الفصل 213: الفصل
213
الفصل 213
“وما شأني أنا بكلِّ ذلك.”
عندَ جوابِ تشيشير الجليديّ، سقطتْ ذراعا ليون، اللَّتانِ كانتا تائهتَينِ في الهواء، بلا حولٍ ولا قوَّة.
“أنتَ……”
نظرَ تشيشير إلى ليون بعينينِ خاليتَينِ من أيِّ مشاعر، ثمَّ غادرَ المكان.
طَـرَاخ.
بابٌ أُغلِقَ ببرود.
“هاه، حقًّا……”
أطلقَ ليون المتروكُ وحيدًا ضحكةً يائسةً خائرة.
***
ألصقتُ وجنتي بنافذةِ مكتبِ أوسكار وتطلَّعتُ إلى الخارج.
‘متى سيأتي أبي بحقّ ……’
فأبي الذي وعدَ بالمجيءِ لاصطحابي، لم يأتِ حتى الآن.
التفتُّ إلى الوراءِ بتردُّد.
كانَ أوسكار يجلسُ صامتًا دونَ أن ينطقَ بحرفٍ واحدٍ طوالَ ثلاثينَ دقيقة. مخيف.
‘أجل، أنا الحمقاءُ التي فكَّرتْ في إخفاءِ شيءٍ عن هذا العبقريِّ الثَّاقبِ البصيرة.’
حاولتُ كتمانَ مسألةِ إنقاذي للجنينِ وتمريرَها بهدوء، خشيةَ أن يثورَ غضبُهُ إن علمَ بذلك.
لكن يا للمفاجأة، من كانَ يظنُّ أنَّ أوسكار كانَ يعلمُ بالفعلِ بحملِ أمي؟
“يا معلمي، أغاضبٌ منّي كثيرًا؟”
“أجل.”
“يا إلهي… ذاك، الأمرُ هو… كلُّ شيءٍ حدثَ في لمحةِ بصر.”
رحتُ أختلقُ الأعذارَ رُغمَ أنَّهُ لم يسألني.
“حينَ رأيتُ أبي يركضُ نحو العيادةِ وهو يحملُ أمـ… أعني، الماركيزة، انتابني شعورٌ مشؤوم……”
“…….”
“فكَّرتُ في أنَّهُ إن أصابَ الجنينَ مكروهٌ في خِضَمِّ شجارِها مع أبي، فستتفاقمُ الأمورُ إلى حدٍّ كارثيّ… لذا، حينَ نظرتُ إلى السِّوارِ فورًا……”
ذلكَ السِّوارُ السِّحريُّ الذي يتجاوبُ مع نواةِ قلبي كبريميرا، كانَ يتيحُ لي معرفةَ الكثيرِ من الأمور.
فظهورُ مقدارِ العمرِ في اللَّحظةِ التي تساءلتُ فيها عن حالةِ الجنين― كانَ يعني أنَّ مكروهًا سيحلُّ بهِ إن لم أتدخَّلْ.
“وبما أنَّ الجنينَ في بطنِها، فلن يعلمَ أحدٌ إن استخدمتُ قدرتي في خفاء… وامم، وأيضًا… لم يتطلَّبِ الأمرُ الكثيرَ من الطَّاقةِ الحيويَّة……”
“…….”
لم ينبسْ أوسكار بأيِّ جواب.
كانَ صمتُهُ أشدَّ إخافة، فأغمضتُ عينيَّ بقوَّة.
“تـ، تردَّدتُ كثيرًا في الحقيقة. فكَّرتُ في الأمرِ مليًّا، ولكن……”
في الواقع، لم أتردَّدْ طويلًا لأنَّ إضاعةَ الوقتِ عبثًا وتدهورَ حالةِ الجنينِ كانا سيزيدانِ من مقدارِ العمرِ الذي سأضطرُّ إلى استهلاكه.
