الفصل 468: اضغط إلى الأسفل، وانتزع!
الفصل 468: اضغط إلى الأسفل، وانتزع!
في اللحظة التي لم يعد يفصل فيها بين الجيشين سوى مئة قدم، وكانا على وشك البدء في التهام بعضهما بعضًا بجنون، وفي اللحظة التي أوشكا فيها على خوض معركة حتى الموت، وفي اللحظة التي ظهر فيها الجنون في عيني سو مينغ ونسي كل شيء باستثناء القتل…
فجأة، اندفع قوس أسود طويل عبر السماء الرمادية. بلغ طول ذلك القوس عدة آلاف من الأقدام، وكان يقف عند قمته شخص!
كان يرتدي رداءً أبيض، وبدت ملامحه لا مبالية، بينما تطاير شعره الأبيض في الهواء. امتلأت عيناه باللون الرمادي، وبثتا الرعب في نفوس كل من ينظر إليهما. أما التموجات التي انتشرت أمامه، فقد جعلت آلاف الأرواح الخالدة ترتجف فور ظهوره. لم يكن يفصل بين هذين السربين سوى مئة قدم، لكن لم يجرؤ أحد على التحرك من مكانه.
تقدم العجوز ذو الشعر الأبيض عبر السماء، وما إن وصل إلى مكان يقع مباشرة فوق آلاف الأرواح الخالدة، حتى رفع يده اليمنى، ومن دون أن ينظر إلى الأسفل، ضغط بها نحو الأرض عبر الهواء وانتزع ما فيها!
عندما ضغط العجوز إلى الأسفل، راود سو مينغ شعور واضح بأن العجوز ذو الرداء الأبيض قد اندمج مع السماء. انتابه إحساس بأن السماء نفسها تهبط عليه مصحوبة بصوت مرتفع. تسبب ذلك الشعور على الفور في بدء تحطم جسده، وبدأت جميع الأرواح الخالدة الأخرى المحيطة به تتحطم أيضًا!
كان هذا الأمر أكثر وضوحًا بين الأرواح الخالدة التي لم تمتلك أي قدر من الذكاء، وكانت تتبع الحشد بلا تفكير. فقد تفككت جميع تلك الأرواح في تلك اللحظة وتحولت إلى الضباب الذي وُلدت منه، بينما تسرب إلى الخارج من باطن الأرض.
حتى الأرواح الخالدة التي التهمت أعدادًا كبيرة من رفاقها، مثل سو مينغ، وأصبحت أقوى بكثير، أخذت ترتجف أيضًا. لم تستطع الصمود حتى لنفس واحد قبل أن تنفجر أجسادها.
وكان سو مينغ واحدًا منها!
شاهد جسده يتحطم ويتفتت. وما إن تحول إلى ضباب، حتى قبض العجوز ذو الرداء الأبيض في السماء بيده اليمنى على الهواء.
تفككت جميع الأرواح الخالدة على الأرض بصوت مرتفع، وتحولت إلى كميات هائلة من الضباب الأبيض الذي اندفع مباشرة نحو السماء. امتصت راحة يد العجوز جميع تلك الأرواح، فتحولت إلى كرة ضبابية بحجم قبضة اليد تقريبًا. أطبق أصابعه حول الكرة، ثم اختفت داخل جسده.
استغرقت العملية بأكملها أقل من ثلاثة أنفاس. لم يمكث العجوز في المكان لحظة واحدة، بل غادره واختفى دون أن يترك أثرًا.
أصبح المكان خاليًا. لقد تلاشت جميع الأرواح الخالدة، بما فيها سو مينغ…
واصل الزمن مروره من جديد. وبعد عدة أشهر، بدأت خيوط من الضباب الأبيض تتدفق من باطن الأرض. تجمعت تلك الخيوط معًا، وتحولت تدريجيًا إلى أشكال بشرية غير واضحة.
