الفصل 31: قاتِل، انتصِر، استمتِع (1)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“أغهه! آاااه!”
ساد الصمتُ الميدانَ التدريبي، فيما تعالت أنَّات المتدرّب الذي بُترت ذراعه. ووقف الحاضرون واجمين مذهولين، غير مصدّقين ما رأته أعينهم وسمعته آذانهم.
“آاااااه!”
“م-ما الذي فعلتَه؟!”
“كفّوا عن التحديق! أسرعوا، استدعوا الفريق الطبي!”
صرخ التوأمان تونا، لكن بعد فوات الأوان. كان جين لا يزال واقفًا بهدوءٍ أمامهم، وعيناه خاليتان من أي تعبير.
“جين! أيها اللعين…! هل فقدتَ صوابك؟!”
“لماذا ضربتَ بسيفك من دون سابق إنذار؟!”
ورغم احتجاج التوأم على فعلته، إلا أن عيونهما كانت ترتجف من القلق والخوف.
“هل علم بأننا استعَرْنا أتباع شقيقتنا الكبرى؟
لكن… كيف استطاع تمييزهم بهذه الدقة وقطع ذراع أحدهم؟!”
في تلك اللحظة، لم يكن يشغل بالهم سوى محاولة احتواء الموقف مهما كلّفهم الأمر.
فإن تقاعسوا عن التصرف، نزلت بهم مصيبتان:
أولاهما، أنهم تسبّبوا في إصابة أحد أتباع شقيقتهم الكبرى منذ اليوم الأول… الأمر الذي سيجلب عليهم غضبها الصاعق.
وثانيتهما، أن تقاعسهم عن الردّ سيؤدي إلى انهيار هيبتهم تمامًا.
إذ إن خبر إذلالهم على يد شقيقهم الأصغر أمام أعين جميع المتدرّبين من الفئة المتوسطة، سينتشر انتشار النار في الهشيم. وقد بدأت القشعريرة تزحف إلى ظهورهم، فيما كانوا ينظرون إلى جين الذي وقف واثقًا شامخًا كجبل لا تهزّه العواصف.
كيف سيُبرّرون ما حدث لشقيقاتهم؟
“نعتذر… لقد أرهبنا شقيقنا الأصغر، رغم أننا كنا برفقة أتباعكن.”
… مستحيل، لا يمكنهم قول ذلك.
الشرف!
وأخيرًا، أشهر التوأمان سيفيهما في الوقت نفسه.
“سأقتلك!”
“لقد تماديت كثيرًا! كفّ عن التسلّق على أكتافنا!”
“أنتَ…”
تجاهل جين التوأم كأنهم سراب، ثم التفت إلى المتدرّب الذي كان يحتضن ذراعه المبتورة، وقد غمره الألم.
“ما اسمك؟”
“… كاجين روميلّو.”
“هل تعلم لِمَ قطعتُ ذراعك؟”
“آه… لا… لا أعلم. لماذا فعلتَ ذلك؟”
“أيها الوغد، جين! هل تتجاهلنا؟! أشهر سيفك ثانيةً! آن الأوان لإنهاء هذا الجنون—”
“أيها الأخوان الكريمان.”
مال جين برأسه قليلًا، ونظر إليهما بهدوء بارد.
“أنا أتحدث مع كاجين الآن.”
“م-ما هذا؟!”
“رجاءً، التزما الصمت. وإن أردتما القتال، فسأتفرّغ لكما لاحقًا.”
“كيف تجرؤ! بعد أن هاجمت تابعنا—!”
“تابعكما؟”
أغلق هايتونا فمه من دون وعي، كمن أدرك فجأة فداحة انكشافه.
“هل كان هذا الفتى أحد أفراد مجموعتكما؟ لقد قطعتُ ذراعه لأنه وجّه إليّ نية قاتلة لا غير.”
ساد الصمتُ مجددًا في الميدان، والتوأمان يحدّقان في جين بذهول، وقد فُغرت أفواههما واتسعت أعينهما.
كانا يأملان أن يسيطرا على الموقف، لكن جين هو من فرض إيقاعه وكلمته.
وبهذا التصريح العلني، تم الاعتراف أن كاجين روميلّو تابع لفصيل التوأمين.
