مساحة للحكاية، ووقت لك← السعي وراء الحقيقة
الفصل 31: لماذا تبكين يا أيتها السماء الزرقاء؟نحو 10 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 31: لماذا تبكين يا أيتها السماء الزرقاء؟

الفصل31: لماذا تبكين يا أيتها السماء الزرقاء؟

أذهل المنظر المفاجئ سو مينغ لكنه لم يتوقف، بل ركض أسرع؛ كانت طبيعة سو مينغ هكذا؛ إما أن يبتعد عن الأمر برمته، أو أنه سينهي ما بدأه.

في اللحظة التي اقترب فيها من الشجرة، تركزت عليه عينا باي لينغ اللتان كانتا خاليتين من الحياة من قبل، وحدقت في سو مينغ بصدمة، وبينما كانت تحدق تساقطت الدموع من عينيها.

لم تكن هناك أي إشارة إلى التردد عندما اقترب سو مينغ من الشجرة؛ رفع القرن في يده اليمنى وطعن الشجرة الحمراء.

وعندما غرق نصف القرن في الشجرة، تدفق سائل أحمر داكن يشبه الدم، كما خرجت صرخة مكتومة من الداخل.

كانت صرخة مليئة بالغضب وقوية للغاية لدرجة أنها هزت الحوض بأكمله.

كان وجه سو مينغ شاحبًا لكن عينيه كانتا باردتين. وعندما اخترق القرن الشجرة سحبه إلى الأسفل فجأة، فظهر شق عملاق على الشجرة، وتدفق هواء بارد على الفور من الشق.

ظهر الشق عمليًا بجوار باي لينغ. وبمجرد أن انفتح الشق، رأى سو مينغ جسد باي لينغ في الداخل، فلم يتردد ودفع يده إلى الشجرة ليمسك بذراع باي لينغ من الداخل، ثم انتزعها مع هدير منخفض.

وبضربة واحدة فقط، تمكن من أخراج جسد باي لينغ من الشجرة.

صُدمت باي لينغ ونظرت إلى سو مينغ بتعبير مذهول، وسَمَحَت لـ سو مينغ بسحبها بينما انهمرت المزيد من الدموع من عينيها.

وفي تلك اللحظة، انحفر وجه سو مينغ بعمق في عقلها. ومع وجود باي لينغ في قبضته، قفز سو مينغ على الفور إلى الوراء وظل قلبه يدق داخل صدره.

وعندما أوشك على المغادرة، أصبحت الصرخات أقوى بكثير وملأت الحوض بأكمله؛ فمن الشقوق الموجودة على الشجرة ظهرت عشرات من أجنحة القمر، واُستبدل الحزن والخوف على وجوههم بالجنون وشهوة الدم أثناء خروجهم من الشق.

شعر سو مينغ بالرعب وتراجع على الفور؛ فقد كان هناك عدد كبير جدًا من أجنحة القمر، واحتشدوا بكثافة.

خمن سو مينغ أن هناك الآلاف منهم قادمون إليه وإلى باي لينغ مباشرة، وكان هناك المزيد من أجنحة القمر داخل الشجرة.

ومع ذلك، وفي اللحظة التي كانت أجنحة القمر على وشك مطاردتهما فيها، شاهد سو مينغ موجات الحرارة تصطدم بهم، فامتلأت وجوههم بالرعب، وتجمد بعضهم وسقطوا في الصهارة، حيث تحطموا وانقسموا إلى قطع كالأحجار، دون دم أو لحم، بل ارتفعت عاصفة من الهواء البارد فقط من حيث تحطموا.

‘أسطورة قبيلة بيرسيركر النار الخالدة التي تحولت إلى أجنحة القمر صحيحة! لم يخشوا النار في الأصل، ولكن بمجرد تحولهم إلى أجنحة القمر عانوا من طفرة غامضة وأصبحوا خائفين من النار…’

‘ومن خلال ما رأيت، أصبحت أجسادهم باردة كالجليد…’ ضاقت عينا سو مينغ.

