الفصل 389: الهيجان
الفصل 389: الهيجان
كان الهدوء يخيّم على كل ما حولهم. تناثر ضوء القمر على الأرض، ولو نظر المرء إلى الهواء وحده، لشعر أن القمر مملوء بلون لطيف. لكن لو ألقى بصره على الأرض، فسوف يشعر بالرعب. كانت هناك كمية كبيرة من قطع اللحم الممزقة، اختلطت بكمية كبيرة إلى حد ما من الدماء. وكانت الرياح تحرك رائحة الدم الكريهة، مما جعلها تبقى في المنطقة لفترة طويلة.
ومن بين إحدى قطع اللحم الممزقة كانت هناك حلقة حمراء. كانت تومض بضوء أحمر، وعلى مسافة ليست بعيدة، وفي مكان آخر تناثرت فيه قطع اللحم والدماء، كانت هناك حقيبة وردية، لكنها كانت ممزقة هي الأخرى.
كانت هناك جثة يابسة على الأرض في مكان بعيد. كانت تلك الجثة تخص الرجل من قبيلة الكركي الأسود. لقد مات ميتة مروعة، ولم يتبقَّ منه عمليًا سوى الجلد والعظام. لم يبقَ عليه أي أثر للحم أو الدم، وبدا كغصن يابس. ولم يعد من الممكن رؤية ملامحه الأصلية. كانت عيناه غائرتين وبدا كهيكل عظمي.
اختفت كل قوة حياته وجوهره دون أثر. وانتشرت رائحة عفن من الجزء السفلي من جسده، واختلطت برائحة الدم الكريهة التي تحملها الرياح، لتتحول إلى رائحة كريهة لا يمكن وصف مدى فظاعتها.
كان شياو هونغ قد اختفى. عندما كان سو مينغ يقاتل السيدة جي، هرب وكأنه أصيب بالجنون.
جلس سو مينغ على الأرض تحت ضوء القمر. كان يرتجف وعيناه مغمضتان بإحكام. كانت وجنتاه محمرتين بالوردي، وبرزت كمية كبيرة من الأوردة على جلده. كان الألم والصراع باديين على وجهه.
كان من الصعب للغاية على سو مينغ تفادي هجوم السيدة جي الأخير المضاد قبل موتها، شيطان زهور الخوخ. وبمجرد أن تسربت هالته إلى أذنيه وأنفه وفمه، ارتفعت على الفور داخل جسده رغبة وشهوة يكاد يستحيل السيطرة عليهما. كانت تلك الشهوة تهاجم عقله بجنون، وبمجرد أن تنتصر شهوته على كل شيء، فلن يعود قادرًا على التحكم في أفعاله.
كان رأس سو مينغ في حالة من الفوضى. مرت أمام عينيه جميع النساء اللواتي رآهن في حياته، وجاءت صورهن مصحوبة بالأنين والحركات المغرية، مما جعل تنفسه يتسارع أكثر فأكثر.
لم يكن يعلم كم من الوقت مر عندما فتح عينيه. كانت عيناه محتقنتين بالدماء، وكان يبدو وحشيًا بشكل لا يُصدق، خصوصًا أن كرة من النار بدت وكأنها تحترق في أعماق حدقتيه. ومع احتراق كرة النار تلك، رفع سو مينغ رأسه وأطلق زئيرًا نحو السماء.
تردد زئيره في الهواء وانتشر في جميع الاتجاهات.
‘هذه ليست مجرد مادة مثيرة للشهوة، إنها لعنة تستخرج أكثر الرغبات البدائية في الجسد!’
ازداد الصراع على تعبير وجه سو مينغ قوة. كان لا يزال قادرًا على الحفاظ على عقله في هذه اللحظة، وإن كان ذلك بصعوبة بالغة، وبما تبقى لديه من منطق، حلل بسرعة ذلك الشعور في جسده. ولم يكن من الصعب عليه أن يدرك أن ما يسمى بشيطان زهور الخوخ كان الشيء الذي زرعه جي يون هاي في جسد السيدة جي في الماضي.