بمعنى آخر، لم يكن ما فعله جين مجرد طيشٍ أو تمرد أحمق، بل كان تطبيقًا حرفيًا لعرفٍ متجذر في صميم عشيرة رانكاندل…
إنه جزء من “معركة الهيمنة.”
تلك الصراعات بين أفراد العشيرة طالما ألهمت الرحّالة والمنشدين، وكانت زادًا خصبًا لأحاديث السكارى في الحانات.
فلا شيء يضاهي متعة الاستماع إلى قصة إخوةٍ يخوضون قتالًا دمويًّا ليركّع بعضهم بعضًا تحت الأقدام.
“الفريق الطبي وصل!”
صاح أحد المتدرّبين، فانشقت الصفوف لتُفسح الطريق. دخل الفريق الطبي بخبرة ورويّة، وكأنهم معتادون على رؤية الدماء والجراح في هذا المكان.
وبينما أدّوا عملهم بانسيابية، اضطرّ التوأمان إلى التنحي جانبًا. فرغم نقاء دمهم كأبناء عشيرة رانكاندل، لم يكن لأحد أن يعرقل معالجة طارئة.
“أصغِ جيدًا، يا كاجين… بل أنتم جميعًا، أيها المتدرّبون!”
رفع جين رأسه فجأة وصرخ بصوتٍ جهوري:
“أنا جين رانكاندل. من الآن فصاعدًا، لا مانع لديّ أن يفعل أيٌّ منكم بي كما فعلتُ أنا بـكاجين. باغتوني بهجوم، أو اضربوني من الخلف حين أغفل عنكم.”
توسعت عيون الحاضرين، وفغرت أفواههم في ذهولٍ مطبق.
“لكن تذكّروا هذا: إن أحسستُ بأدنى نية قتل، فلن أتردّد لحظة في قطع صاحبها، كما فعلتُ للتو.”
ثم عاد إلى مكانه دون اكتراث، فيما ابتلع الجميع ريقهم بتوترٍ ظاهر.
لقد أشعل كل هذا الاضطراب… بينما زيد رانكاندل يراقبه من على المنصة، وعيناه المتسعتان تتابعان المشهد.
لكن جين لم يُظهر أيّ ندم أو اعتذار، فهو يعرف عمّه جيدًا…
“زيد يحب صراعات العائلة وأصحاب الجرأة أكثر من أيّ أحد… حتى أكثر من أبي.”
غادر الفريق الطبي الميدان حاملًا كاجين على نقالة، وارتفعت أنظار الحاضرين إلى زيد، تترقّب ما سيفعله. الجميع توقّع عقابًا صارمًا.
أما التوأمان، فقد تمنّيا من أعماقهما أن يُوبَّخ شقيقهما بشدّة.
“جين رانكاندل، الابن الثالث عشر لسيد العشيرة.”
“نعم، أيها الشيخ المبجّل.”
تعمّد جين عدم مناداته بـ”عمي”، فوالده وعمّه كلاهما يُفضّلان الاحترام حسب الرتبة.
“لقد ارتكبتَ فعلةً شنيعة… أتتصرّف بهذه الوقاحة تحت ناظري؟”
عاد اللون إلى وجهي التوأمين؛ فهذا هو “زيد رانكاندل” الرهيب يتدخّل! وصوته وحده يكفي لإرهاب أعتى الفرسان، فكيف بشقيقهم العنيد؟
“هذا صحيح.”
“يا لك من متعجرف… ما الذي دفعك لفعل ذلك؟”
“لم أكن أتحدّى إخوتي فحسب، بل كنت أتحدّاك أنتَ أيضًا، أيها الشيخ.”
لم يكتفِ بقطع ذراع كاجين، بل أطلق أيضًا تصريحًا ينطوي على إهانة مباشرة.
حتى التوأمان، اللذان كانا يتمنّيان أن يُسحق، حبسا أنفاسهما من هول المفاجأة.
“هل جُنّ فعلًا؟! يا إلهي، ما الذي يدفعه للتصرّف بهذا الشكل؟”
“أنا؟ تتحدّاني أنا؟ هه، يا لها من قصة مشوّقة. ما الذي أوحى إليك بهذا الجنون؟”
سسسسشششت…!
تكوّن في يد زيد سيف أبيض نقي من الهالة. وصنع سيف من الهالة النقية مهارة لا يُتقنها إلا من بلغ مرتبة الفارس ذي النجوم الثمانية.