وبينما كان يتراجع، ألقى باي لينغ باتجاه مدخل النفق القريب بيده اليسرى.

“لماذا لا تزالين تسرحين في أحلام اليقظة؟! اركضي!” هدر سو مينغ في وجهها.

افاقت باي لينغ من ذهولها وكأنها استيقظت للتو من كابوس، وفي اللحظة التي هبط فيها جسدها عند مدخل النفق، استدارت ونظرت إلى سو مينغ، وعندما كانت على وشك التحدث…

“اركضي!” ركض سو مينغ نحو مدخل النفق.

كانت الصهارة في الحوض قد غطت بالفعل جميع المنازل في القبيلة، ولم يتبقَ سوى عدد قليل من الأسطح.

كان وجه باي لينغ شاحبًا، فتوقفت عن التردد، واستدارت وركضت في النفق.

كانت ساقاها تؤلمانها لكنها تجاهلت ذلك؛ إذ كان الفكر الوحيد في ذهنها هو الهروب من المكان. قفز سو مينغ على أسطح المنازل القليلة المتبقية واتجه مباشرة نحو النفق. ومن خلفه، صرخ عدد كبير من أجنحة القمر لكنهم لم يجرؤوا على المطاردة.

جعلت الصرخات المكتومة وهدير الشجرة أجنحة القمر أكثر هستيرية، فذهب بضع عشرات منهم مباشرة نحو سو مينغ دون اعتبار للحرارة.

ظل الـتشي في جسد سو مينغ يغلي، وانتشرت الأوردة الدموية الأحد عشر عبر جسده. وعندما اقتربت أجنحة القمر، أرجح القرن في يده واندفع نحو النفق.

حدث كل هذا خلال فترة زمنية قصيرة، ومع ذلك، عندما وصل سو مينغ إلى النفق، سقطت بعض أجنحة القمر التي طاردته وتحطمت على الصهارة.

كان قلب سو مينغ ينبض بسرعة لكنه ظل هادئًا؛ فكل شيء كان يسير وفقًا للخطة. ولو أنه قرر الانتظار لفترة أطول قليلاً حتى تصبح الصهارة أكثر كثافة قبل أن يتصرف، لما كانت الأمور بهذه السهولة، ولكان المزيد من أجنحة القمر سيلحقون به.

عندما دخل إلى النفق، كانت أقدام سو مينغ تنبعث منها رائحة كريهة للحم محترق، ورغم هذا لم يتوقف، بل ركض أسرع.

ومن خلفه، طافت جميع أجنحة القمر في الحوض لكنهم لم يتابعوا المطاردة، إلا أن هناك البعض ممن تمكنوا من اقتحام النفق رغم مقتل العديد من رفاقهم، وهرعوا نحو سو مينغ.

‘أجنحة القمر خائفة من الحرارة… لهذا لا تجرؤ على الخروج من الشجرة، ولكن كلما ابتعدنا، انخفضت الحرارة أيضًا…’

بينما كان سو مينغ يركض، أصبحت الصرخات خلفه أكثر وضوحًا.

‘يجب أن أقتل جميع أجنحة القمر التي تلاحقنا… لا يجب أن يبقى منهم أحد!’ نظر سو مينغ إلى الحجر الكبير الذي قطعه سابقًا عندما دخل، وركض على الفور نحوه.

والقرن في متناول يده، استدار ورأى أربعة أجنحة من أجنحة القمر تندفع نحوه بمظهر وحشي على وجوهها وصوت أجنحتها يزداد علوًا.

كان وجه سو مينغ شاحبًا لكن عينيه ظلتا هادئتين. وقبل أن تصل إليه أجنحة القمر الأربعة مباشرة، ركل سو مينغ الحجر الكبير.

كان قد قاس حجم الحجر سابقًا، وكان تقريبًا بنفس حجم النفق. وعندما ركل الحجر من خلال تركيز كل قوة الـتشي في ساقه، طار الحجر وسد النفق كالباب!

