الفصل 92: بي تو من قبيلة الجبل الأسود!
الفصل 92: بي تو من قبيلة الجبل الأسود!
كان منتصف الليل قد مضى منذ وقتٍ طويل. بدأ خيطٌ باهتٌ من الضوء يظهر في الأفق، بينما انعكس ضوء القمر الخافت على الثلج الذي غطّى الغابة، فأضفى عليها برودةً أشد. ومع تعالي أصوات الخطوات المتشابكة، واصل أفراد قبيلة الجبل المظلم تقدمهم بسرعة قبل بزوغ الفجر.
كان كل شيء من حولهم ساكنًا. لم يكن يُسمع سوى صوت تساقط الثلوج. ظل جميع أفراد قبيلة الجبل المظلم صامتين. صمت الشيوخ والنساء، وحتى لا سو، بينما واصلوا هجرتهم خلال تلك الليلة.
مرت عدة ساعات منذ المعركة السابقة، لكن مشاهد الدمار التي خلفتها كانت لا تزال محفورةً بعمق في عقولهم وأرواحهم. كانوا يعلمون أنهم لن ينسوا تلك الليلة ما داموا أحياء.
قبل مغادرتهم، ومن دون احتساب الشيخ، كان في قبيلة الجبل المظلم أكثر من ثلاثين بيرسيركر. أما بعد تلك المعركة، فلم يبقَ سوى أربعة عشر بيرسيركر. كان الدم قد جف على أجسادهم، ومع أنهم كانوا يسيرون وهم يخفون حزنهم، إلا أنهم حملوا معهم هالةً قاتلة، وهم يحمون أفراد قبيلتهم بصمت.
لقد فقدوا العشرات من رجالهم، لكن قبيلة الجبل الأسود دفعت ثمنًا أكبر. كان ذلك مرتبطًا بفارق مستويات الزراعة، لكن الأهم من ذلك أن المتسللين من قبيلة الجبل الأسود لم يمتلكوا الإصرار الذي امتلكه أفراد قبيلة الجبل المظلم، أولئك الذين أُجبروا على مغادرة ديارهم.
كان ذلك يُسمّى شجاعة الحامي.
لو دمّر أحدهم نفسه مرةً واحدة، لاكتفى المتسللون من قبيلة الجبل الأسود بازدرائه، لكن عندما حدث ذلك مرتين… ثلاث مرات… أربع مرات… تحول ذلك الازدراء إلى رعبٍ حقيقي في قلوبهم.
قد تكون قبيلة الجبل المظلم ضعيفة، لكن داخل ذلك الضعف كانت تكمن قوةٌ لا يستهان بها.
كان سو مينغ يسير بصمت. منذ انتهاء المعركة، لم ينطق بكلمة واحدة. كان في الأصل مجرد فتىً مفعمًا بالحيوية، يحمل تهور الشباب، لكن الآن… تعلّم كيف يلتزم الصمت، وكيف يكتم مشاعره بدلًا من إطلاقها كوحشٍ هائج.
إلا أن الثمن الذي دفعه ليتعلم الهدوء كان باهظًا للغاية.
لقد مزّق قلبه.
أدرك سو مينغ أنه منذ هذا اليوم، قد غادرت البراءة جسده إلى الأبد. ومنذ هذا اليوم، ذابت سعادته واختفت. ومنذ هذا اليوم، استُبدلت دموعه بالصمت.
مر الوقت.
وبعد فترة، بزغ ضوء النهار. كانت القبيلة قد واصلت السير طوال الليل، لكنها لم تتوقف رغم الإرهاق. شد الجميع على أسنانهم، وساعد بعضهم بعضًا، بينما تحركوا بسرعة تكاد تضاهي الجري.
ثم مضى النهار تدريجيًا وهم يواصلون المسير. وخلال الطريق، سقط بعضهم لعجزهم عن تحمل التعب. وبعد أن يستريحوا ساعةً واحدة فقط، كانوا ينهضون ويواصلون السير من جديد.
استمرت قبيلة الجبل المظلم في التقدم بصمت، حتى حلّ منتصف الليل الثاني، وعاد ضوء القمر لينعكس فوق الثلوج في الغابة.
“سو مينغ…”
وصل إلى أذني سو مينغ صوتٌ خافت، هش، ومليء بالخوف.
أدار رأسه، فرأى الفتاة الصغيرة التي كانت تُحمل على ظهر أحد أفراد القبيلة وتسير إلى جواره.