“تكلّم. فإن لم يُرضِني جوابك، قطعتُ رأسك في الحال.”
“رغم كوني من المتدرّبين الجدد، نظّمتَ لي حفل ترحيب خاص بالفئة المتوسطة. رأيتُ في ذلك تحدّيًا مباشرًا وهجومًا مبطّنًا، أيها الشيخ.”
شوووه! قطرة دمٍ انسلت على وجنة جين.
لوّح زيد بسيفه بخفة، فقطع خد جين الأيسر. لكن الغلام لم يتحرّك، بل ظلّ ثابتًا في مكانه، ينتظر ردّ عمّه.
“إذًا، كل هذا الاضطراب سببه أنك رأيت في فعلي تهديدًا؟”
“لم أشعر بالإهانة… لكن نعم، هذا ما كان.”
“وفي تلك الحال، لماذا لم توجه ضربتك إليّ بدلًا من مهاجمة المتدرّب؟”
“لأنني لا أملك فرصة للفوز عليك بعد، أيها الشيخ. ولو كنتُ أملكها، لضربتك أنت، لا كاجين، ولا إخوتي.”
“يبدو أنك لا تُبالي بحياتك… أو أنك واثقٌ من مكانتك كابنٍ للبطريرك.”
قال جين بثبات:
“كون خصمي أقوى مني لا يعني أن أستلقي وأدع نفسي أُهان.
فمثل هذا التفكير لا أراه من شيم آل رانكاندل، ولا يليق بمعاييرهم.”
كادت أرجل المتدرّبين القريبين أن تخونهم من الخوف. لم يفهم أحد على أيّ أساس يقف هذا الغلام، ذو الخمسة عشر ربيعًا، ويُلقي بكلماته تلك بثقة من لا يعرف الخوف.
ظلّ زيد صامتًا يتأمّله بعمق لبرهة، ثم قال أخيرًا:
“فهمتُ… حياتك قد تزول، لكن شرفك باقٍ؟ يا لك من أحمق!”
تلاشت الهالة البيضاء التي اتّخذت هيئة سيف في يده، واختفت بهدوء.
“لكنّ هذا العمّ يُعجبه غباؤك الجريء. حسنًا… سأعترف بذلك.
أنت أهلٌ للبقاء بين آل رانكاندل.”
قهههاهاهاه!
انفجر زيد ضاحكًا بصوتٍ جهوري.
“تذكّروا هذا اليوم، أيها المتدرّبون.
فقد شهدتم جوهر رانكاندل بأمّ أعينكم.
هذه الجرأة التي أظهرها هذا المبتدئ… هي صميم هويتنا نحن سادة السيف.”
“أجل!”
“كلّ يومٍ هو معركة. انتهى الأمر!
دايتونا وهايتونا سيبقيان. أما الآخرون، فعودوا إلى مساكنكم. التدريب يبدأ صباح الغد.”
بدأ المتدرّبون يغادرون ساحة التدريب بنظام، فيما كان التوأمان يشعران وكأن الدم قد سُحب من عروقهما.
وحين مرّ جين بجانبهما، همس لهما قائلًا:
“بصفتي شقيقكما الأصغر، اسمحا لي أن أُسدي إليكما نصيحة.”
التفت التوأمان إليه بوجهين جامدين خاليين من التعبير.
“فكّرا دائمًا في المستقبل.
ربما تهابان إخوتنا الكبار أكثر مني الآن…
لكن، من يدري؟
لعلّ الحال يتبدّل لاحقًا. أليس كذلك؟”
لم يستطع التوأمان حتى الردّ على ابتسامته الهادئة الواثقة.
“يا رجل، لا بد أن أعترف… عزيمته كانت مذهلة.
هل كنّا نحلم؟ لا أزال غير مصدّق لما رأيناه.”
“أتظنّ أن الشائعات عن قتله لمحارب الذئب الأبيض صحيحة؟
بعيدًا عن مسألة الانضمام لفصيله… لا ينبغي أن نجعله خصمًا لنا.”
“لكنه لا يزال الابن الثالث عشر في عائلة رانكاندل.
لا نريد أن ندمّر حياتنا بالانضمام إلى الفصيل الخاطئ.