لقد ظل ذلك الشيء يُصقل باستمرار ويزداد عددًا على مدار ستين عامًا، مما جعله عنيفًا للغاية.
‘كل الصور في رأسي بذيئة وشريرة. إذا تركت شهوتي تتحكم في جسدي، فسأنتهي مثل السيدة جي. وحتى لو وجدت امرأة واستسلمت لرغباتي، فلن أتمكن بالتأكيد من كسر التعويذة. ولدي شعور بأنه بمجرد أن أعجز عن السيطرة على نفسي وأغرق في رغباتي، فسيستمر ذلك إلى الأبد وسيكون من الصعب للغاية عليّ الخروج منه…”
‘إلا إذا استخدمت قوتي وأجبرت رغباتي على الخمود!’
رفع سو مينغ يده اليمنى بسرعة، ومع بريق أحمر في عينيه، نقر بسرعة على عدة مواضع متتالية في جسده، لكن ذلك لم يجدي نفعًا. وحتى القطعة الحجرية السوداء المعلقة حول عنقه لم تُبدِ أي رد فعل.
‘يمكن للحجر الأسود أن يسمح لي بألا أتأثر بالأشياء الخارجية، لكن الآن… الآن، لا توجد عوامل خارجية تشكل تهديدًا لي. إن شيطان زهور الخوخ هو الذي يزيد شهوتي عدة أضعاف. إذا كان الأمر كذلك، فمن الطبيعي أن يكون الحجر الأسود عديم الفائدة…’
ازداد ارتجاف سو مينغ عنفًا. لم يعد شعره أسود نقيًا، بل بدأ يظهر تدريجيًا عند جذور شعره لون أحمر ناري.
بدأ ذلك اللون الأحمر عند جذور شعره بالانتشار بسرعة، وفي غمضة عين، تحول نصف شعر سو مينغ إلى لون أحمر لامع. وفي الوقت نفسه، تلاشى اللون الوردي من وجهه، فعاد وجهه إلى ذلك الشحوب. لكن اللون الوردي الذي اختفى تجمع الآن عند صدر سو مينغ.
بدت الأوردة البارزة على وجهه وكأنها على وشك الانفجار. وفي مركز حاجبيه، ومضت علامة السيف وأُجبر السيف الصغير الأخضر على الخروج. وبدأ يطير حوله بينما يصفر في الهواء، كما لو كان قلقًا للغاية. رفع سو مينغ يديه وأنزلهما ليقبض على الأرض بجانبيه، وغرس يديه عميقًا في الأرض.
ومع اختفاء علامة السيف من مركز حاجبيه، ظهرت تدريجيًا علامة زهرة خوخ. وفي الوقت نفسه، تحول معظم شعره إلى اللون الأحمر أيضًا. لقد تغير مظهره بشكل جذري لدرجة أنه، مقارنةً بنفسه الهادئ قبل ذلك، بدا كشخص مختلف تمامًا.
ظهر قدر كبير من العرق على جسده. ومع ظهور ذلك العرق، بدأت رائحة لا توصف بالانتشار من جسد سو مينغ، ولو شمّتها أي امرأة، لتحولت أفكارها على الفور إلى فوضى وعجزت عن السيطرة على نفسها.
ازداد تعبير الألم على وجه سو مينغ. لقد استخدم عمليًا كل قوته لتثبيت يديه في الأرض، لكن قوة شيطان زهور الخوخ كانت قوية جدًا. وبعد مقاومته لفترة طويلة، عندما اكتملت علامة زهرة الخوخ تمامًا، وتحول شعره إلى اللون الأحمر بالكامل، لم يعد سو مينغ قادرًا على قمع شهوته. رفع رأسه وأطلق أقوى هدير له منذ مجيئه إلى أرض الشامان.
هدير!