كان لدى سو مينغ دائمًا توقيت لا تشوبه شائبة؛ ووفقًا لحساباته، يمكن للباب الحجري أن يعطل ثلاثة من أجنحة القمر مؤقتًا، أما البقية فسيقتلها بالقرن الذي في يديه مستغلاً الحرارة في النفق لصالحه.

ومع ذلك، فإن أجنحة القمر كانت سريعة للغاية؛ إذ نجح الحاجز الحجري في إيقاف اثنين منهم فقط، بينما تجاوز الاثنان الآخران الحاجز واندفعا نحوه.

عبس سو مينغ وركض إلى الأمام على الفور؛ فحتى لو تمكن من قتل هذين الاثنين فسوف يصاب، وإلى جانب ذلك كان لا يزال يملك خطة أفضل.

كلما ركض زادت سرعة ملاحقة أجنحة القمر له. وعلى بُعد أقل من 100 قدم منه، كان هناك حجر آخر بنفس الحجم.

وبينما كان يمر بجانب الحجر، استخدم سو مينغ تجربته السابقة وركل الحجر. ومع اصطدام عالٍ، طار الحجر وسد النفق؛ فأعاق أحدهما بينما هرب الآخر.

وفور اندفاع الآخر نحو سو مينغ، ازداد الوهج البارد في عيني سو مينغ. لم يعد يتراجع بل اختار المضي قدماً بالقرن في يده.

قاتل سو مينغ جناح القمر على الفور في النفق. ولو لم يسلك سو مينغ طريق البيرسيركر لما استطاع المقاومة، ناهيك عن القتال.

ومع ذلك، فقد أظهر بالفعل 11 وريدًا دمويًا، وكان مجهزًا أيضًا بقرن حاد للغاية، لذا كانت له اليد العليا بالكامل في المعركة ضد جناح القمر هذا.

طعن سو مينغ جناح القمر وقفز على الفور مبتعدًا.

ومع ذلك، تعافى الجرح الذي تركه على جسده بسرعة. بدا جناح القمر بطيئًا قليلاً ولكنه لم يظهر أي علامات تدل على قربه من الموت.

ضاقت عينا سو مينغ وسرعان ما أحدث بضع جروح أخرى على المخلوق كي لا يتمكن من التعافي خلال فترة قصيرة، ثم استدار بسرعة وهرب.

وبينما كان يركض، ظل يركُل الحجارة التي وضعها في النفق سابقًا كلما رآها، لتصبح عوائق في النفق أمام أجنحة القمر.

وكلما توقف لركل الحجارة كانت سرعة سو مينغ تقل، وفي غضون أنفاس قليلة، عبر النفق ووصل إلى منطقة الكهف المحاطة بالعديد من الثقوب الصغيرة الأخرى.

“أنا… أنا هنا!” في اللحظة التي وصل فيها، سمع سو مينغ باي لينغ تناديه بصوت ضعيف.

رأى باي لينغ تختبئ في إحدى الثقوب الصغيرة بوجه شاحب ومرعوب وهي ترتجف.

كانت باي لينغ قد وصلت منذ فترة لكنها لم تكن تعرف مكان المخرج، ولم تجرؤ على التحرك بتهور خوفًا من أن تصطدم بأجنحة القمر مرة أخرى.

لم تكن باي لينغ أمام عيني سو مينغ تلك الفتاة الفخورة والأنيقة في الساحة، بل كانت كحيوان صغير خائف.

ضحك سو مينغ عندما رأى القلق في عينيها. “أنت… كيف يمكنك أن تضحك؟!” كانت باي لينغ في حالة عصبية شديدة، وكانت على وشك مواصلة الحديث عندما اقترب منها سو مينغ بسرعة وأمسك بذراعها وركض نحو إحدى الثقوب العديدة القريبة.

“هذا هو المخرج؟” همست له بهدوء.