ربما بدت أشكال هؤلاء الأشخاص غامضة، لكن لو كان هناك من يراقبهم، لاستطاع أن يرى أنهم الأرواح الخالدة نفسها التي ماتت في هذا المكان قبل عدة أشهر!
لم يكن مصطلح الروح الخالدة يعني أنها لا تموت، بل يعني أنها تُبعث بعد موتها، وتستمر هذه الدورة بلا نهاية…
ظهر شكل غامض في المكان الذي تفكك فيه سو مينغ في ذلك اليوم، وبدا ذلك الشكل مختلفًا قليلًا عن بقية الأرواح الخالدة…
كان يحرك يده، ويكرر الضغط إلى الأسفل وانتزاع الهواء، معيدًا هذه السلسلة من الحركات الغريبة مرات عديدة. وبينما كان الضباب يتجمع ببطء ليشكل الأجساد، وتتكشف ملامحها، أصبح وجه الشكل الذي يؤدي تلك الحركات واضحًا، وكان سو مينغ!
لكن اللون الرمادي كان قد ملأ عيني سو مينغ بالكامل، ولم تظهر أي علامة على استيقاظ ذكائه. ظل ينظر إلى يده اليمنى بذهول، وهو يكرر حركة الضغط إلى الأسفل وانتزاع الهواء.
لم يكن يعرف اسمه، ولا يعرف من يكون، ولا يعرف لماذا هو هنا. بل إن هذه الأسئلة لم تكن موجودة أصلًا في ذهنه. لم يفكر فيها حتى. لم يكن هناك شيء في العالم مهمًا بالنسبة إليه. كان الشيء الوحيد الذي يهمه هو المكان الذي ينظر إليه في تلك اللحظة، نحو يده اليمنى وهي تكرر حركة الضغط إلى الأسفل وانتزاع الهواء.
لم يكن يعرف سبب استمراره في تكرار هذه الحركات. بدا الأمر وكأنها مجرد غريزة فطرية. وبينما واصل الضغط إلى الأسفل وانتزاع الهواء، أخذ الضباب المحيط به يتجمع تدريجيًا ليشكل بقية الأرواح الخالدة. بدأت أشكالها تصبح أكثر وضوحًا، ثم أخذت ببطء… ترفع رؤوسها وتنظر إلى السماء الشاسعة.
وحده سو مينغ أبقى رأسه منخفضًا، وظل ينظر إلى يده اليمنى. اكتفى بالتحديق فيها بذهول، وواصل تكرار حركة الضغط إلى الأسفل وانتزاع الهواء دون اكتراث، رغم أنه كررها مرات لا تحصى بالفعل…
بعد عدة أيام، دوى صوت البوق في السماء. وما إن انطلق ذلك الصوت، حتى ارتجفت جميع الأرواح الخالدة، وصرفت أنظارها عن السماء لتنظر نحو مصدر الصوت، ثم بدأت تحرك أجسادها وتسير إلى الأمام.
لم يرفع سو مينغ رأسه. حتى بعدما سمع صوت البوق، وحتى وهو يتحرك مع بقية الأرواح الخالدة، ظل رأسه منخفضًا وعيناه على يده اليمنى، بينما واصل دورته اللانهائية من الضغط إلى الأسفل وانتزاع الهواء…
بدا الأمر وكأن كل شيء آخر في العالم عاجز عن إثارة اهتمامه إذا ما قورن بتكرار هذه الحركة. اضغط إلى الأسفل، وانتزع. وبينما كان سو مينغ يتقدم، واصل تكرار هذه الحركات. وقد بدا وجوده غريب جدًا وسط الأرواح الخالدة المحيطة به.
تدريجيًا، ومع تقدم آلاف الأرواح الخالدة، استعادت بعض الأرواح الخالدة عقولها. أطلقت عواءً حادًا يمزق الآذان، وعندما بلغت الوحشية في أعينها حدًا معينًا، بدأت تلتهم رفاقها بجنون، تمامًا كما فعلت من قبل.