وبينما كان يهدر، طار سو مينغ إلى السماء بعينين حمراوين. لم تعد هناك أي ذرة من العقل في عينيه، بل لم يبقَ سوى تلك الرغبة التي أثارتها أكثر الرغبات البدائية داخله. وبمجرد أن طار، اندفع سو مينغ في الاتجاه الذي أمامه دون أدنى تردد — نحو الشمال.
كان سريعًا للغاية لدرجة أنه تحول إلى قوس طويل في الهواء واختفى في غمضة عين، ولم يسترجع حتى جرس جبل هان، أو الحلقة الحمراء، أو الأشياء الأخرى. لقد اندفع إلى الأمام هكذا فحسب، وفي لحظة قصيرة، عبر مسافة عشرة آلاف لي.
وبينما كان يندفع إلى الأمام، واصل سو مينغ الهدير. كانت تلك الهديرات تتردد في الهواء بينما يتحرك، وتبدو كأنها صادرة عن وحش بري، مما يبث الخوف في نفوس كل من يسمعها.
كان منتصف الليل. كان معظم أفراد قبيلة الثور الأبيض، الواقعة في الشمال، نائمين. وكان جميع المستيقظين تقريبًا من أفراد القبيلة الذين يقومون بدوريات حول المنطقة، والشخص الوحيد الآخر الذي لم يكن نائمًا ولا يقوم بدورية هو بطريرك قبيلة الثور الأبيض.
كان ذلك العجوز ذو وجه القرد جالسًا منتصبًا في منزله ويمسك في يده طبقًا صغيرًا من حبات مستديرة بحجم الظفر. وكان يأكل واحدة منها من حين لآخر، ويبدو عليه الرضا الشديد.
لكن في اللحظة التي ضيّق فيها عينيه والتقط حبة أخرى ليقضمها بعدما رفعها إلى فمه، وصل فجأة إلى أذنيه عواء يهز الأرض والسماء. أذهل ظهور ذلك الصوت العجوز.
وبمجرد أن فتح عينيه، تغير تعبيره بشكل جذري. لم يهتم بطبق الحبات الذي تناثرت حباته على الأرض، وسارع إلى الخروج من منزله. وعندما رفع رأسه لينظر إلى السماء، انكمشت حدقتاه وظهر الذهول في عينيه.
اندفع قوس طويل عبر السماء واقترب في غمضة عين، ليتحول إلى سو مينغ. كان شعره الأحمر الطويل، وعيناه المجنونتان، وهديراته القوية كافية ليعرف أي شخص بمجرد نظرة واحدة أن هناك شيئًا خاطئًا به.
ارتجف قلب ذلك العجوز ذو وجه القرد وأطلق على الفور عواءً حادًا. أيقظ ذلك العواء القبيلة النائمة في الحال، وخرج جميع أفراد القبيلة من منازلهم بصدمة. وفي اللحظة التي رأى فيها الرجال والنساء سو مينغ في الهواء، رآهم هو أيضًا.
ظهر الصراع مرة أخرى في عيني سو مينغ، مما جعل هديراته تزداد قوة. طار العجوز ذو وجه القرد إلى الأعلى على الفور وحدق فيه كما لو كان يواجه عدوًا قويًا.
حدق جميع المحاربين من أنحاء القبيلة نحو الأعلى أيضًا. وفي اللحظة التي يصدر فيها العجوز أمره، كانوا سيهاجمون دون اكتراث بسلامتهم من أجل حماية قبيلتهم.
كان ذلك العجوز ذو وجه القرد يئن في داخله في تلك اللحظة. فقد رأى بوضوح أن سو مينغ كان في حالة تكاد تصل إلى الجنون. وبينما لم تكن لديه أدنى فكرة عما جعله على هذه الحال، كان من الواضح مع ذلك أنه لم يعد يمتلك أي ذرة من العقل. وبمجرد أن يدخل شخص كهذا في حالة هياج، فإن الضرر الذي سيلحق بقبيلتهم سيكون هائلًا للغاية.