غيرَ أنَّني لم أستطعْ تفاديَ مراقبةِ مزاجِ أوسكار.
“أنا آسفة… أخطأت……”
“ولِمَ تعتذرين؟ مظهرُكِ المرتعبُ هذا يثيرُ غضبي أكثر، فلا تعتذري. ألا تدرينَ لِمَ أنا غاضب؟”
“…….”
“وما شأنُنا إن كانَ ابنُها ذاهبًا إلى الحرب؟! قصدُها لوالدِكِ وافتعالُها للفوضى أمرٌ سخيفٌ بما فيهِ الكفاية، وفوقَ كلِّ ذلك، تستهلكينَ من عمرِكِ الذي هو أثمنُ من دمي……!”
انتفضَ أوسكار واقفًا وأشارَ بإصبعهِ نحوي موبِّخًا، ثمَّ جلسَ مجدَّدًا على مقعدهِ بارتخاء.
“لا تنفعلْ يا معلمي.”
“أجل. لن أخسرَ سوى أنا إن انفعلت. أتمنَّى أن تَلِدَ في أقربِ وقت، حتى أشدَّها من شعرِها وأهزَّها هزًّا حينَ أراها في المرَّةِ القادمة~~”
جفلتُ.
“هـ، هذا تصرُّفٌ عنيفٌ للغاية……”
رمقني أوسكار بنظرةٍ حادَّة.
“لا تُسِئِ الفهمَ رجاءً! أنا قلقةٌ على سمعتِكَ وهيبتِك! فإن فعلتَ أمرًا كهذا ستتضرَّرُ صورتُك……!”
“أجل، ليسَ لديَّ صورةٌ لتتشوَّهَ أكثرَ على أيِّ حال~~”
“آه، حقًّا!”
“صحيح، الآنَ وقد فكَّرتُ في الأمر، أنا غاضبٌ منكِ أنتِ أيضًا في مسألةٍ أخرى.”
“…نعم؟”
“لِمَ تُخفِينَ عني؟ أنا بالذَّات؟”
“آه! ذلكَ لأنَّكَ ستحزنُ بالطَّبعِ إن علمت.”
“كلا، ليسَ هذا.”
“ماذا إذًا؟”
“مواعدتُكِ لأحدهم.”
“…….”
واو، هذا……
خرجتُ من حفرةٍ لأقعَ في بحيرة!
تظاهرتُ بالجهلِ وأدرتُ رأسي نحو النَّافذةِ مجدَّدًا.
“أ، أبي… أتراه يصنعُ العربةَ بيديهِ قبلَ أن يركبَها ليأتي……؟”
“افعلي ما يحلو لكِ، افعلي.”
تنهَّدَ أوسكار ونهض.
ثمَّ انتقلَ إلى الأريكةِ وتمدَّدَ عليها على طولِها، وراحَ يتمتمُ كعجوزٍ طاعنٍ في السِّنّ.
“تسك، كَبِرَتْ وأصبحتْ تُخفي عني الكثير……”
“مهلًا!”
رَقَّ قلبي أمامَ نبرةِ أوسكار المليئةِ بالعتابِ والحزن.
“ليسَ الأمرُ كذلك، يا معلمي.”
في النِّهاية، مشيتُ بخطواتٍ سريعةٍ واقتربتُ منه.
كانَ أوسكار يمدُّ ذراعَهُ متوسِّدًا إيَّاها وينظرُ إليَّ باستياء.
“لن تقتلَهُ، أليسَ كذلك؟”
“أجل.”
رُغمَ أنَّني لم أذكرِ الفاعل، إلا أنَّ أوسكار فهمَ فورًا ومن حسنِ حظّي أنَّهُ قطعَ وعدًا بالإبقاءِ على حياةِ تشيشير.
أريكةٌ فسيحةٌ تتَّسعُ لنومِ شخصين.
حينَ صعدتُ، مدَّ أوسكار ذراعهُ لي. فتوسَّدتُ ذراعَهُ وتمدَّدت، ثمَّ تحنحنتُ لأُصلحَ صوتي.
