مساحة للحكاية، ووقت لك← نصل البرية المشع
الفصل 1: الاستيقاظ من حلمنحو 9 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 1: الاستيقاظ من حلم

ترجمة

اقتباس افتتاحي: ليت الحياة تبقى دائماً كما كانت عند النظرة الأولى.

شاسعٌ ومجوف، أطبق الظلام من كل جانب. ريحٌ باردة تقطع حتى النخاع. ظلالٌ متغيرة، تنجرف، وتدور. برقٌ صامت نَثَرَ وهجاً أخضر شاحباً شبحياً — أضاء العالم للحظة عابرة، ثم تلاشى دون أثر.

سكرااا ‘صراخ طائر’!

صيحة طائر حادة اخترقت أذني “دينغ سونغيان”، لتوقظه بفزع. شراراتٌ من الإدراك اشتعلت وسط ضباب ذهوله.

أين…أين أنا…

هل هذا حلم؟داهمه الإدراك فجأة، ومعه تدافعت الذكريات العائدة.

“سحقاً!” شتم في قرارة نفسه، بمرارة وغضب، وبدأ يجمّع أجزاء ما حدث.

كيف انتهى بي الأمر إلى الاصطدام بمجموعة من المعتوهين هكذا؟في شبابه، كان حاد الذكاء، ناضجاً قبل الأوان، متفوقاً في دراسته، وجيداً في الرياضة. لطالما إعتز بنفسه كثيراً، ينظر إلى هذا بازدراء ويحتقر ذاك، إنها غطرسة شخص لم تُكسر شوكته بعد. ثم تخرج من المدرسة، ولم يستغرق العالم الحقيقي وقتاً طويلاً ليطحنه. تحطمت ثقته وكبرياؤه إلى أشلاء. لم يكن ليعترف بذلك بصوت عالٍ أبداً، لكنه كان يعلم: لقد أصبح غير واثق ومفرط الحساسية خلال تلك الفترة من حياته.

وتوالت المصائب. وقعت عائلته في مشاكل. لربما كان ليغرق في كل ذلك — الأنماط غير الصحية، نوبات الغضب، الجراح التي ألحقها بأقرب الناس إليه — لولا أن أحدهم بقي بجانبه طوال تلك المحنة، يشجعه ويقوي عزيمته. شيئاً فشيئاً، استعاد ثقته. وفي النهاية، نجح — ازدهر عمله، وأصبح رجلاً ذا ثروة لا بأس بها.

ظن أن كل شيء سيتحسن من تلك النقطة فصاعداً. بعد مأدبة عشاء، اختار مواصلة السهرة في مطعم في الهواء الطلق مع عدد قليل من المستثمرين والشركاء الرئيسيين — يستعيدون الذكريات، ويشربون نخب المستقبل. في مرحلة ما، دخل أحد المستثمرين في شجار مع مجموعة من الشبان على الطاولة المجاورة، وبدأ التدافع. تدخّل هو على الفور لتهدئة الوضع، محاولاً نزع فتيل النزاع. ولأنه أدرك أن لديه ما يخسره أكثر منهم، فقد هيأ نفسه للانحناء والاعتذار على الفور. من كان ليعلم…

مهلاً، ما خطبكم؟

أستسحبون سكيناً بسبب شيء تافه كهذا؟

لو أخبرتموني فقط أنكم مختلون، لبقيت بعيداً كل البعد. مستثمر ميت أفضل من أن أكون أنا الميت!

أي نوع من المعتوهين يفعل هذا؟

“جيد. يبدو أنني لست ميتاً بعد… إيه، وربما لست مستيقظاً بَعدُ أيضاً…” كانت أفكار “دينغ سونغيان” لا تزال مشوشة، ثقيلة بنفس الذهول.

حاول إجبار نفسه على الخروج من الحلم. شعر بجسده مثبتاً تحت شيء غير مرئي، وكل حركة تتطلب جهداً. كانت عيناه محاصرتين في الظلام كما لو كانتا متشابكتين في ستائر. عندما يفتحهما، لا يرى بوضوح؛ وعندما يغلقهما، تأبيان الانغلاق.