فبقية الإخوة قد رسّخوا مكانتهم بالفعل…”
“كلامك منطقي، لكن ما فعله اليوم لا يُصدّق.
من ذا الذي يجرؤ على تحدّي الشيخ زيد علنًا؟”
“أوه، وهل سمعت؟ يُقال إن السيّد جين قد يكون وريث العشيرة يومًا ما.
فالكل يعلم أن البطريرك غير راضٍ عن اللورد جوشوا…”
“اصمت! ماذا لو سمعنا أحدهم؟ ستورّطنا جميعًا!”
انتشر خبر الحادثة الأخيرة في صف الفئة المتوسطة كالنار في الهشيم.
وصار كل متدرّب في السكن يتحدث عن تصرّف جين الجريء في ذلك اليوم.
وفي الأثناء، بدأت تُطلق على سكوت وميسا وبيلوب وبقيّة المتدرّبين الذين ارتقوا مع جين هذا العام تسمية “فرقة الأصغر”.
وبعبارة أخرى، باتوا محطّ أنظار الحقد والترصّد من قِبل زملائهم الأكبر.
كان المتدرّبون الجدد يسيرون دائمًا في جماعات كما أمرهم جين.
“بما أنّ السيّد جين قطع ذراع كاجين، فقد يُفكّر البعض في الردّ خلال اليوم.
ابقوا يقظين دومًا، لا تغفلوا عن محيطكم!”
أصدرت ميسا—القائدة غير الرسمية للفريق—أوامرها بحذرٍ وجديّة.
وبعد مضيّ ساعة، وصل عددٌ من متدرّبي صف الفئة المتوسطة إلى الغرفة التي اجتمعت فيها فرقة الأصغر.
تبادل الأعضاء النظرات القلقة، واتّخذوا وضعيات التأهّب، فيما فتح أحدهم الباب بحذرٍ شديد.
وكما فعل جين في وقت سابق، كانوا مستعدّين لضرب أيّ من يُبدي نية قتل.
لكنّ ما رأوه أذهلهم…
كان القادمون يحملون سجائر، وكحولًا، وأطعمة خفيفة متنوّعة!
وكأنهم وفد من دولةٍ معادية، جاء حاملاً هدية صلحٍ لبناء جسور الودّ مع الطرف الآخر.
صُدم أفراد “فرقة الأصغر”، وأخذوا السلال دون أن يفهموا ما يجري.
في الحقيقة، بعد التجربة الدموية التي عاشوها خلال “حفل الترحيب” صباحًا، كانوا يتوقعون تصعيدًا عنيفًا مساءً في المهجع.
لم يكونوا يخشون على أنفسهم… بل على سمعة السيّد جين.
“لم نكن نعلم ما تحبّونه، لذا أحضرنا أصنافًا متنوعة.
السجائر من ميلا، والكحول من ماركةٍ شهيرة في دوقية كورانو.
كلفتنا كثيرًا. لم نسمّمها أو نعبث بها، نرجو أن تتقبّلوها.”
“لكن… لماذا تقدّمون لنا هذه الأشياء فجأة؟”
“تسأل لماذا؟ لأننا نرغب بالتقرّب منكم.
لسنا تابعين لأي فصيل، ولا نشارك في النزاعات العائلية،
لكننا نرغب في دعم السيّد جين.”
في عشيرة رانكاندل، كان عدم الانتماء لأي فصيل دليلًا على ضعف المكانة.
ومع ذلك، فقد قصد هؤلاء “فرقة الأصغر” بسبب التوأمين تونا.
فمنذ ارتقاء التوأمين إلى الصف المتوسط قبل عام، ذاق هؤلاء صنوفًا لا تُحصى من التنمّر والمهانة.
ولهذا السبب، أرادوا التعبير عن امتنانهم لـجين.
فالتوأمان لا يُظهران اللطف إلا أمام جين أو أفراد العائلة الآخرين.
أما في سائر الأوقات، فقد كانا وحشين لا يعرفان الرحمة.
وقد أُطلق عليهما في حياة جين السابقة لقب:
“القاتلان المختلّان المنحرفان”— ولم يكن ذلك من فراغ.
“حسنًا، سنغادر الآن.
نرجو أن يكون مستقبلكم أكثر إشراقًا من مستقبلنا.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اترك تعليقاً لدعمي🔪
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.