لكن بعض الأرواح الخالدة التي استيقظت هذه المرة كانت هي نفسها التي استيقظت في المرة السابقة، في حين كانت هناك أرواح أخرى مختلفة…
عندما بدأت الأرواح الخالدة المحيطة بسو مينغ تلتهم بعضها بعضًا، ظل واقفًا ورأسه منخفض، يكرر تلك الحركات. لم تكن هناك أي أرواح خالدة قد استعادت وعيها بجواره، لذا كان آمنًا في الوقت الراهن. لم تنتبه إليه الأرواح الأخرى التي كانت تلتهم رفاقها. وبعد أن ضغط إلى الأسفل وانتزع الهواء للمرة التي لا يمكن عدها، ظهرت أمامه تدريجيًا موجة خافتة من التموجات. كانت التموجات ضعيفة، لكنها موجودة بالفعل.
لم ينظر سو مينغ إلى التموجات، بل واصل التحديق في يده اليمنى، محافظًا على تلك الدورة اللانهائية من الضغط إلى الأسفل وانتزاع الهواء.
مر وقت طويل. وبعد موت بعض الأرواح الخالدة، انتشرت في السماء والأرض زئيرات تعلن عن ولادة أرواح جديدة. ظهر هذه المرة اثنتان وثلاثون روحًا خالدة قوية. ومع تردد زئيرها في الهواء، ارتجفت جميع الأرواح الخالدة الأخرى وظهرت علامات الخوف على وجوهها، باستثناء…
سو مينغ!
ظل سو مينغ منخفض الرأس، يكرر تلك الحركات دون توقف أو تغيير. أما موجة التموجات الخافتة أمامه، فقد ازدادت قوة.
لم يلتفت أحد إلى سو مينغ، حتى الأرواح الخالدة القوية. فبعد أن أطلقت زئيرها، قادت آلاف الأرواح الخالدة واندفعت بسرعة طافية نحو الاتجاه الذي جاء منه صوت البوق…
وفي الطريق، استعادت المزيد من الأرواح الخالدة وعيها. وعادةً ما كانت تختار التهام رفاقها القريبين منها فور ظهور لمحة من الذكاء في عيونها، حتى تصبح أقوى.
وفي إحدى المرات، استيقظت روح خالدة بجوار سو مينغ. زمجرت واقتربت منه في لحظة، لكن سو مينغ لم يرفع رأسه، ولم يكلف نفسه حتى عناء إلقاء نظرة على تلك الروح، بل واصل ببساطة حركة الضغط إلى الأسفل وانتزاع الهواء…
لكن في اللحظة التي اقتربت فيها الروح منه، ضغط سو مينغ إلى الأسفل، فارتجفت الروح الخالدة التي كانت تنقض عليه. وظهر الخوف إلى جانب شرارة الذكاء الضئيلة في عينيها. وقبل أن تتمكن حتى من الاقتراب أكثر، بدأت تتفكك على الفور. وبينما كان جسدها يتحطم، مد سو مينغ يده اليمنى لينتزع الهواء.
وما إن انتزع الهواء، حتى ظهر الضباب الأبيض فورًا من الأماكن التي بدأت فيها الروح الخالدة بالتفكك. اندفع ذلك الضباب الأبيض نحو يد سو مينغ اليمنى، وتحول إلى كرة ضبابية صغيرة قبل أن تختفي داخل راحة يده.
تراجعت الروح الخالدة على الفور في رعب. فقد أصبح جسدها أضعف بكثير، وبينما كانت تتراجع، انقضت عليها روح خالدة أخرى كانت قد استعادت وعيها للتو. ومع انطلاق عواء حاد في الهواء، التهمتها تلك الروح.
لم يرفع سو مينغ رأسه طوال ذلك الوقت، ولم يتوقف عن أداء تلك الحركات. لكن التموجات أمامه أخذت تزداد عددًا، وبدأت المنطقة المحيطة به تتشوه تدريجيًا تشوهًا خفيفًا، حتى أصبح ذلك المشهد واضحًا للغاية.