سكرااا!

صيحة الطائر مرة أخرى، تنجرف من مكان بعيد، كما لو كانت من عالم آخر تماماً، غير واضحة وضبابية.

تحرك “دينغ سونغيان” نحو الصوت بالغريزة، متعثراً، يترنح إلى الأمام.

مع كل خطوة كان يزداد يقظة. كل خطوة تصبح أسهل.

ترقق الظلام حوله مثل الدخان. وتلاشت الظلال مثل شخصيات في حلم. بدا غناء الطيور المتواصل الشيء الحقيقي الوحيد في هذا العالم.

ثم، فجأة، اخترق شعاع من النور الظلام. ثم آخر. وآخر.

انفتحت عينا “دينغ سونغ يان” على مصراعيهما، ثم أُغلقتا مرة أخرى من شدة اللسع الذي سببه السطوع. امتلأت عيناه بالدموع.

سكرااا،سكرااا،سكرااا،سكرااا، سكرااا …

انساب الغناء الصافي المشرق للطائر عبر أذنيه من مكان قريب، كما لو كان يفصل بينهما جدار فقط.

“هل استيقظت؟” تبع ذلك صوت، مشرق بالارتياح، أجمل من أي غناء طائر.

انتظر “دينغ سونغيان” حتى تتأقلم عيناه، ثم فتحهما مرة أخرى.

تفقّد جسده، باحثاً عن الألم الذي ينبغي أن يكون موجوداً، ونظر إلى الشخص أمامه.

كانت فتاة تبلغ من العمر أربعة عشر أو خمسة عشر عاماً، شعرها معقود في كعكتين حلزونيتين توأمين. ترتدي سترة شاحبة الحواف باللون الفضي فوق تنورة صفراء فاقعة شفافة. كانت ملامحها خلابة — نظيفة وحيوية، مشرقة بالحياة.

كانت جاثية أمامه، تراقبه بقلق صريح.

حضر “دينغ سونغيان” الكثير من المآدب — أكل، وشرب، ورأى نصيبه من العالم. ورغم ذلك، أبهره جمال الفتاة للحظة.

لكن أشياء أخرى شغلت عقله بشكل أكثر إلحاحاً:

أي مستشفى هذا؟

من المؤكد أن ارتداء أزياء الـ “هانفو” أثناء المناوبة غير احترافي بعض الشيء؟ لا يوحي بالثقة لنا نحن المرضى!

“أنا— ما هي حالتي؟” خرجت الكلمات منه بصعوبة، وسمع مدى جفاف حلقه، كما لو كان صوته يخص شخصاً آخر.

في الوقت نفسه، بدأ يراقب محيطه كعادته.

نظرة واحدة، وتجمّد مرة أخرى.

لم يكن هذا مستشفى. كان معبداً مهدماً، صنمه الحجري متكسر ومحطم، وتنمو الأعشاب الضارة من خلال الشقوق بين حجارة الأرضية. تسلل ضوء الشمس عبر الفجوات في الجدران وإطارات النوافذ الفارغة، حاملاً معه آخر أصوات الطيور المنسحبة. كان جالساً على الأرض، متكئاً على عمود خشبي.

هل اعتقدوا أنني ميت، وألقوا بي في مكان مهجور، واكتشفتني فتاة ترتدي الهانفو وهي تلتقط صوراً؟ طفت الفكرة على السطح من أيام دراسته التي قضاها في قراءة الروايات، فكرة تلقائية وساخرة.

سرعان ما رفض الفكرة. كان هناك عدد كبير جداً من الشهود. وكانت سيارة شرطة متوقفة في الزاوية. لم تكن تلك المجموعة من الحمقى لتحظى بفرصة نقل جثة.

أجابت الفتاة على سؤاله بفرح غير مقنع، “لقد تفقدتك. أنتَ بخير!”

بخير؟ نظر إلى بطنه.

