مساحة للحكاية، ووقت لك← السعي وراء الحقيقة
الفصل 29: القبيلة القديمةنحو 9 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 29: القبيلة القديمة

الفصل29: القبيلة القديمة.

سار سو مينغ إلى الأمام نحو الأجزاء الأعمق ببطء وحذر. وظل يقظًا على الطريق، متأكدًا بانتظام من أن الطريق آمنٌ قبل أن يتقدم أكثر. وأثناء تحركه، تمسك أيضًا بالقرن ونشّط الـ "تشي" في جسده، مُعدًا نفسه للقتال بقوة جميع الأوردة الدموية الـ11 في كل الأوقات.

كما بحث عن أماكن اختباء محتملة على طول الطريق، حتى يستطيع إخفاء نفسه في حال وجود أي خطر، أو عندما تعود أجنحة القمر فجأة.

كان سو مينغ مليئًا بالفضول تجاه المجهول، لكن حذره أبقى فضوله تحت السيطرة، وكان الأمر كذلك بشكل خاص في مثل هذا المكان الخطير.

كلما تقدم إلى الأمام، كان الكهف يزداد برودة. ومع زيادة مفترقات الطرق، زادت أيضًا سرعة سو مينغ.

كان المكان مظلمًا تمامًا من حوله، وكان هناك الكثير من الشقوق على الجدران. ومن خلال مظهرها، كانت ناتجة عن سنوات من الحرارة. ومع ذلك، لاحظ سو مينغ أن بعض الشقوق قد تشكلت مؤخرًا؛ إذ كان اللون على تلك الجدران مختلفًا عن بقية الأجزاء.

‘هذا غريب… لا بد أن هذه الشقوق قد تشكلت مؤخرًا… ما نوع الطاقة التي يمكن أن تتسبب في تشقق الجدران مجددًا؟’

بدأ الجواب يتشكل في رأس سو مينغ:‘هل يمكن أن يكون ذلك بسبب التبريد المفاجئ بعد حرارة شديدة، مما تسبب في انفجار قوة لا يمكن تصورها من الطاقة؟’

خدش سو مينغ رأسه. لم يفكر في الأمر بعمق، بل أبقاه في ذهنه.

لم يعلم كم من الوقت قد مضى، لكنه شعر وكأنه وقت طويل. وفجأة توقف؛ إذ كان من الواضح أن الكهف أمامه قد أصبح أكبر بكثير، بل كلما توغل إلى الداخل اتسع أكثر.

‘هل وصلت إلى الأجزاء الأعمق من الكهف؟!’

تفحص سو مينغ محيطه وسار إلى الأمام ببطء. وقبل وقت طويل، اتسع الكهف أمامه بشكل أكبر. وعندما وصل أخيرًا إلى نهايته، أخذ سو مينغ نفسًا عميقًا وبدأ يفكر وهو يلاحظ المشهد أمامه.

كان أمامه كهف بحجم قبيلته، وتحيط به العشرات من الثقوب الصغيرة الأخرى. وكانت الفتحة التي خرج منها سو مينغ واحدة منها.

في صمته، تقدم سو مينغ إلى الأمام وعيناه تلمعان. نظر إلى الثقوب الصغيرة الأخرى في الكهف، ثم ضيق عينيه وقفز إلى الأمام، متوقفًا عند مدخل كل حفرة ليلقي نظرة.

وبمجرد أن تفحص جميع الثقوب الصغيرة، حدق سو مينغ في إحداها، وبدون أي تردد زحف إلى الداخل؛ فمن بين كل الكهوف الصغيرة، كان هذا الكهف الوحيد الذي تنبعث منه رائحة دم كريهة.

كان من الواضح أن أجنحة القمر قد طارت من هذه الحفرة.

وبينما كان يركض، توقف سو مينغ أحيانًا للتفكير، وحين يفعل ذلك، يقطع قطعة كبيرة من الصخور من الجدران المحيطة به باستخدام القرن، بحيث تكون الصخرة بطول النفق.

كان الأمر مزعجًا، لكن سو مينغ أصر على فعله. فقطع عدة صخور بنفس الحجم وهو يتقدم إلى الأمام.

وفي كل مرة كان يقطع فيها صخرة، يضعها جانبًا بمجرد تعديل موضعها بشكل صحيح.

وتدريجيًا زادت سرعة سو مينغ مع احتفاظه بحذره. كان يستطيع التمييز أنه يسير نحو قاع الجبل، ولهذا السبب أصبحت المنطقة أكبر. واصل سو مينغ الجري نحو الأسفل، ولم يمضِ وقت طويل حتى شعر أنه قد قطع مسافة طويلة، قبل أن يرى تدريجيًا ضوءًا أحمر أمامه.

كان الضوء الأحمر يشبه النار، لكنه لم يتمكن من تحديد ماهيته.