“هيهي، في الحقيقة… لقد مضى شهرٌ على مواعدتنا.”
“تبّـ……”
“…….”
ولحسنِ الحظ، توقَّفَ فمُ أوسكار قبلَ أن يُكمِلَ الشَّتيمة.
“…تابعي كلامَكِ، يا أميرة.”
رُغمَ غضبه، بدا أنَّهُ يرغبُ بشدَّةٍ في سماعِ تفاصيلِ قصَّةِ حبّي.
استرجعتُ ما حدثَ قبلَ شهر.
بالتَّحديد، كانَ ذلكَ في اليومِ الذي ذهبتُ فيهِ إلى ساحةِ تدريبِ القصرِ الإمبراطوريِّ لتفقُّدِ حالِ ليون، وتلقَّيتُ رسالةَ اعتراف من ذلكَ الفارسِ المسمَّى رايد.
***
داخلَ العربةِ المتَّجهةِ نحو المنزلِ برفقةِ تشيشير، فتحتُ رسالةَ السير رايد.
لقد تألَّفتْ من خمسِ صفحاتٍ كاملة!
‘يا إلهي. لا بُدَّ أنَّ ذراعهُ قد خَلِعتْ وهو يكتبُ كلَّ هذا.’
فبخلافِ شقيقَيَّ التَّوأمينِ اللَّذينِ يلقيانِ رسائلَ إعتراف السيِّداتِ في المدفأةِ دونَ قراءتها، أو تشيشير الذي يكدِّسُها ليرميَها في سلَّةِ المهملاتِ مباشرة……
كانَ من الصَّعبِ عليَّ تجاهلُ رسالةٍ خطَّها أحدهم بعنايةٍ وهو يفكِّرُ فيَّ.
أليسَ من الأدبِ قراءتُها على الأقل، حتى لو تعذَّرَ عليَّ الرَّد؟
ولهذا، بعدَ أن ضُبِطتُ وأنا أسهرُ طوالَ اللَّيلِ لقراءةِ أكوامِ رسائلِ الإعتراف المتراكمة، تدخَّلَ أبي وحرصَ على ألّا تصلَ إلى يدي من الأساس.
‘ارتحتُ قليلًا منذُ ذلكَ الحين.’
كانتْ تلكَ أوَّلَ رسالةٍ أقرؤُها بعدَ انقطاعٍ طويل.
[……إلى آنسةِ روبنشتاين، التي تتألَّقُ دومًا كغبار قمرٍ انعكسَ على صفحةِ غدير، وكزهرةٍ ناصعةِ البياض.
بكلِّ ما أوتيتُ من شغفٍ متَّقدٍ ومشاعرَ فيَّاضة، رايد فيلتون.]
شعرتُ بالحرجِ واسترقْتُ النَّظرَ إلى جانبي.
كانتْ عينا تشيشير، الذي عقدَ ذراعيهِ ببرود، مسمَّرتَينِ على الرِّسالة.
“إ، إنَّهُ يكتبُ… ببراعةٍ فائقة. لو عملَ كشاعرٍ لصارَ عظيمًا.”
طويتُ الرِّسالةَ على عجلٍ وأدخلتُها في المغلَّفِ وغيَّرتُ الموضوع.
“على أيِّ حال، متى سنذهبُ للتَّدريبِ في المرَّةِ القادمة؟ أنتَ مشغولٌ جدًّا، أليسَ كذلك؟”
كانَ عليَّ الذَّهابُ إلى ساحةِ المعركةِ بنفسي من أجلِ <خطَّةُ إنقاذِ أخي ليون التي لا تفشلُ أبدًا>.
ولم يكنْ يعلمُ بتلكَ الحقيقةِ سوى ثلاثة.
أوسكار، وجيما، وتشيشير.