لا أثر للألم… وهذا المكان… وهذه

الملابس…

مستحيل. هل انتقلت لعالم آخر؟

لا، أرجوك. لم أبدأ بالاستمتاع بالحياة بعد!

رفع “دينغ سونغيان” رأسه ببطء ونظر إلى الفتاة، منتقياً كلماته بعناية.

“ومن أنتِ…؟”

كان قد أجرى بالفعل جرداً هادئاً لجسده الحالي ولم يجد شيئاً. لم تكن هناك أي شظية من الذاكرة تخصه. أما ماضيه هو، فكان واضحاً كما كان دائماً، حاداً بسبب ما استرجعه للتو.

في هذه الحالة، فإن أداء دور لا يعرفه لن يؤدي إلا إلى كشفه. بغض النظر عن مدى سرعة بديهته، فإن الكذبة تحتاج إلى المزيد من الأكاذيب لتغطيتها. وبمجرد أن يتطلب كل شيء الكذب، فإن الانكشاف سيكون مسألة وقت فقط.

من الأفضل إذن قول أنصاف الحقائق. لا حاجة لمواصلة التمثيلية. لن يضطر إلى إرهاق عقله في الأداء كل يوم أو العيش في خوف دائم. سيجد الأشخاص من حوله تفسيراتهم المنطقية الخاصة.

اعتدلت الفتاة ذات الكعكتين الحلزونيتين قليلاً، وأشرقت عيناها فجأة. أمالت رأسها بجو مرح يشبه أداء مسرحي وسألت بابتسامة، “أخي الصغير العزيز، ألا تتعرف على أختك الكبرى؟”

كانت تراقب وجهه وهي تقول ذلك. لم يتغير تعبيره. لا يزال جاداً. لا يزال عابساً.

“…” تجمدت الابتسامة على وجهها. تسلل شيء قريب من الانزعاج إلى صوتها، وسألت، متخلية عن مزحتها تماماً، “أخي الثاني، ألا تتذكرني؟”

هز “دينغ سونغيان” رأسه، ببطء، وبكل مظاهر الصدق.

“لا أتذكر شيئاً.”

نهضت الفتاة فجأة على قدميها. “هيا! يجب أن نعود إلى المنزل، الآن. سيأخذك أبي وأمي إلى طبيب. أوه لا!”

توقفت في منتصف الطريق، متجمدة في مكانها مثل شخصية مرسومة على الحرير.

“ما الخطب؟” سأل “دينغ سونغيان” غريزياً.

صنعت وجهاً متألماً. “ساقاي تخدرتا.”

أمال “دينغ سونغيان” رأسه إلى الخلف ونظر للأعلى إلى العوارض الخشبية المغطاة بشباك العنكبوت.

وقف هو أيضاً، مؤكداً أنه يرتدي رداء باحث بلون أبيض قمري باهت. كان طوله تقريباً كما كان قبل انتقاله الى هنا، يقترب من ستة أقدام.

“هكذا، أفضل!” أخيراً استعادت الفتاة الإحساس في ساقيها، ومدت يدها إلى كمه على الفور، مستعدة لسحبه إلى الخارج.

تراجع “دينغ سونغيان” للوراء دون تعبير، مما جعل يدها تمسك بالهواء.

“أم…” نظرت إليه، وعيناها باللونين الأسود والأبيض مليئتان بالحيرة.

تحدث، غير متعجل. “كيف أعرف أنكِ حقاً أختي؟”

“حسناً— أنا—” حدقت فيه، في حيرة تامة، كما لو أن السؤال لم يخطر ببالها قط، في حياتها كلها، كاحتمال.

تحركت شفتاها. لم يخرج شيء.

أوضح “دينغ سونغيان”، بجدية كبيرة،

“أيتها الآنسة، لا أتذكر شيئاً. إذا كنتِ تقصدين إيذائي واكتفيت بأخذ كلامك على محمل الجد وتابعتك إلى المنزل، ألن أواجه شيئاً مرعباً للغاية؟”

“هذا… هذا صحيح…” كانت مقتنعة بشكل واضح. ثم تغيرت نظرتها. “أعرف! أعرف ما يجب فعله! سأعود وأحضر أبي وأمي. يمكنهما إثبات أنني أختك!”