وعندما التقت عيناه بعينيها الصافيتين والبريئتين، أجبر نفسه على الابتسام. لكن تلك الابتسامة بدت مخيفة للغاية بسبب الدماء التي لطخت وجهه.
إلا أن الفتاة لم تخف.
بل وسعت عينيها، وحدقت فيه للحظة، ثم رفعت يديها الصغيرتين المتسختين قليلًا، ومسحت برفق بعض الدم الجاف عن وجه سو مينغ.
عندما شعر بملمس يدها الرقيقة على وجهه، تسلل دفءٌ إلى قلبه الذي كان ينزف ألمًا.
“سو مينغ… لا تخف… تونغ تونغ ليست خائفة أيضًا…”
سحبت الفتاة يديها، وقد تلطختا ببعض بقع الدم. نظرت إليهما، وفي عينيها اللامعتين ظهرت نظرةٌ حازمة نادرًا ما تُرى في طفلٍ بهذا العمر.
ربّت سو مينغ برفق على رأسها.
لكنه لم ينظر إليها، بل رفع بصره إلى الأمام.
كان الطريق داخل الغابة مخفيًا، ولم يكن قادرًا على رؤية أين يكمن مستقبلهم.
وقف لي تشين في الجانب الآخر من الحشد، قابضًا على يده بقوة. كان الدم قد جف على ظهره، لكنه تجاهل الألم الذي يعصف بجسده. امتلأت عيناه برغبةٍ عارمة في القتل، لكن الحزن كان حاضرًا فيهما أيضًا.
لن ينسى أبدًا معركة الليلة الماضية.
فلولا أن أحد البيرسيركر البالغين دمّر نفسه بتفجير عروق دمه لينقذه، لكانت جثته الآن ملقاة في ساحة المعركة.
أمامه كانت وولا.
كان وجهها شاحبًا، وبدا عليها الإرهاق الشديد. غطى الدم الجاف ذراعها اليسرى، حتى إنها بدت عاجزة عن رفعها. كما غطت بقعةٌ كبيرة من الدم وجهها، فأخفت ملامحها الجميلة.
ومع ذلك، لم يظهر في عينيها أي أثر للاستسلام.
بل بقي فيهما ذلك الإصرار العنيد الذي تميز به جميع أفراد قبيلة الجبل المظلم.
وخلفهما كان كلٌّ من بي لينغ وتشين شين.
كانا يمسكان بأيدي بعضهما بإحكام، وكأنهما لا يريدان أن يفترقا أبدًا، بينما واصلا حماية أفراد القبيلة خلال مسيرهم.
أما الشيخ، فظل يحرس المؤخرة بيقظة.
كان شعره الأبيض ووجهه المليء بالتجاعيد يثيران الألم في قلب سو مينغ كلما رآهما، لأنه كان يشعر بإرهاق الشيخ الذي أثقلته الشيخوخة.
لم يكن القمر في تلك الليلة الثانية هلالًا.
كان يقترب ببطء من الاكتمال، لكنه لم يصبح بدرًا بعد.
ربما سيكتمل غدًا…
أو ربما بعد غد.
ومع استمرار القبيلة في الهجرة، كان بعض البيرسيركر يندفعون نحوهم بين الحين والآخر.
كانت أعدادهم قليلة، لا تتجاوز أربعة أشخاص في كل فريق.
كان هؤلاء هم كشافة القبيلة.
كانوا يخاطرون بحياتهم ليبلغوا القبيلة، على فترات منتظمة، بكل ما يطرأ من تغيرات.
وإذا لم يعودوا… فذلك يعني أن أمرًا قد حدث.
وسرعان ما مرت ساعتان.
كانت السماء حالكة السواد، وكأن زوجًا من العيون المرعبة يحدق من أعلاها بالأرض، ويراقب أفراد قبيلة الجبل المظلم وهم يواصلون رحلتهم بسرعة.
وفي تلك اللحظة، عاد ثلاثة فقط من أصل أربعة أفراد بعد انتهاء إحدى جولات الاستطلاع.
أما الشخص الذي كان يؤمّن المؤخرة… فقد اختفى دون أن يترك أي أثر.
وقف شعر جسد سو مينغ كله.
لمعت نظرة حادة في عينيه، فتوقف فورًا واستدار.
كما أدرك الآخرون أيضًا أن شيئًا سيئًا على وشك الحدوث.
أشرق بريقٌ في عيني الشيخ، وأحكم قبضته على عصا العظام التي كانت بين يديه.
