الفصل 30
***
تنفس خفيف، ما إن غطت ليليث في النوم بعمق بجانبه، حتى فتح تشيشير عينيه.
فهو لم يكن نائماً منذ البداية.
كيف له أن ينام براحة وهدوء في سرير ليس له.
‘يا لها من فتاة غريبة حقاً.’
حدق تشيشير في وجه ليليث النائمة بعمق وهدوء، ثم حرك جسده بحذر ليتمدد مقابلاً لها.
‘غريبة جداً حقاً.’
ما الذي حدث بحق الخالق خلال يوم واحد فقط اليوم؟
اللقاء الأول، في أزقة العاصمة.
في البداية، اعتبر تشيشير قلق ليليث واهتمامها به مجرد نفاق أرستقراطي مألوف.
واليوم، اللقاء الثاني.
حين ذهل لرؤية ليليث التي وصلت بنفسها حتى قصر الماركيز.
وظن أن إنقاذها له دون أي مصلحة مسبقة لم يكن سوى نزوة عابرة من فتاة تملكتها الرغبة المؤقتة في التسلية لا أكثر.
‘أجل، هذا هو التفسير المنطقي الوحيد.’
كثيراً ما رأى أبناء العامة يتركون ويهملون كالدمى المستهلكة حين يمل النبلاء منهم، ليطردوا لاحقاً من حياتهم.
ورغم ذلك، اعتبر نفسه محظوظاً لأنه حصل على مرقدٍ ومكان يؤويه دون جوع مؤقتاً…
إن لم يكن يتمنى الموت تحت تعذيب والده أو الموت وحيداً في الشارع، فسيحاول الاستفادة بذكاء من هذه النزوة المؤقتة لتلك الفتاة النبيلة الصغيرة…
هكذا فكر تماماً.
لكن.
『”سأصبح عائلتكَ بكل تأكيد.”』
‘لماذا تقولين مثل هذه الكلمات؟’
قطب تشيشير جبينه وهو يحدق في وجه ليليث النائمة.
‘أمر غريب حقاً.’
رغم أنها كانت تكرر مراراً وتكراراً أنها تعتبره “لعبة”، لم يكن مغفلاً لدرجة ألا يلاحظ أن ليليث كانت تراعي مشاعره وتعتني به بشتى الطرق.
فقد عاش عمره كله على ملاحظة نظرات الآخرين وردود أفعالهم.
ولأن هذا الاهتمام كان يشعره بالتوتر، كانت الكلمات القاسية والباردة تخرج من فمه دائماً.
“أنا لا أثق بكِ.”
همس لنفسه بهدوء محذراً.
فقد كان متعباً ومنهكاً للغاية، ولم يعد يملك طاقةً للثقة بأحد قط.
حين كانت أمه التي تضربه كل يوم تكرر بعد ذلك اعتذارها باكية وتقول إنها آسفة، صدّقها كالأحمق…
وكان يتمنى، ربما، أن يعتبره والده ابناً حقيقياً له، رغم أنه لم يحتضنه يومًا، لكنه لم يضربه على الأقل.
لكن ثمن تلك الثقة كان قاسياً ومدمراً.
تخلت عنه أمه، وكاد والده يقتله.
حتى الدماء المشتركة تخون الثقة، فما بالك بالغرباء…
“بما أنكِ ستتخلصين مني لاحقاً، فلا تعامليني بلطف.”
“……”
أما ليليث النائمة بعمق فكانت تبتسم بسعادة في نومها، وكأنها تحلم حلماً جميلاً، تطلق أنفاسها بانتظام.
‘لا أريد التعرض لمزيد من الجراح بعد الآن.’
شعر وكأن إعجابه المفاجئ بهذا الدفء العابر خلال يوم واحد فقط يجعله يبدو كشخص أحمق.
مدّ تشيشير يده وأزاح الغطاء الذي غطته به ليليث.
***
‘لماذا لا يغطي نفسه… لماذا تنام أميرتنا الصغيرة مغطاة وحدها هكذا؟’
ما إن دخل إينوك إلى غرفة ليليث ووجد الطفلين نائمين على السرير حتى ابتسم بسخرية خفيفة.
غطى تشيشير، ووجد بجانب رأسه النائم عميقاً عشر لوحات لقناديل البحر مرسومة بعناية فائقة.
‘يا له من فتى، مهارته مذهلة حقاً.’