ألقى “دينغ سونغيان” نظرة على الفتاة، التي لم تبلغ سن الرشد بالكامل بعد.

“وكيف سأعرف أن الأشخاص الذين سيأتون هم حقاً أبي وأمي؟”

“…” بقي فمها مفتوح.

مرت لحظة طويلة. انضغطت شفتاها معاً. تجمع شيء غامض وضبابي عند حواف عينيها المشرقتين.

انفجرت قائلة، مقهورة، ملحة، وشبه مذعورة، “سأحضر الجيران! سآخذك إلى اليامين (المقر الإداري المحلي)! أبي كاتب في اليامين. جميع زملائه يعرفونه. يمكنهم جميعاً أن يقسموا أنه والدك الحقيقي! أنا أختك الصغرى الحقيقية…”

“حسناً. أصدقك.” تحدث “دينغ سونغيان” فجأة.

“آه…” حدقت الفتاة في “دينغ سونغيان” في حيرة.

هكذا ببساطة؟

أمال “دينغ سونغيان” رأسه قليلاً.

“أستطيع أن أرى أنك صادقة.”

تقديم عرض بالذهاب إلى مكتب الإدارة المحلي، اليامين، دون طلب وذكر هذا العدد الكبير من الشهود، لم يكن سلوك شخص ينسج خديعة.

أنا مستعد للرهان أنك لم تشاهدي فيلم The Truman Show من قبل!(فلم أمريكي كوميدي وخيال علمي)

“صادقة…” أمالت رأسها، تدرسه بعناية للحظة طويلة، ثم غمغمت دون اقتناع كبير، “هل يجب أن نذهب إلى اليامين على أي حال، فقط للتأكد؟ لقد جعلتني أشك نصف شك في أنك حتى أخي الثاني. سنحتاج إلى شخص آخر لينظر إليك… الملابس… الوجه… الطول… الوحمة… كلها متطابقة…”

وبينما كانت تتداول في الأمر، أجرى “دينغ سونغيان” فحصاً سريعاً لجسده. لا جروح. الطاقه، سليمة بشكل مفاجئ.

باتباع مثال كل دراما ورواية تاريخية استهلكها على الإطلاق، جمع يديه معاً في تحية بقبضة مضمومة.

“أيتها الآنسة، كيف ينبغي أن أخاطبك؟”

“كيف ينبغي أن تخاطبني؟” بدت فجأة مستمتعة. “كنت تدعوني دائماً بالأخت الصغرى. أخي الثاني، لقد نسيت كل شيء حقاً، أليس كذلك؟”

فكرت للحظة، ثم أوضحت بالتفصيل، “أنت أخي الثاني. لدينا أخ أكبر. أبي وأمي كلاهما على قيد الحياة. لقد كنا هنا في مقاطعة دينغجيانغ لما يقرب من نصف عام الآن، تحت جناح ابنة عمنا، الأخت الكبرى تشين من جانب والدتنا.”

“اسمي الشخصي هو تشينغيان. يمكنك مناداتي بالأخت الصغرى أو الأخت تشينغيان. أيهما لا بأس به.”

استوعب “دينغ سونغيان” هذا الأمر، وسمح لسلوكه بالارتخاء قليلاً.

“وما هو اسم عائلتنا؟”

أصدرت “تشينغيان” صوتاً خافتاً ومدت يدها لتدس خصلة شعر متدلية خلف رأسها.

“أخي الثاني، هل نسيت ذلك حتى؟ نحن من عائلة دينغ.”

دينغ… شيء ما اشتد في نظرة “دينغ سونغيان”. هاجس لم يكن يتوقعه.

“وما هو اسمي؟”

أمالت “تشينغيان” رأسها وحدقت فيه للحظة طويلة. ثم تنهدت بهدوء، وقالت بصوت منخفض وحزين بعض الشيء، “اسمك هو دينغ سونغيان.”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.