دفعت التموجات المشوهة الأرواح الخالدة المحيطة به إلى التراجع بصورة غريزية. لم تجرؤ على الاقتراب من سو مينغ. ونظرت الأرواح الخالدة التي التهمت رفاقها لتزداد قوة نحو سو مينغ، وظهرت في أعينها الحيرة… إلى جانب الحذر.
كانت تشعر بوجود قوة مرعبة تحيط بسو مينغ، ولم تجرؤ على الاقتراب منه.
تدريجيًا، تحرك سرب الأرواح الخالدة من جديد. ففي عالم الخلود الأبدي، لم تقتصر الدورات المتكررة على حياة الأرواح وموتها، بل بدا أن كل شيء آخر قد تحول أيضًا إلى دورة تتكرر عندما يحين أوانها.
وبعد أن تحرك سرب الأرواح الخالدة لعدة أشهر… ظهر أمامه على الأرض البيضاء سرب آخر يضم عددًا مشابهًا من الأرواح الخالدة، وتقوده أيضًا قرابة مئة روح خالدة قوية.
كان المشهد مماثلًا للمرة السابقة. فما إن رأت أسراب الأرواح الخالدة بعضها بعضًا، حتى أطلقت عواءً حادًا في الوقت نفسه، وانقض كل سرب على الآخر بجنون. لم يرفع سو مينغ رأسه، بل واصل الضغط إلى الأسفل وانتزاع الهواء بينما كان يتقدم.
وعندما اصطدم السربان ببعضهما وشرعا في التهام بعضهما بعضًا بجنون، وسط دوي الزئير في الهواء، بدأ الطرفان صراعًا من أجل البقاء. اندفعت روحان خالدتان نحو سو مينغ في الحال، لكن في اللحظة التي وصلتا فيها إلى جواره، تفككت أجسادهما وتحولتا إلى ضباب أبيض امتصته راحة يد سو مينغ عندما انتزع الهواء.
أصبحت حركات سو مينغ أسرع، وازداد عدد التموجات أمامه. واشتد التشوه أكثر فأكثر، وبعد لحظات، أخذت جميع الأرواح الخالدة التي اقتربت منه تطلق صرخات ألم حادة، ثم تتحطم أجسادها وتتحول إلى ضباب أبيض يمتصه كله داخل راحة يده.
ظل سو مينغ واقفًا يكرر الحركات نفسها. وتدريجيًا، كلما ازدادت سرعته في تكرار تلك السلسلة من الحركات، وكلما واصلت التموجات الانتشار إلى الخارج، بدأت جميع الأرواح الخالدة المحيطة به تشعر بالرعب المنبعث من مكانه. وفي اللحظة التي توقفت فيها جميعها عن التهام بعضها بعضًا، وحولت أنظارها نحوه…
تجمدت يد سو مينغ اليمنى فجأة، بعد أن ظلت تتحرك دون توقف لعدد غير معروف من الأيام.
وما إن توقف، حتى ضغطت يده اليمنى ببطء إلى الأسفل! دوّت الأصوات الهادرة في الهواء على الفور، واجتاحت قوة هائلة المنطقة بأكملها، وكان سو مينغ مركزها. ثم تفككت آلاف الأرواح الخالدة في المنطقة كلها بمجرد أن لامستها تلك القوة…
وبعد أن ضغط إلى الأسفل، ضم سو مينغ يده ببطء حتى أصبحت قبضة، وانتزع الهواء. فدارت كميات هائلة من الضباب الأبيض حوله، أشبه ببحيرة من الضباب، قبل أن تندفع مباشرة نحو يده اليمنى…
ساد الصمت المكان. وقف سو مينغ وسط تلك الكمية الهائلة من الضباب، بينما كانت يده اليمنى تمتصه. ثم رفع رأسه ببطء، وبدأ اللون الرمادي في عينيه يتلاشى بسرعة، في حين ازداد ذكاؤه بصورة هائلة!
“أنا… سو مينغ…”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الترجمة: بلا حدود
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.