ولسبب ما، بعد أن نظرت باي لينغ إلى سو مينغ، قلّ خوفها. أومأ سو مينغ برأسه ولم يتحدث، بل أمسك بذراع باي لينغ وركض نحو النفق بأقصى سرعة.

كان يسمع أنفاس باي لينغ، وكان الصوت لطيفًا جدًا على الأذن.

تسارعت ضربات قلب سو مينغ، ولم يعلم ما إذا كان ذلك بسبب الجري أم بسبب ملمس الجلد الناعم الذي كان يلمسه بيده. لم تتحدث باي لينغ مرة أخرى، وتركت سو مينغ يمسك بيدها أثناء مرورهما عبر الأنفاق الخطرة.

دق قلبها في صدرها وشعرت تدريجيًا بنفس شعور سو مينغ؛ فسمحت لتلك المشاعر بأن تبدد خوفها ويأسها. لكن الصمت لم يدم طويلاً؛ إذ سرعان ما أعاد سو مينغ باي لينغ إلى المكان الذي استخدمه لصقل الأعشاب.

وعندما وصلوا، ترك سو مينغ يدها وقام بقطع الثقوب الصغيرة على الأرض باستخدام القرن، والتي كانت تبدو وكأنها تضيء بالنار، وكان في منتصف العملية يعبس أحيانًا وكأنه يفكر في شيء ما.

كانت هناك أيضًا نار مشتعلة تحت المرجل في مكان غير بعيد. راقبت باي لينغ أفعال سو مينغ بقلق متزايد.

وحتى ذلك الحين، كانت تشعر أن كل شيء مجرد حلم؛ فقد سقطت في اليأس عندما ألقى أجنحة القمر القبض عليها، ولكن الأحداث التي وقعت عندما وصل سو مينغ جعلتها تعتقد أنها تحلم.

في تلك اللحظة، تردد صوت صرخات حادة في الأذنين من أعماق الكهف، وأصبحت أقوى بمرور الوقت، وكانت تقترب بسرعة كبيرة.

ارتجفت باي لينغ واقتربت من سو مينغ غريزيًا. وقبل أن تتمكن من الاقتراب أكثر، أمسك سو مينغ بيدها وتجاوز الفتحات الصغيرة فور نظره إلى الكهف.

بعد فترة وجيزة، ازداد صوت الصرخات بشكل كبير، وتوجهت ثلاثة من أجنحة القمر نحوهم بشراسة.

ارتجفت باي لينغ وكانت على وشك التراجع عندما رفع سو مينغ قرنه وشق الأرض التي تدفقت منها النار باتجاه المرجل، وربط الشق بخط آخر.

ارتفعت ستارة من النار على الفور من الأرض، وكانت قوتها شبيهة ببحر من النار. أحاط بحر النار بأجنحة القمر الثلاثة التي كانت تندفع نحوهم، ورنّت صرخات حزينة في الهواء، ثم تحطمت على الأرض، وهبت رياح باردة من بقاياهم واختلطت بالنار.

كان وجه سو مينغ كئيبًا تحت إضاءة النار، بينما أصبحت باي لينغ التي تقف خلفه أكثر ارتعابًا.

“إنهم… يخافون من النار؟” سألت باي لينغ بهدوء بعد فترة.

“لقد كانوا يُبجلّون النار ويرفعون قدرها عندما كانوا لا يزالون بشرًا؛ كانت النار هي مجدهم. ولكن عندما تحولوا إلى أجنحة القمر، لم يفقدوا وعيهم وأجسادهم فحسب، بل فقدوا مجدهم أيضًا…”

“لم يخافوا من النار بعد أن فقدوا مجدهم، بل شعروا بالذنب تجاهها… عاشوا بالنار وماتوا بالنار…” تمتم سو مينغ، وقد تذكر السطر الوحيد الذي شاهده عندما وقف في أنقاض قبيلة بيرسيركر النار.

“لماذا تبكين يا أيتها السماء الزرقاء؟”

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الترجمة: بلا حدود

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.