وضعَ تشيشير، قائدُ هذهِ المعركة، خطَّةً آمنةً من أجلي، ومع ذلكَ اقترحَ تدريبي شخصيًّا لشدَّةِ قلقه.
ولأنَّهُ خبيرٌ بمناطقِ ظهورِ الوحوشِ في أرجاءِ الإمبراطوريَّة، كانَ يأخذُني سرًّا بسحرِ الانتقال (من اختراع سيِّدِ البرجِ العبقريّ) ويُعلِّمُني خطوةً بخطوةٍ عن أشكالِ الوحوشِ وطرقِ التَّعامُلِ معها.
كانَ بحقٍّ أستاذَ المعاركِ الأوَّل……!
“أسترُدِّينَ على الرِّسالة؟”
“ماذا؟”
دُهِشتُ للحظةٍ من هذا السُّؤالِ المفاجئ، ثمَّ أدركتُ سريعًا أنَّهُ يقصدُ رسالةَ السير رايد.
“كلا؟ لقد رأيتُ وجهَ هذا الفارسِ اليومَ لأوَّلِ مرَّة!”
“…هكذا إذًا.”
غدتِ الأجواءُ غريبةً فجأة.
“تلقَّيتِ كلَّ تلكَ الاعترافات، ألا يوجدُ من ينالُ إعجابَكِ بينهم؟”
“…….”
حدَّقتُ في تشيشير بإمعانٍ عندَ سماعِ سؤالهِ البارد.
‘هذا الفتى……’
شعرتُ ببعضِ العتابِ في قلبي.
‘…ألا يعرفُ ما في قلبي؟’
لعلَّ خلايا الحبِّ مفقودةٌ تمامًا في عقلِ تشيشير. وإلّا فمنَ المستحيلِ أن يفتقرَ إلى الفطنةِ إلى هذا الحدّ!
“ألا يوجدُ شخصٌ… تحبِّينه؟”
“بلى، يوجد. ولو لم يكنْ موجودًا لما امتنعتُ عن الرَّدِّ على رسائلِ الرِّجالِ الآخرينَ طوالَ هذا الوقت! وأنا أحبُّهُ منذُ فترةٍ طويلةٍ نسبيًّا!”
قلتُ ذلكَ فورًا. فضاقت عينا تشيشير.
“حقًّا؟”
“أجل.”
هيّا، اسألني مَن هو!
بل في الحقيقة، لا حاجةَ حتى للسُّؤال.
لقد ألمحتُ إلى ذلكَ كثيرًا حتى الآن.
ما لم يكنْ أحمقًا، كانَ ينبغي لتشيشير أن يدركَ أنَّني أحبُّه.
في كلِّ مرَّةٍ نتدَّربُ فيها، أتظاهرُ بالإرهاقِ وأرتمي بينَ ذراعيهِ قائلة: “آه، أنا متعبة. أيمكنُكَ أن تحملَني وتنقلَني؟” أيعقلُ أنَّهُ يجهلُ أنَّ حركاتي تلكَ كانتْ مغازلةً متعمَّدة؟
يضطربُ ويفزعُ لأدنى خدشٍ بحجمِ عينِ نملةٍ في يدي!
وإن طلبتُ عناقًا؟ عانقني! وإن طلبتُ أن يحملَني على ظهره؟ فعل!
تشيشير الذي يُلبِّي كلَّ ما أقوله، ألا يكنُّ لي المشاعرَ هو الآخر؟
كنتُ واثقةً من أنَّني لا أتوَهَّمُ ذلكَ على الأقلّ.
“فهمت.”
كنتُ أستجمعُ شجاعتي لأقولَ لهُ ‘أحبُّك أنت’، لكنَّ تشيشير أدارَ وجهَهُ دونَ أن يسألَ أكثر.
‘ما هذا؟ أهذا كلُّ شيء؟’
سألتُهُ في ارتباك.
“ألن تسألَ مَن هو؟”
“لأنَّني أعلم.”