وفجأة، دوّى صوتٌ خافت من بعيد.
وما إن وصل ذلك الصوت إلى آذانهم، حتى ازداد الحزن في قلب سو مينغ.
لقد عرف هذا الصوت.
كان صوت بيرسيركر يفجّر عروق دمه.
وأدرك… أن أعداءهم من قبيلة الجبل الأسود قد لحقوا بهم مرةً أخرى.
“لا تتوقفوا! زيدوا سرعتكم! جميع البيرسيركر، احموا القبيلة! سنقاتل ونحن نتراجع!”
ضرب الشيخ عصا العظام التي في يده بالأرض. ثم رفع يده اليسرى ولوّح بها نحو القبيلة. وفي الحال، التوى الفضاء فوقها، وظهر تمثال سامي البيرسيركر الخاص بقبيلة الجبل المظلم مرةً أخرى. طفا فوق القبيلة، وأطلق هالةً من الضوء تحيط بها وتحميها.
كان التمثال يتحرك مع القبيلة أثناء تقدمها. وما دام لم يُحطم، فإن ذلك الضوء سيضمن سلامة أفراد القبيلة.
وفي اللحظة التي ظهر فيها تمثال قبيلة الجبل المظلم، رفع الشيخ رأسه فجأة. ارتسمت على وجهه نظرة خطيرة لم تظهر طوال المعركة السابقة. وخيّم الظلام على عينيه وهو يحدق في السماء المظلمة فوقه.
وفجأة، تغيرت السماء.
ظهر ضوءٌ أحمر من العدم، وامتزج بالظلام، فحوّله إلى لونٍ أرجواني قاتم. واستمر الضوء الأحمر بالانتشار كالدم الطازج، وخلال غمضة عين، غطّى نصف السماء.
ثم دوّى من السماء صوتٌ أجش وحزين، وانتشر صداه في كل الاتجاهات.
“مو سانغ…”
ومع تردد ذلك الصوت في الأرجاء، هبط عليهم ضغطٌ هائل فجأة. شعر جميع أفراد قبيلة الجبل المظلم بثقلٍ رهيب يضغط على أجسادهم منذ اللحظة التي ظهر فيها. حتى تمثال قبيلة الجبل المظلم اهتز تحت وطأة ذلك الضغط.
تسارعت دقات قلب سو مينغ.
لقد شعر بهذا الضغط المهيب من قبل، عندما واجه الشيخ جينغ نان من قبيلة تيار الرياح.
كان هذا الضغط ينتمي إلى بيرسيركر في عالم الصحوة.
كانت تلك هي الهيبة الطبيعية التي يفرضها بيرسيركر في عالم الصحوة على من لا يزالون في عالم تكثيف الدم. وتحت هذا الضغط، بدأ تشي الدم داخل أجساد البيرسيركر في عالم تكثيف الدم يتشتت من تلقاء نفسه.
ومع ظهور ذلك الضغط، واستمرار الضوء الأحمر في اجتياح السماء، وبدء القمر بالتحول إلى اللون الأحمر القرمزي، نشأ داخل سو مينغ شعورٌ غريب لا يمكن وصفه.
كان الوحيد الذي شعر به.
كان ذلك الإحساس مشابهًا تمامًا لما شعر به عندما رأى قمر الدم أثناء حرق الدم. بل إنه منحه شعورًا بالألفة، وكأن أجنحة قمرٍ عملاقة كانت مختبئة في السماء في تلك اللحظة.
أثار هذا الإحساس الغريب في داخله صدمةً لا تُصدق، حتى إن أنفاسه اضطربت.
وبعد لحظات، رأى شخصًا يخرج ببطء من وسط الضوء الأحمر في السماء.
كان ذلك الرجل يرتدي رداءً أسود، وكان جسده نحيلًا، وجلده جافًا، ووجهه جامدًا لا يحمل أي تعبير. سار خطوةً بعد أخرى، واضعًا يديه خلف ظهره، حتى توقف في السماء، وألقى بنظره نحو الأرض.
وفي منتصف حاجبيه، كانت هناك علامة على شكل أجنحة القمر.
بدت تلك العلامة حية، وكأنها حقيقية بالفعل، وكانت تشع ضوءًا أحمر ساحرًا، حتى بدى للناظر أنها تنبض بالحياة.
بي تو!
شيخ قبيلة الجبل الأسود… بي تو!