عندما رأى الضوء الأحمر الشبيه بالنار، تباطأ سو مينغ، ودق قلبه في صدره. وفي مكان ما في ذهنه، شعر أنه على وشك الوصول إلى النهاية. ومع اقترابه، تملكه حدس بأن الدم في جسده سيبدأ بالغليان… لم يكن شعورًا غريبًا عليه.

كانت الصخور على الجدران تحمل خدوشًا عديدة، وكان هناك أيضًا بعض علامات العض عليها، مما أضفى أجواءً غريبة جعلت سو مينغ يتوتر. ومع ذلك، لم يتوقف، بل واصل السير نحو الضوء الأحمر.

كانت تلك بالفعل نهاية النفق. وبدلاً من وجود طريق يمتد للأمام، كان هناك كهف نار ضخم في ذلك المكان. ظل سو مينغ في حالة تأهب، ووقف عند المخرج ونظر إلى الأسفل.

وما إن فعل ذلك حتى وقف مذهولاً كأنما ضربته صاعقة، ثم أخذ غريزيًا بضع خطوات إلى الخلف، وأخذ نفسًا حادًا.

كان هناك حوض ضخم في الكهف، وداخله العديد من الصواعد الحادة التي تشبه الأشواك وتتخذ شكل تلال. كانت تلك الهياكل الشائكة رمادية بالكامل، لكنها تنبعث منها باستمرار رياح باردة تحيط بالمنطقة، مما أدى إلى انخفاض درجة الحرارة في الكهف إلى البرد القارس.

لم يؤثر ذلك كثيرًا على سو مينغ، بل ما أدهشه حقًا هو ما وجده مغطى بالأشواك الباردة داخل الحوض!

لقد كانت قبيلة!

كان هناك العديد من المنازل المصنوعة من الحجر، إضافة إلى حاجز وبرج مراقبة حجريين. حتى أن سو مينغ رأى الأواني الحجرية المستخدمة لطهي الأرز منتشرات في كل مكان بالقبيلة.

وعلى الجدران الخارجية لكل منزل، كانت هناك رسمة لشكل يشبه النار المشتعلة!

كانت جميع المنازل المصنوعة من الحجر ضخمة ومبنية بطريقة منظمة، وتبدو أكثر فخامة مقارنة بالمنازل في قبيلة الجبل المظلم.

حتى أن سو مينغ رأى طرقًا مصنوعة من الحجر، وكان هناك عدد كبير من الأحجار البارزة على بعض المسارات الأصغر أيضًا. استغرق سو مينغ وقتًا طويلاً في ملاحظتها، لكنه لم يمتلك أي فكرة عن الغرض من تلك الأرصفة الصغيرة.

لم تكن قبيلة عادية أو قبيلة كاملة.

سقطت نظرات سو مينغ على بعض المنازل عند حافة القبيلة؛ إذ بدا أن تلك المنازل قد قُسمت بواسطة قوة غامضة، ولم يتبقَ منها سوى نصفها داخل الحوض.

أما النصف الآخر، فلم يعلم أحد أين ذهب…

وكان الأمر كذلك في أرض القبيلة؛ فإلى جانب الأرصفة الحجرية، كانت الأجزاء الأخرى تبدو كالتراب، مما شكل فارقًا واضحًا عن حجارة الجبل.

تسارعت أنفاس سو مينغ، وأثناء تعجبه من المنظر أمامه، تذكر ما قاله الشيخ ذات مرة، أسطورة قبيلة بيرسيركر النار… وتدريجيًا، بدأت صورة تتشكل في رأسه. وفي هذه الصورة، رأى قبيلة عملاقة تبدو وكأنها تمتد إلى ما لا نهاية عبر الأرض.

كانت جميع المنازل في القبيلة مصنوعة من الحجر، وعلى جدرانها رموز نار مشتعلة تمثل شعار القبيلة!

ولكن في يوم من الأيام، حدث تغيير داخل القبيلة؛ إذ قُسمت بواسطة قوة مجهولة وحُطمت. كما قامت تلك القوة المجهولة بتفريق القبيلة وأفرادها مع الأرض التي بُنيت عليها، ورُغموا على الانفصال.

فتحول جزء صغير من القبيلة والأرض إلى الجبل المظلم…

‘لم تكن هذه أسطورة…’

نظر سو مينغ إلى المشهد الغريب والمذهل أمامه.

مسح بنظره أرجاء القبيلة، وعندما نظر إلى وسطها، ضاقت عيناه.

كان هناك شيء غريب في الوسط!

لقد كانت شجرة عملاقة، أو بشكل أكثر دقة، بدت وكأنها شجرة عملاقة! كان كل شيء فيها يشتعل باللون الأحمر وينبعث منه ضوء يشبه النار. وكان الضوء الذي رآه سو مينغ ينبعث في النفق صادرًا من هذه الشجرة العملاقة.

