الفصل 3224: الرعد الأول
الفصل 3224: الرعد الأول
مرّ الوقت.
مرّ الوقت بينما كان العالم يسير على مسار متوقع.
كانت السامين بعيدة؛ وكان الناس فانين.
استمرت إمبراطورية الحرب في التوسع، مستعدة لابتلاع جميع العوالم الفانية يوماً ما. وماذا سيحدث بعد ذلك؟
لم يكن أحد يعلم.
اعتقد البعض أن الغزو الذي لا نهاية له سينتهي، مما سيؤدي إلى عصر من الوئام والسلام – في ذلك اليوم، ستصبح إمبراطورية الحرب إمبراطورية الحياة.
لكن معظمهم كان لديهم اعتقاد مختلف.
كانوا يعتقدون أنه بمجرد غزو جميع العوالم الفانية، سيقود التنين محاربيه المنتصرين وهم يصعدون إلى السماوات لشن حرب غزو مجيدة ضد العوالم السامية أيضًا.
لكن لم يكن أحد يعلم حقاً، لأنه لا أحد يستطيع معرفة المستقبل.
باستثناء أولئك الذين يستطيعون ذلك.
كان هناك أنبياء بين البشر. بعضهم، مثل العرافات، سمعوا أصوات السامين. بعضهم كان حساساً لتقلبات القدر. بعضهم استقى أسرار العالم، وبالتالي استطاع التنبؤ بحركات أجزائه.
كانت أشهر العرافات، كما يُشاع، هي عرافة ثيتا، التي حكمت مملكة بعيدة. لم يكن سكان تلك المملكة المسالمة يسجدون للسامين، بل كانوا يعبدون القدر نفسه. كانت العرافة محاطة بالغموض، إذ لم تتحدث إلى المتضرعين إلا عبر تلميذاتها الثلاث، كاهنات القدر.
لذلك، اعتقد الكثيرون أن العرافة لم تكن موجودة وأنها مجرد أسطورة.
لكن لو كانت العرافة موجودة بالفعل…
كانوا سيدركون أنه حتى لو لم يدرك أحد ذلك بعد، فإن رياح التغيير كانت تهب بالفعل على عوالم البشر، وأن عاصفة هوجاء كانت تلوح في الأفق. كانت أولى دويّات هذه العاصفة الكارثية على وشك أن تهز العالم.
في يوم كأي يوم آخر، وصل رسولان تحت عرشين.
عبر أحدهم الجسر الكبير وركع أمام البوابات البيضاء الناصعة لقصر اليشم، متحملاً البرد القارس في صمت. وسرعان ما فُتحت البوابات، ودُعي إلى أعماق بلاط الملكة البديع.
بعد أن حظي بكرم ضيافة البلاط اليشمي، واغتسل في بركة كريستالية، وتناول وجبة فاخرة، اقتيد إلى قاعة عظيمة. هناك، كان عرش أبيض يعلو الأرض، مضاءً بفيض من الضوء يتدفق عبر الجدران الشفافة.
جلست شابة على العرش، ملامحها الساحرة عالقة بين المراهقة والنضج. كانت ترتدي رداءً بسيطًا من الحرير الأبيض، وعيناها كبركتين متوهجتين من الذهب المصهور، تتلألأ بشراراتٍ مشاكسة. على الرغم من جمالها الأخاذ وصغر سنها، كان هناك شيءٌ ما فيها غريبٌ وغير إنساني، شريرٌ للغاية، مما جعل الرجل يرتجف ويخفض نظره.
عندما لاحظت تردده، ابتسمت. كان التواء شفتيها القرمزيتين جذاباً بشكل لا يوصف، وكانت عيناها الذهبيتان تفيضان بالمرح.
نهضت المرأة من على العرش، ونزلت الدرجات حافية القدمين، وتوقفت أمام الرجل. لم يجرؤ على النظر إليها، بل أغمض عينيه بشدة، خائفاً من أن يلمح طرف ثوبها.
"حسنًا؟ قيل لي إن لديك رسالة لي."
كان صوتها ساحراً. أخذ الرجل نفساً عميقاً، ثم أومأ برأسه بحذر.
"نعم، يا صاحبة الجلالة."
يبدو أن الشابة – الوحش الرائع، ملكة اليشم – قد نفد صبرها.