“مو سانغ، لا داعي لأن تستمر في انتظار جينغ نان ووين يان. إنهما… يواجهان وضعًا صعبًا بما يكفي، ولن يكون لديهما وقت للاهتمام بقبيلتك!”
أطلق بي تو ضحكةً قاتمة، وهو ينظر إلى الشيخ الواقف خلف أفراد القبيلة.
ظل الشيخ صامتًا.
لقد كان ينتظر بالفعل وصول جينغ نان، لكن عندما لم يظهر طوال رحلتهم نحو قبيلة تيار الرياح، أدرك أن أمرًا ما قد حدث هناك.
“نان سونغ، في الماضي كنت أضعف من مو سانغ بقليل. كنت لامعًا كالشمس، لكن منذ أن هربت إلى قبيلة الجبل المظلم، أصبحت مجرد قمامة لا قيمة لها.
طوال هذه السنوات، كنت أفكر دائمًا في التعبير الذي ارتسم على وجه والدك عندما توسل إليّ أن أعفو عنك قبل موته.
يا للأسف… لم أنوي يومًا أن أدعك تعيش.
ومع ذلك، تمكنت من الهرب مرةً أخرى.”
ارتفعت زاوية فم بي تو قليلًا، ثم اتسعت ابتسامته شيئًا فشيئًا، قبل أن ينفجر في ضحكة هستيرية.
وقف نان سونغ، ذو الشعر الأبيض، خارج الحشد، ونظر إلى بي تو الواقف في السماء.
لم يغضب على الإطلاق من كلماته.
فقد تعلم منذ زمنٍ طويل كيف يتخلى عن كل شيء.
ولم يفعل سوى أن أطلق تنهيدةً خافتة.
“مقارنةً بك… أنت الذي سممت الشيخ السابق لقبيلة الجبل الأسود، ثم طاردت ابن الشيخ السابق لتقتله، بل وضحيت بنصف أفراد قبيلة الجبل الأسود مقابل الحصول على فن بيرسيركر ساقط…
لا يمكن مقارنتي بك.”
ظل صوت نان سونغ هادئًا، لكن التجاعيد على وجهه بدت وكأنها ازدادت كثيرًا في تلك اللحظة.
“حان الوقت لإنهاء الضغينة التي استمرت بيننا كل هذه السنوات. مو سانغ، نان سونغ، سأمنحكما فرصة!”
“سأدعكما تقاتلانني معًا!”
ضحك بي تو بصوتٍ عالٍ، ثم لوّح بيده اليمنى.
وفي اللحظة نفسها، دوّى هديرٌ هائل هز السماء والأرض.
خلف ظهر بي تو، تحوّل الضوء الأحمر الذي ملأ السماء إلى ضبابٍ دموي كثيف للغاية في لحظة واحدة.
ثم اندفع الضباب كالأمواج…
قبل أن يتحول إلى أجنحة قمرٍ عملاقة!
نشرت أجنحة القمر جناحيها، حتى غطّت السماء والقمر بالكامل.
“نان سونغ… اترك بي تو لي، سأوقفه.
وأترك القبيلة لك.”
أخذ الشيخ نفسًا عميقًا، ثم نظر ببصره على أفراد قبيلته.
نظر إلى وجوههم الصامتة، وكأنه يحاول العثور على الخائن المختبئ بينهم.
لكن في النهاية…
لم يفعل سوى أن تنهد.
كان جميع أفراد قبيلته مرهقين، وأجسادهم مغطاة بالدماء الطازجة.
فكيف يمكنه أن يشك في هؤلاء الذين قاتلوا حتى الموت من أجل قبيلتهم؟
وقعت عيناه على الحزن المرتسم على وجه قائد الحرس، ثم على الجرح العميق في عنق شان هين.
‘ربما… لا يوجد خائن أصلًا…’
وقبل أن يشيح بنظره، حدق في سو مينغ بعمق.
ثم قفز فجأة نحو السماء.
وفي اللحظة نفسها، تجسد ثعبانٌ أسود عملاق، وانطلق معه مخترقًا السماء كشهابٍ مندفع.
دوّت انفجارات مدوية في السماء.
ومع اقتراب الشيخ منه، أطلق بي تو ضحكةً عالية.
غمر الضباب الأحمر السماء بأكملها، وابتلع كليهما داخله.
لم يعد أفراد القبيلة قادرين على رؤية ما يجري في الداخل، لكن أصوات الرعد والانفجارات ظلت تهز السماء والأرض دون توقف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الترجمة: بلا حدود
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.