كانت الشجرة بضخامة عشرات الرجال البالغين، وقد اخترقت جذورها الأرض بدا وكأنها توغلت فيها لأعماق لا يعلمها أحد.

جذع الشجرة فقط هو ما كان مرئيًا، بينما اخترق جزؤها العلوي سقف الكهف.

‘شجرة تنمو داخل جبل الشعلة السوداء…’

حدق سو مينغ في الشجرة، وهناك رأى بعض الزهور الحمراء المألوفة وهي تعرض جمالها الساحر.

وبينما كان ينظر إلى الزهور الحمراء، تذكر سو مينغ المشاهد الغريبة التي رآها في المستنقع بالغابة.

صرف سو مينغ بنظره بعيدًا عنها في صمته، ونظر إلى أنقاض القبيلة التي دُفنت تحت ركام الزمن، فتشكل حزن مفاجئ في صدره. تنهد وققز إلى الأسفل وسط أنقاض إحدى قبائل البيرسيركر الثمانية العظيمة، التي قاتلت ضد سامي الـبيرسيركر.

‘إذن، لا بد أن أجنحة القمر هي كما وُصفت في الأساطير؛ إنهم الشكل المتغير لأفراد قبيلة بيرسيركر النار الذين مُنحوا الخلود بسحر شيخ القبيلة… ولكن… هذا أمر لا يصدق! كيف يمكن أن يوجد مثل هذا السحر حقًا؟… ما مدى قوة شيخ قبيلة بيرسيركر النار؟’

‘يُذكر في لفافة جلد الوحوش أنه بعد عالم تكثيف الدم يأتي عالم الصحوة، وبعد عالم الصحوة يأتي عالم التضحية بالعظام. لم يكن هناك أي ذكر لما يأتي بعد عالم التضحية بالعظام، إلا أن الممارسين في ذلك العالم يُعرفون باسم أسياد البيرسيركر.’

وبينما كان سو مينغ ينظر إلى أنقاض القبيلة أمام عينيه في صمت، بدأ يسير إلى الأمام.

كانت القبيلة خاوية؛ فبصرف النظر عن المنازل وبعض الأشياء المنتشرة هنا وهناك، لم يرَ سو مينغ حتى أي عظام ملقاة، وكان الصمت يلف المكان.

صعد بهدوء إلى الرصيف الصغير المليء بالحجارة البارزة، وعندما داس عليها، شعر بها تحت قدميه. خفض رأسه ونظر إلى الرصيف، لكنه لم يستطع معرفة الفائدة منه. واصل السير ببطء إلى الأمام، لكنه توقف فجأة عندما لمح شيئًا بطرف عينه. أدار رأسه نحو ذلك الاتجاه ورأى جثة معلقة على الحائط، كانت تقع عند الحدود التي قُطعت عندها القبيلة!

كانت الجثة مخفية خلف بعض المنازل، ولهذا السبب لم يرها سو مينغ في البداية. ولكن أثناء وقوفه هناك، استطاع رؤيتها بوضوح.

في اللحظة التي رأى فيها الهيكل العظمي، ضاقت عينا سو مينغ؛ فقد كانت هذه الجثة الوحيدة التي رآها في المكان. مشى نحوها بسرعة، وعندما تدقق النظر فيها، ارتجف سو مينغ.

كانت الجثة غريبة جدًا؛ فالنصف العلوي منها يعود لجسد إنسان ولكنه ذابل، أما النصف السفلي فكان أكثر غرابة، إذ بدا وكأنه ذاب وتحول، فكان مختلفًا عن الهيكل العظمي للشخص الطبيعي. كما بدا أن شكل زوج من الأجنحة قد بدأ يتشكل على ظهره. وبالنظر إلى الجثة، كانت تبدو شبيهة بأجنحة القمر!

كان الأمر وكأن الشخص قد بدأ يتغير شكله قبل وفاته. كان بإمكانه تخيل ألم شخص يتحول إلى أجنحة القمر، ولكن لم تكن هناك أي معالم ألم على وجه الجثة، بل كان يظهر عليها الاستهزاء والفخر فقط!

ولم يكن معروفاً من الذي كان يسخر منه…

اخترقت سبابة يده اليمنى الحائط الحجري بجانبه. رفع سو مينغ رأسه لينظر إلى الجدار الحجري بجوار الجثة، ورأى سلسلة واضحة من الكلمات المكتوبة على الحائط!

كانت كلمات بلغة قبيلة البيرسيركر!

وفي اللحظة التي نظر فيها سو مينغ اليها، تردد صوت رفرفة الأجنحة عبر مدخل النفق، وكان هناك هدير يقشعر له الأبدان ممزوجًا بينها. واستطاع سو مينغ أن يسمع بشكل غامض صرخات اليأس وسط أصوات الرفرفة والصخب!

لقد عادت أجنحة القمر!

تغيرت تعبيرات وجه سو مينغ على الفور.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الترجمة: بلا حدود

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.