…كما توقَّعت! مستحيلٌ ألّا يعلم!
“ولكن، إيَّاكِ أن تعترفي له.”
“ماذا؟”
“لأنَّهُ لن يقبلَ اعترافَكِ أبدًا. لا تعترفي، حتى لا تتألَّمي بلا طائل.”
“…….”
واو.
رُفِضتُ قبلَ أن أعترفَ حتى؟!
أهذا ما يُسمَّى: صفرُ اعترافات، ورَفْضٌ واحد؟!
أدرتُ رأسي نحو الجهةِ المقابلةِ بسرعةٍ من شدَّةِ الخجلِ والارتباك.
“لِمَ، لِمَ ذلك…؟ ما الذي… ما الذي لا يعجبهُ فيَّ…؟”
سألَ لساني بابتذالٍ خارجَ سيطرةِ عقلي.
“فارقُ السِّنِّ بينكما كبيرٌ للغاية.”
وما خطب فارقِ الأربعِ سنوات؟!
يقولونَ إنَّ فارقَ الأربعِ سنواتِ لا يحتاجُ حتَّى إلى استشارةِ الخبراء لمثاليَّته!
“هـ، هناكَ الكثيرُ من العشَّاقِ بفارقِ سِنٍّ كهذا……”
“الدّوقِ لن يقبل الأمر.”
أبي؟
أجل، أبي وتشيشير منشغلانِ بالعملِ معًا بجدّ.
وإن اقترحتُ عليهِ المواعدةَ باسترخاءٍ في هذا الوقتِ الحرج، فمنَ الطَّبيعيِّ أن يرفض.
“إن كانَ هذا هو السَّبب… امم، فهل يمكنُنا التَّواصُلُ بعدَ انتهاءِ العمل……؟”
“وما شأنُ العملِ في ذلك؟ قلتُ لكِ إنَّ فارقَ السِّنِّ كبيرٌ للغاية.”
“هاي!”
إن أردتَ الرَّفضَ فارْفُضْ ببساطة، لكنَّ تكرارَ تشيشير للتَّذرُّعِ بالعمرِ أغاظني، فالتفتُّ نحوهُ وصرخت.
“أنا أحملُ كلَّ ذكرياتِ حياتي السَّابقةِ لذا فأنا أكبرُ في السِّنِّ ممَّا تظن! حتى إنَّني كنتُ أكبرَ من عمرِ معلمي الآن!”
قطَّبَ تشيشير جبينَهُ بوضوحٍ أمامَ احتجاجي.
بالطَّبع، مهما كانَ عددُ السَّنواتِ التي عشتُها في حياتي السَّابقة، فإنَّ العمرَ العقليَّ لا يتطابق، لذا كانَ كلامًا بلا معنى.
‘لكنَّ تشيشير لا يعلمُ ذلك!’
وأنا نفسي شعرتُ بمدى ابتذالي وأنا أقولُ ذلك……
“أتحبِّينه إلى هذا الحدّ؟”
وبدا أنَّهُ سئمَ من إصراري وعجزي عن الاستسلام، فرماني بكلماتهِ بوجهٍ تشوبُهُ ملامحُ الغضب.
“أ، أجل… أحبُّه……”
ذرفتُ الدُّموعَ من شدَّةِ الشَّفقةِ على نفسي وأنا أتشبَّثُ بهِ إلى هذا الحدّ.
أدرتُ رأسي بعيدًا مرَّةً أخرى.
“هاه.”
شعرتُ بحزنٍ أكبرَ حينَ تناهتْ تنهيدتُهُ المرهقةُ من خلفي.
‘كلا، يا ليليث! لا تبكِ! يا غبيَّة! لِمَ تبكين!’
لكنَّ الدُّموعَ تقاطرتْ دونَ قدرةٍ على المقاومة.
بصراحة، لم أتخيَّلْ أبدًا أن أتلقَّى الرَّفض، لذا كانتِ الصَّدمةُ هائلة.