كانت الرسوم دقيقة لدرجة تبدو فيها القناديل وكأنها ستتحرك من اللوحة، مما أثار دهشته.
أما ليليث فكانت…
‘أهذه قناديل بحر حقاً؟’
هل هي قناديل بحر ذات طابع شخصي فريد؟
مزجت بين اللونين الفضي والرمادي بعشوائية مع نقطتين زرقاواتين كأنهما عيون.
‘ألا تشبهني أنا أكثر من كونها قنديلاً بحرياً؟’
بالتأكيد، كانت قوة ملاحظة إينوك حادة ونافذة.
وبينما كان يمد الغطاء ليشمل كلا الطفلين معاً، لمح خط ابنته المائل وغير المنضبط مكتوباً في زاوية الورقة.
فابتسم بشكل عفوي.
انحنى إينوك وطبع قبلة رقيقة على وجنة ابنته النائمة بهدوء، وهمس:
“احلمي أحلاماً سعيدة. أميرتنا.”
***
في اليوم التالي.
خشخشة الخشخشة.
كنت أحل المسائل بتركيز شديد بينما ألقي نظرة خلسة من نافذة غرفة الدراسة نحو الخارج.
كان تشيشير جالساً بهدوء بمفرده في الحديقة المشمسة.
‘يبدو أن ضَجرٌ حقاً. لو كان بإمكانه اللعب مع أخويّ عندما أكون في الدرس لكان ذلك رائعاً.’
منذ ذلك الرفض الحاد الذي أبداه ليون بالأمس، لم يظهر التوأمان طوال الصباح.
“أوف.”
“هاااه…”
وفي تلك اللحظة، صدر صوت تثاؤب طويل من جانبي.
التفتُ لأجد أوسكار يميل بكرسيه للخلف بملل واضح وهو يغض بملامح وجهه.
“الأمر ممل حقاً.”
“إذن ما كان عليكَ أن تأتي…”
“ألم نتفق على عقد درس خاص معك مرة واحدة في الأسبوع؟ لا يمكنني التراجع عن كلمتي الآن.”
كان اليوم موعد درس الرياضيات الخاص برفقة سيد البرج السحري أوسكار.
كنا نعمل حالياً على حل معادلات الدرجة الثانية، وبما أنني لم أطرح أي أسئلة صعبة، وجد أوسكار الدرس مملاً للغاية.
أشرت بإصبعي نحو إحدى المسائل كمن يقدم تنازلاً:
“لا أفهم هذه المسألة، اشرحها لي من فضلك.”
“كذبة واضحة. أنتِ تفهمينها جيداً.”
ابتسم أوسكار باستهزاء ومسح ورقة المسائل جانباً.
“لا بأس، فحل أسئلة تفقهينها مسبقاً يسبب الضجر لكِ أنتِ أيضاً، أليس كذلك؟”
“أنا لست أفهم كلّ شيءٍ تماماً في الواقع…”
“حسناً، حسناً، ليكن ما ترين.”
انحنى أوسكار للأمام مستنداً بذقنه على يديه ناظراً إليّ، وظهر قرطاه الذهبيان الطويلان يلمعان بين خصلات شعره الأبيض الناعم.
“ستذهبين قريباً إلى معهد التدريب، أليس كذلك؟ رغم أن سن الالتحاق الإلزامي هو التاسعة… إلا أنه يمكن للجميع الدخول ابتداءً من السابعة إن أرادوا. متى يوم ميلادك؟”
“في التاسع عشر من مايو.”
“لم يتبق سوى أقل من شهر إذن. وستلتقين بوالدتك هناك، أليس كذلك؟”
“عفواً؟”
فاجأتني كلماته غير المترابطة تماماً.
“والدتي؟ تقصد من؟”
“ما الأمر، ألم يخبرك والدكِ بذلك؟”
ضيّق أوسكار عينيه بابتسامة خبيثة كمن أمسك بصيد ثمين:
“هل يُولد الأطفال من النفايات؟ ألا تعلمين أن لديك والدة؟”
“أـ، أوه. لا، ليس الأمر هكذا…”
لأكون دقيقة، لم أفكر بالأمر بعمق أبداً. ولم يسبق لأبي أن ذكر أمي أمامي قط.
حين سألت السيد جيمس براون يوماً في زينون قائلة: “لماذا ليس لدي أم؟” أجابني―
『”هي، هي غادرتِ المنزل منذ أن كنتِ طفلة رضيعة…”』
―هكذا قال متملصاً من الإجابة.