"فلنسمعها إذن!"
خفض الرجل رأسه وأطلق زفيراً بطيئاً.
"الرسالة هي هذه يا سيدتي…"
صمتَ، وكأنه يستجمع شجاعته. وفي النهاية، عضّ على شفتيه وصاح:
"حان الوقت! ادفعوا."
بعد ذلك، سُمعت بعض الشهقات، ثم ساد صمت طويل.
تجمدت الخادمات وحاشية قصر اليشم في أماكنهم، مصدومين من هذا التدنيس. شحبت وجوههم، وألقوا نظرات خائفة على ملكتهم.
لم يرَ الرجل ردود أفعالهم، لأنه كان لا يزال مغمض العينين. توتر، وشعر بالعرق البارد يتساقط على وجهه.
لم تقل ملكة اليشم أي شيء أيضاً.
لكن بعد بضع ثوانٍ، انفجرت فجأة في الضحك.
كان ضحكها نقياً وعذباً كأحلى الأغاني.
وفي النهاية، تمكنت من نطق بضع كلمات وسط ضحكها:
"آه، تلك المرأة عديمة الرحمة… هل تذكرت أخيرًا أنني موجودة؟ بعد أن تجاهلتني لقرون. لقد استغرق الأمر منها وقتًا طويلاً!"
ثم استدارت وصعدت الدرجات وجلست على عرشها.
نظرت إلى الرجل المرتجف بابتسامة حنونة، وترددت قليلاً، ثم قالت بسخاء:
"لقد قررت ألا آكلك."
ثم انحنت إلى الأمام قليلاً.
"ماذا قالت أيضاً؟"
في اليوم نفسه، اهتزت عاصمة إمبراطورية الحرب بهزة أرضية. كانت مدينة مترامية الأطراف تحت سماء زرقاء صافية، تتسلق سفوح سبعة تلال شاهقة. وفي قلبها، كان برج مهيب يرتفع شامخًا في السماء، تكاد قمته تلامس السحاب. ويُقال إن التنين كان يستريح على قمة البرج، يراقب إمبراطوريته من علوه الشاهق.
كان البرج نفسه معبد الحرب، وأمام عرشه الخالي، كان شاب يجلس على درجاته الحجرية، ينظر إلى قاعة الصلاة بنظرة ثقيلة. كان الشاب وسيماً عريض المنكبين، ووجهه كأنه منحوت من أجود أنواع الرخام. لو أراد أحد أن ينحت مثالاً للجمال الرجولي، لما استطاع أن يصنع تمثالاً أكثر روعة من هذا الرجل – فملامحه نقية وقاسية، وعيناه القرمزيتان تفيضان بإرادة باردة.
كان يتمتع، قبل كل شيء، بهيبةٍ مرعبة. هيبةٌ ضاريةٌ كالوحش، باردةٌ كالفولاذ المطروق، تجمع بين النصر والمرارة، حتميةٌ لا تُقهر، مستحيلةُ التغلب عليها. لولا كبحه لهذه الهيبة، لكان كل من واجهه قد سُحق أو أُجبر على الركوع.
كان الأمر كما لو كان محاطًا بأغنية شبحية لأبواق الحرب وصخب السيوف التي لا تعد ولا تحصى، وبرائحة الدم التي لا مفر منها وأنين الحزن الصاخب… ولكن أيضًا بجوهر الكبرياء والشجاعة وقوة الإرادة التي لا تقهر.
كان ابن التنين، ابن الحرب، المحارب الأكثر بطولة في الإمبراطورية وقائد جحافلها التي لا تنتهي.
كان روح النصر.
قبل لحظات، شاهد روح النصر أبواب المعبد وهي تُفتح على مصراعيها، ودخل ضيف غير مدعو إلى قاعة الصلاة.
كان الضيف فارسًا متعاليًا يرتدي درعًا لامعًا، وكانت نظراته صافية وثابتة، خالية تمامًا من الخوف أو التبجيل.
وكأنه لم يكن منزعجاً من حقيقة أنه كان يقف أمام سامي.
نظر الكهنة في القاعة -وهم جميعًا محاربون مخضرمون وخاضوا معارك لا تُحصى- إلى الدخيل بنظرات عدائية شديدة. ولولا طفل الحرب، الذي أمرهم بصمت بالتراجع، لكانوا قد مزقوا الدخيل إربًا إربًا.
