لكنه فكّر مليًا:
“كل رانكاندل مرّ بهذا التدريب. أغلب إخوتي تعلموا على يد عمي زيد، ونجوا من هذا التمرين القاتل.”
في حالة جين، نجا بفضل حدسه السريع.
أما التوأمان، فنجوا بفضل أخيهما.
لكن ماذا عن الآخرين؟
قال زيد وهو يضحك:
“أنتم الثلاثة أول من يخرج من تدريب الحجر الصافي دون أن يُصاب منذ لونا. كل إخوتكم الآخرين أصيبوا بشدة من الشظايا. فكروا بالأمر كأنه طقس عبور.”
صُدم التوأمان من جديد، وأيقنوا أن المرحلة المتوسطة من التدريب لن تكون سوى سلسلة من الألم والمعاناة.
أما جين، فشعر بشيء من الفخر: لقد نجا كما ان من سبقته هي لونا فقط.
سأل:
“عمي، هل لي أن أعرف كيف نجت أختي الكبرى لونا من هذه الكرات؟”
ردّ زيد:
“همم، ستنزعج إن علمت. كل إخوتك انزعجوا حين عرفوا.”
“لا بأس علي.”
ضحك زيد وقال:
“من الناحية التقنية، لونا لم تتجنب الشظايا مثلك. في الحقيقة، لم يستطع أيٌّ من إخوتك تجنبها بالكامل. لكنها استقبلتها كلها مباشرة… ولم تُصب بأيّ خدش. كانت قوية لدرجة لا تُصدَّق…”
وكما حذّرهم، كانت القصة محبطة.
لكن جين شعر بالرضا.
لو أن أحد إخوته تفادى كل الكرات رغم جهله بالمخاطر، لكان ذلك يعني أنه أبرع منه بالفطرة
قال زيد بنبرة صارمة:
“على كل حال، أظن أنكم قد فهمتم مضمون هذا التمرين. ابتداءً من اليوم، ستقضون فترات بعد الظهر في تسديد الضربات إلى الحجارة الصافية كل يوم. ولا يُسمح لكم بالتوقف حتى تتمكنوا من تسديد ضرباتٍ تُصدر صوتًا جميلًا صافياً في أيّ ظرف كان.”
❃ ◈ ❃
[غرفة لونا]
كانت السيدة المقصودة تقضي وقتًا هادئًا ومريحًا داخل غرفتها، تحتسي الشاي برفقة مربيتها.
لقد حان الوقت ليبدأ الصغير بإظهار نتائج تدريبنا على “عين العقل”. نعم، قد يتأذى من شظايا الحجر الصافي، لكنني واثقة أنه سيتصرف حيال الأمر. من المبهج حقًا مشاهدته وهو يكبر ويزداد قوة.
رشفــــة.
قالت المربية:
“سيدتي لونا.”
“نعم، مربية؟”
“أظن أن آن وميـو تثيران الريبة. لا يمكننا تجاهل الحادثة التي حاولتا فيها إخضاع السيد جين عندما كان صغيرًا.”
كانتا تتحدثان عن المحاولات المحتملة لاغتيال جين حين كان لا يزال في عامه الأول.
[لقد تعرضت لمحاولة اغتيال. لم أخبر بها أحدًا قط، حتى جيلي. ومنذ تلك الحادثة، بدأتُ معركتي.]
منذ أن زارت لونا جين في قلعة العاصفة وسمعت كلماته تلك، وهي تسعى لمعرفة الفاعل حتى اليوم، ولم تتوقف رغم مرور خمس سنوات.
لم يكن دافعها الوحيد هو حبها لأخيها الأصغر، بل كان هناك ما هو أعمق من ذلك.
فمن المحرّمات الراسخة في عشيرة رانكاندل أن يسعى أحد أفراد الدم النقي من أبناء البيت الرئيسي لإزهاق روح أحد أفراد العائلة المقيمين في قلعة العاصفة.
ولو أبلغت لونا والدهم سايرون بما جرى، لعمّت الفوضى أرجاء العشيرة. لكنها رأت أن الأمر لن يعود بالنفع على جين، فاختارت السكوت.
وفوق ذلك، لم يكن لديهم أي دليل ملموس يمكن تقديمه لسايرون.
قالت لونا:
“صحيح أن الاثنتين متسلطتان وغالبًا ما تتجاوزان حدودَهما، لكن لا أظن أنهما بلغتا حدّ الجنون لمحاولة اغتيال أحد داخل قلعة العاصفة.”
في الحقيقة، لم تكن محاولة اغتيال مباشرة، بل كانت لعنة “الوهم المسلح”. لكن لونا لم تكن تعلم بالحقيقة بعد.
قالت المربية:
“بصراحة، أعتقد أن احتمال كذب السيد جين وارد. كان حينها في العاشرة فقط. أليس من الممكن أن يكون قد اختلق الأمر؟ لم نكتشف شيئًا طوال هذه السنوات.”