وعندما خرجت نساء القبيلة من منازلهن ونظرن نحو السماء بخوف، رأى العجوز بوضوح أن سو مينغ كان يرتجف، وكانت الصراعات على وجهه تجعله يبدو كما لو كان على وشك الانهيار.
“عودوا!”
أطلق العجوز صيحة منخفضة، فتراجع بسرعة أفراد القبيلة العاديون الذين خرجوا من المنازل وهم يرتجفون. لكن في اللحظة التي بدأت فيها أولئك النساء بالتحرك إلى الخلف، انتفضت أجسادهن فجأة وظهر احمرار على وجوههن. وبنظرات شاردة في أعينهن، نظرن نحو سو مينغ في السماء كما لو أنهن فقدن حواسهن.
جذب هذا التغير على الفور كل انتباه وذهول بقية أفراد القبيلة. حتى إن بعض المحاربين أطلقوا عواءات غاضبة وكانوا على وشك مهاجمة سو مينغ، لكن في اللحظة التي كانوا على وشك شن هجماتهم فيها، أوقفهم بطريرك القبيلة على الفور.
حدق العجوز في سو مينغ. كان قد أدرك بالفعل من حالة سو مينغ الحالية أنه إذا شنوا هجومًا استباقيًا وردَّ سو مينغ عليهم، فسيفقد السيطرة بالتأكيد. وفي تلك اللحظة، سيعني ذلك كارثة على قبيلة الثور الأبيض بأكملها.
والأهم من ذلك أن العجوز استطاع أن يشعر بوضوح بإحساس قوي بالخطر قادمًا من جسد سو مينغ. جعل ذلك التهديد قلبه يرتجف. وكان لديه شعور غامض بأن سو مينغ هذا كان أكثر رعبًا حتى مما كان عليه عندما قابله سابقًا.
لم يكن هذا سوى شعور. لم يكن لديه دليل يدعمه.
لم يكن قادرًا على معرفة الكثير بمستوى زراعته. ولم يستطع سوى أن يشعر بشكل غامض بأن الإحساس القوي بالخطر جاء من داخل جسد سو مينغ، كما لو كانت هناك قوة مرعبة كافية لجعله يرتجف، محتواة داخله.
كان الأمر كما لو أن… ذلك الوجود كان يستيقظ ببطء…
“إنها مادة مثيرة للشهوة!”
رأى العجوز الغرابة التي أصابت النساء وسط الخوف الذي كان يشعر به هو نفسه. وبمجرد أن ربط ذلك الشعور الخافت بذلك الأمر، عضّ على أسنانه واتخذ قرارًا سيغضب جميع أفراد قبيلته، لكنهم لن يجرؤوا على مقاومته.
في الواقع، كان ذلك القرار قد يهدد حتى منصبه هو نفسه! وحتى هو وجد صعوبة في النطق به، لكنه كان يشعر بقوة أنه بمجرد أن يُصاب سو مينغ بالجنون، فإن ما ينتظر قبيلتهم هو الإبادة الكاملة.
وكان الأمر أكثر سوءًا لأنه شعر مرة أخرى بتلك القوة التي أرعبته داخل جسد سو مينغ. وأصبحت العلامات على استيقاظ تلك القوة أكثر وضوحًا فأكثر. بل إن معظم أفراد القبيلة الآخرين شعروا بها أيضًا، وارتجفت قلوبهم.
“شيا لا، أهوَا، شياو يون… أنتوا الثلاثة، تعالوا هنا!”
وبمجرد أن عضّ العجوز على أسنانه وقال تلك الكلمات، طارت النساء الثلاث الوحيدات في القبيلة اللواتي يمارسن طرق الشامان إلى الأعلى بعيون لامعة، وساروا نحو سو مينغ الذي كان لا يزال يصارع في الهواء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الترجمة: بلا حدود
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.