ففي النهاية، لم يجرؤ أحد على التصرف بهذه الجرأة في المعبد.
لكن روح النصر أراد أن يسمع ما سيقوله الرجل.
بل وأكثر من ذلك، فقد شعر بشيء غريب خفيّ تجاه هذا الزائر غير المتوقع. كان يعلم أن الفارس لم يكن كما يبدو.
توقف الفارس تحت العرش وانحنى قليلاً.
"أنا جلعاد، فارس الصيف. أحمل رسالة إلى حكام الإمبراطورية."
تأمله روح النصر بصمت. شعر بتاريخ عريق محفور في روح هذا الفارس. معارك لا تُحصى، وانتصارات لا تُعد – أكثر بكثير مما يمكن لأي من أبطال الإمبراطورية المتسامين أن يتباهى به… وهزائم قليلة جدًا. وهو أمر كان من المفترض أن يكون مستحيلاً.
لم تكن هناك ببساطة معارك كافية في العالم لم تشارك فيها الإمبراطورية، ولم يكن ليظل محارب يتمتع بمثل هذه البراعة التاريخية مجهولاً.
شعر روح النصر بعاطفة كان قد نسيها منذ زمن طويل.
هل كان ذلك ارتباكاً؟ أم كان حماساً؟
لم يكن متأكداً، لكنه أراد أن يعرف.
"من أرسل الرسالة؟"
تردد صوته في قاعة الصلاة كصوت نداء المعركة.
تردد الفارس الذي أطلق على نفسه اسم جلعاد للحظة، ثم أجاب بهدوء:
"لقد أُرسلت من قبل عرافة ثيتا."
ثيتا…
كان روح النصر على دراية بتلك المملكة، كما كان على دراية بجميع الممالك الأخرى. كانت أرضًا بعيدة، أرضًا مسالمة… وأرضًا غير ذات شأن. أرض تفتقر إلى المحاربين الأقوياء، لكنها اشتهرت بفنونها وثقافتها وفلسفتها وشعبها المتعلم.
على الرغم من بُعدها وضعفها، كانت البضائع القادمة من ثيتا تحظى بشعبية في الإمبراطورية، وكذلك كان شعبها – تنافس النبلاء على من يستطيع استئجار مدرس ثيتي لأطفالهم، بينما اشتهرت عاهرات ثيتا، على الرغم من قلة عددهن، بجمالهن ومهارتهن الفنية.
لم تُغزَ تلك المملكة الضعيفة بعد، لكن سقوطها في أيدي الإمبراطورية كان مسألة وقت لا أكثر. ولن تكون الحملة طويلة أو شاقة، فبينما قد تُغدق على محاربي الإمبراطورية بالثروات، إلا أنها لن تُحقق لهم المجد. وظلت ثيتا مستقلة، في الوقت الراهن، فقط لبُعدها الشاسع.
حسناً، وبالطبع… كانت هناك العرافة. لم يبقَ في العالم سوى عدد قليل جداً من السياديين الذين لم يخضعوا للإمبراطورية، وكانت العرافة واحدة من هؤلاء القلائل.
حتى لو كانت مملكتها ضعيفة وهزيلة، فإنها لا تزال تستحق بعض الاحترام.
أومأ روح النصر برأسه.
"سأتلقى الرسالة."
انحنى الرجل الذي كان يُدعى جلعاد مرة أخرى، ثم أخرج لفافة مختومة من درعه. أخذ أحد المرافقين اللفافة وصعد درجات المذبح، وقدمها باحترام لساميه.
كسر روح النصر الختم وفتح اللفافة، وقرأ محتوياتها بهدوء.
ثم فجأةً، انفرج وجهه عن ابتسامة. وأرجع رأسه إلى الوراء، وضحك.
فزع الكهنة من الصوت، إذ لم يسمعوا ضحكته من قبل قط، رغم أن بعضهم خدموا ابن الحرب لقرون. لم يكن على اللفافة سوى جملة واحدة مكتوبة بأحرف لغة قديمة.
نصّت الأحرف:
"مملكة ثيتا تعلن الحرب على الإمبراطورية."
الترجمة: كوكبة
——
كاسي قررت تعلن الحرب على إمبراطورية يقودها سامي لعين حرفيا.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.