‘على كل حال، من الطبيعي أن تكون لي أم في مكان ما. وربما تعيش في العاصمة.’
كلُّ ما ورد في الرواية الأصلية كان حقيقة ضياع الابنة وفقدانها فقط.
دون ذكر أي سطر واحد عن زوجة إينوك روبنشتاين.
‘يا الهي، حتى ثوانٍ معدودة مضت لم أكن أفكر في هذا الأمر إطلاقاً…’
لكن ما إن سمعت بموضوع أمي من أوسكار، حتى بدأ قلبي ينبض بقوة وخفقان متسارع.
“هـ، هل تعرف أمي يا سيدي؟”
“بالتأكيد أعرفها. إنها شخصية مشهورة للغاية.”
“كيف هي؟”
“أترغبين بمعرفتها؟ من ردّة فعلِك يبدو أنك تسمعين عنها للمرة الأولى. أليس غريباً أن يتكتم أبوك وبقية أفراد هذه العائلة على الأمر… ألا ترين أن هناك سبباً لديهم لإخفاء ذلك عنكِ؟”
بلعت ريقي بصعوبة.
“أنا، أنا فضولية جداً، أرجوك أخبرني.”
“بما أنك ترغبين، سأخبركِ إذن. إنها سيلينا روندولف، زوجة الماركيز. كانت ساحرة لامعة، لكنها تقاعدت قبل خمس سنوات وتعمل الآن باحثة في معهد تدريب أصحاب القدرات.”
زوجة الماركيز؟
حين أملت رأسي بعدم فهم، أضاف أوسكار ضاحكاً بسخرية:
“بعد أن اختفى أبوكِ، لم تلتفت خلفها وتزوجت مجدداً من الماركيز روريندورف دون تردد، ولديها ابن منه الآن.”
“آه، هكذا، هكذا إذن…”
“ماذا؟ أتشعرين بالصدمة؟ ألا تبدو وكأنها لا تكترث إن كنتِ حية ميتة؟ إن رؤيتها تتزوج رجلاً آخر وتنجب أطفالاً وتعيش بسعادة قد يوضح لكِ الكثير.”
بدل أن يقلق من شعوري بالصدمة، بدا أوسكار متعمدًا إثارة خيبة أملي بابتسامة مستفزة، فهزرت رأسي بنفي هادئ:
“لا، لم أصدم أبداً.”
“أحقاً؟”
“نعم. فلأمّي حياتها الخاصة أيضاً. هي شابّة وموهوبة، ولها كامل الحق في عيش الحياة التي ترغب بها وتفعل ما تحب.”
“حسناً، ربما. كانت ساحرة شابة موهوبة ومن عائلة عريقة أيضاً. لذا تزوجت بأبيكِ الأكثر شهرة آنذاك. وهل توجد رومانسية حقيقية في صفقات زواج النبلاء أصلاً…”
تمتم أوسكار متكئاً على كرسيه ثم تابع:
“لكن ألا ترين أن الأمر مبالغٌ فيه؟ ربما تنسى الأب، لكنك ابنتها التي حملت بها وأنجبتها بنفسها، ألا تهمينها؟”
“لكن أبي هرب بي فور ولادتي مباشرة، أليس كذلك؟ ربما لم تكن تعلم أين أنا من الأساس، فما كان بوسعها فعله؟”
“هيه، يا لكِ من ساذجة.”
سحب أوسكار كرسيه ليقترب ودفعَ أنفي بإصبعه بمرح:
“أمّك ليست بريئة. إنها ساحرة شابة من فئة دوس لم تجاوز الثلاثين بعد. لكن كيف لها أن تتقاعد مبكراً وتستقر براحة كباحثةٍ في معهد التدريب؟”
“……”
“الشخص الذي كشف للإمبراطور عن مكان اختباء أبيكِ وأين كنتما تعيشان… هي تلك المرأة بالتحديد.”
“…عفواً؟”
“وكان ثمن ذلك هو تقاعدها المريح، وضمان حصول ابنها على الإعفاء من التجنيد العسكري الإجباري كجندي طفل. أتعرفين معنى هذا الكلام؟”
“……”
“لقد باعتكِ أنتِ، ابنتها، من أجل ابنها الآخر.”
بوم.
في تلك اللحظة، شعرت وكأن قلبي هوى وسقط في قاع الهاوية بسبب كلمات أوسكار..
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.