ردّت لونا بثقة:
“لا أظن أن جين كذب علي. كان متحفزًا تجاهي، ليس بسبب توتر اللقاء الأول، بل لأنه كان حذرًا… كانت نظرته نظرة من يعرف أنه مهدد بالموت.”
“هل نبدأ التحقيق في شأن ميو وآن إذًا؟”
“نعم، سأترك الأمر لكِ. ما يقلقني أكثر هو أننا لم نكتشف شيئًا حتى الآن. ثمة شيء غريب… لدي شعور مشؤوم.”
“وأنا كذلك. لكنني قلقة عليكِ أنتِ يا سيدتي لونا. أخشى أن يُكسر قلبك مرة أخرى من إخوتك.”
ضحكت لونا ضحكة مُرّة وأجابت:
“أنا في الثلاثين من عمري يا مربية.”
وخبّأت ابتسامتها الموجعة وراء فنجان الشاي.
❃ ◈ ❃
ومضى يومٌ آخر.
ولم يتمكن جين ولا التوأمان من إصدار الصوت الجميل المرجو بضرب الحجارة الصافية.
لكن لحسن الحظ، لم تنفجر أي كرة فولاذية بعد.
ثوووومب…!
طخخ…!
ظلت تلك الأصوات البغيضة تتردد في قاعة التدريب السرية لأربع ساعاتٍ متواصلة.
أجزم أن هذا التدريب هو الأشدّ إزعاجًا بين كل ما مررتُ به في حياتي.
كانت الأصوات المقيتة تشتت تركيزه. أما التوأمان، فقد تقيآ على الأرض أكثر من مرة، بينما كان جين يتصبب عرقًا، لكنه تمسك بسيفه دون أن يسقط.
في الصباح، خاض تدريب الصف المتوسط الجحيمي، وفي المساء كان عليه مواصلة ضرب الحجارة الصافية.
لقد شارف على الانهيار.
لا يمكنني التكيّف مع هذه الأصوات مهما حاولت.
قال زيد أخيرًا:
“استراحة خمس دقائق.”
وما إن نطق بها، حتى جلس الثلاثة القرفصاء أرضًا.
لكن وضعية جلوس التوأمين كانت رديئة بسبب الإرهاق العقلي والجسدي.
والحق أن “الاستراحة” لم تكن راحة فعلية.
فوفقًا لبرنامج زيد التدريبي، عليهم أن يجلسوا مستقيمين، ممسكين بالسيوف المغلفة بالهالة، ويحافظوا على تلك الوضعية طوال فترة الاستراحة – أي أنهم كانوا يتدربون على الهالة أيضًا.
كانت يد جين ترتجف وهو يقبض على مقبض السيف، أما التوأمان فلم يعودا قادرين حتى على حمله.
رغم أن هذا التدريب كان الأشد إزعاجًا لجين، إلا أنه لم يكن الأصعب.
في حياته السابقة، خضع لتدريبات تفوقها عشرات المرات من أجل بلوغ رتبة فارس بنجمة واحدة في سن الخامسة والعشرين.
وبالمقارنة، كان تمرين الحجارة الصافية محتملاً بعض الشيء.
الهدف من هذا التدريب هو تقوية قدرة الهالة على التدمير منذ البداية.
زيد حطّم الحجر الصافي من دون استخدام هالة، لأنه فارس من الرتبة الثامنة.
أما الفتية، فعليهم أولًا أن يصقلوا هالتهم حتى يتمكنوا من تسديد ضرباتٍ تولّد الصوت الصافي، ناهيك عن تفجير الكرة.
قال زيد بهدوء:
“دايتونا، هايتونا… اجلسا جيدًا. إن لم تتحمّلا هذا، فلن تتمكنا من النجاة داخل العشيرة.”
فصحّح التوأمان جلستيهما ودموعهما تترقرق.
كان الأمر مؤلمًا حتى البكاء، لكن جين كان يعلم – من خلال حياته السابقة – أنهما سيصبحان حاملَي راية مستقبلًا.
حتى إخوتي الأغبياء بلغوا مرتبة حامل راية… لا يعقل أن أعجز أنا.
ولذلك، لم يكن بحاجة إلى التسرّع.
أغمض عينيه وركّز على الهالة التي تغلف سيفه.
ثووومب… ثوووومب…
رغم بقاء أصداء الأصوات في أذنيه كأوهام سمعية، ظل جين مغمضًا يُركّز… كان بارعًا في تنحية المشتتات والتفرغ التام.
لاحظت هذا منذ أول يوم… ذلك الفتى… استثنائي حقًا. التوأمان ليسا سيئين، لكن هذا الصغير… قد يكسر رقم لونا القياسي.
أثنى زيد على جين في سرّه، لكنه لم يُفصح عنه بصوتٍ عالٍ.
فهو ينوي أن يمتدحه علنًا حين يكسر رقم لونا القياسي.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اترك تعليقاً لدعمي🔪
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.