ظننتُ أنَّ بيننا مشاعرَ متبادلة.
ولا سيَّما ونحنُ نلتصقُ ببعضِنا كثيرًا أثناءَ التَّدريبِ مؤخَّرًا.
‘لو كانَ الأمرُ هكذا، لكانَ الأجدرُ بهِ ألّا يُعاملَني بلطف!’
وما بالُ هذا الأنفِ يسيلُ في وقتٍ كهذا.
استنشقتُ أنفي وأنا أبكي، فوجهَ تشيشير الضَّربةَ القاضية.
“حقًّا… هذا مستحيلٌ يا ليليث. ولا تخبريهِ حتى بأنَّكِ تحبِّينه. فهو لا يراكِ كامرأةٍ على أيِّ حال.”
واو.
أهو عازمٌ على جرحِ مشاعري إلى هذا الحدّ؟
“فهمت… فهمتُ لذا كفَّ عن هذا……”
“لا تبكِ.”
كانتْ نبرتُهُ المهدِّئةُ لطيفةً لدرجةِ جعلتْها أكثرَ قسوة. فانهمرتْ دموعي بغزارةٍ أكبر.
“رَتِّبي مشاعرَكِ بدءًا من الآن. أنا أقولُ هذا لمصلحتِكِ أنتِ.”
“فـ، فهمتُ، أقولُ لك……”
“لو كانتْ هناكَ فرصةٌ لكانَ الأمرُ مختلفًا، لكن لا أملَ على الإطلاق. أنتِ فقط من سيتأذَّى.”
“فـ، فهمتُ لذا كف! كفَّ عن الكـ… واااااه.”
يا لكَ من وغدٍ لئيم.
“أنتَ… لا تُعاملْني، لا تُعاملْني بلطفٍ بعدَ الآن… ولا تعانقْني إن طلبتُ عناقًا… ولا تُمسكْ بيدي هكذا……”
قبضتُ على طرفِ تنُّورتي وواصلتُ تفريغَ عتبي وقَهري.
حقًّا، ليتَهُ لم يُربكْ مشاعري منذُ البداية.
“لا تجعلْني، هيك، أُسيءُ الفهمَ هكذا… أيُّها الوغدُ القاسي……”
“…؟ ليليث.”
ناداني تشيشير فجأةً بنبرةٍ مذهولةٍ وأمسكَ بكتفيّ.
“لحظة. انظري إليَّ قليلًا.”
“لا أ، أريد… أفلِتْني.”
نفضتُ ذراعي لأُبعدَهُ عني. فجثا تشيشير سريعًا على ركبتيهِ أمامي.
اهتزَّتِ العربةُ مع ارتطامٍ خفيف.
“أرجوكِ. انظري إليَّ للحظةٍ فقط.”
“…….”
استنشقتُ أنفي وأطبقتُ شفتيَّ ونظرتُ إليهِ بطرفِ عيني.
بدا مرتبكًا ومضطربًا للغايةِ لسببٍ ما.
“أنا آسف… آسفٌ حقًّا. لا تبكِ. لقد أخطأت. أنا أعتذر.”
مسحَ دموعي بيديهِ وسألني.
“ولكن هل أنتِ الآن… تتحدَّثينَ عني أنا حقًّا؟”
“…وعمَّن سأتحدَّثُ غيرِك؟”
“كلا، آه.”
وضعَ تشيشير كلتا يديهِ على مقعدِ العربة، وحرَّكَ شفتيهِ بعينينِ يعلوهما الارتباكُ الشَّديد، ثمَّ قال:
“…كنتُ أتحدَّثُ عن سيِّدِ برج السحر طوالَ هذا الوقت.”
“……؟”
سادَ صمتٌ وجيز.
رمشتُ بعينيَّ بذهولٍ وسألته.
“أنتَ……”
“…….”
“…أأنتَ أحمق؟”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.