الفصل 200: الفصل
200
الفصل 200
“أوه، أنا آسف. لقد غلبتني الضَّحكةُ فجأة.”
“…….”
على عكسِ كلامه، لم يبدُ على أوسكار أيُّ نيَّةٍ لكتمِ ضحكته.
وبدتْ شفتاهُ المزمومتانِ بغرابةٍ في محاولةٍ لإخفاءِ أسنانهِ بزعمِ أنَّهُ يكتمُ ضحكته، أكثرَ استفزازًا وإغاظة.
“…….”
أوسكار الذي بدا كأنَّهُ يقرأُ كلَّ ما دارَ في رأس تشيشير.
شعرَ تشيشير بالحرج، فحنى رأسَهُ بسرعة.
“سأنصرفُ الآن.”
“مهلًا، مهلًا.”
استوقفَ أوسكار تشيشير الذي همَّ بالمغادرةِ وابتسمَ بخبث.
‘إن عجزتَ عن ضبطِ تعابيرِ وجهكَ هكذا، فستجعلُني أرغبُ في مضايقتِكَ أكثر.’
لقد كانَ منظرُ ذلكَ الفتى، الذي لا تتغيَّرُ ملامحُهُ في العادة، وهو يتصرَّفُ بحساسيَّةٍ مضحكًا ولطيفًا بعضَ الشَّيء.
ولهذا تعمَّدَ أوسكار إغاظتَه.
“أنا ممتنٌّ لكَ حقًّا لأنَّكَ تعتني بـ‘طفلتنا’ دائمًا، أتعلم؟”
“…….”
“قلتُ لكَ شكرًا.”
حدَّقَ تشيشير في أوسكار لبرهة، ثمَّ تفادى النَّظرَ في عينيهِ وأجاب.
“…نعم.”
ثمَّ استدارَ وصعدَ إلى العربة.
“وداعًا، يا معلّمي!”
“إلى اللِّقاء.”
لوَّحتْ ليليث بيدها مجدَّدًا بعدَ أن فتحتِ النَّافذة.
ولوَّحَ أوسكار بيدهِ بودٍّ كأنَّهُ يتعمَّدُ إغاظةَ تشيشير.
“فواهاهاهاها!”
بمجرَّدِ أن غادرتِ العربة، أمسكَ أوسكار ببطنهِ وانفجرَ ضاحكًا.
“آه، يا إلهي.”
مسحَ الدُّموعَ التي طفرتْ من عينيهِ وقالَ بمكر:
“هذهِ هي السَّعادةُ بعينِها!”
***
منطقةُ سكنِ العامَّة.
وصلتِ العربةُ إلى شارعِ سيراف.
<كلابُ ليليث البرية>
“يا إلهي، حقًّا. لقد طلبتُ تغييرَ اسمِ النِّقابةِ مرارًا!”
لافتةٌ محرجةٌ تظهرُ فورَ الوصولِ إلى نقابةِ مرتزقةِ جيما.
“أمسكي.”
مدَّ تشيشير يدهُ إليَّ كأنَّهُ ينوي مرافقتي ومساعدتي في النُّزول.
“……؟”
أمسكتُ بيدهِ ونزلت، لكن لم يبدُ أنَّ تشيشير ينوي إفلاتَ يدي. وسارَ ممسكًا بها نحو مبنى النِّقابة.
“مرحبًا بكَ يا سيِّدي الشَّاب!”
“أهلًا وسهلًا بك!”
“تفضَّلْ بالدُّخول!”
انحنى المرتزقةُ الذينَ كانوا ينتظرونَ عندَ المدخلِ بزاويةِ 90 درجةٍ في آنٍ واحد، كأنَّهُ تمَّ إخطارُهم مسبقًا.
‘يا الهي، كم هذا مخيف.’
انكمشتُ من هولِ المنظر.
ربَّما لأنَّهم جميعًا يمتلكونَ أكتافًا عريضةً مفتولة، شعرتُ كأنَّني في وكرِ عصابةٍ تصرخُ ‘يا زعيـ~ـم!’ وتُلقي التَّحيَّة……
“حسنًا.”
أومأَ تشيشير بيدهِ بخفَّةٍ كأنَّهُ معتادٌ على هذا الاستقبالِ الحافل.
‘لا بُدَّ أنَّهُ معتاد. فقد مرَّ وقتٌ طويلٌ منذُ أن بدأَ تشيشير وجيما بالعملِ معًا.’
خاضا معًا عشراتِ الحملاتِ العسكريَّة.
وما من أحدٍ يجهلُ الصَّداقةَ التي تجاوزتِ المكانةَ والرُّتبةَ بينَ تشيشير وجيما.
“الزَّعيمُ في انتظارِكم. سأرشدُكم في الحال.”
“حسنًا.”
أهو زَعيمٌ حقًّا؟
ضحكتُ بغيرِ تصديق.
وبينما كنتُ أسيرُ ممسكةً بيدِ تشيشير، شعرتُ تمامًا وكأنَّني عشيقةُ زعيمِ عصابة.
“أوه، أأتيتم؟”
“أجل.”
دخلنا الغرفةَ التي أُرشِدنا إليها، فابتسمتْ جيما ومدَّتْ قبضتَها المقلوبة.
ضربَ تشيشير قبضتَها بقبضتهِ باعتياد، طَق، ثمَّ ضربَ كلٌّ منهما كتفَ الآخر، طَخ، متبادلَينِ تحيَّتَهما الخاصَّةَ المليئةَ بالودّ.
‘ما هذهِ التَّحيَّةُ الرُّجوليَّةُ البحتة؟’
بنيةٌ جسديَّةٌ تفوقُ بنيةَ معظمِ الرِّجال، وشعرٌ أحمرُ تقصُّهُ قصيرًا دائمًا.
لهذا بدا الأمرُ تمامًا كأنَّ رجلينِ يتبادلانِ تحيَّةً حماسيَّة.
“هيّا، تفضَّلي يا أميرتَنا بالجلوسِ هنا.”
“آه، كفّي عن مناداتي بالأميرة……”
قبَّلتْ جيما وجنتيَّ كِلتاهما وعرضتْ عليَّ الجلوس.
“أوه، أوه! روم؟!”
كدتُ أجلس، لكنَّني دُهِشتُ حينَ رأيتُ وجهَ الضَّيفِ الموجودِ مسبقًا.
“ليليث، مضى وقتٌ طويل.”
أنا، وتشيشير، وجيما، وروم أيضًا!
“حينَ سمعتُ أنَّكِ قادمةٌ يا ليليث، دعوتُ روم أيضًا. كم مضى من الوقتِ منذُ أن اجتمعنا جميعًا هكذا؟”
لقد اجتمعَ في مكانٍ واحدٍ أعضاءُ فريقِ الأفينجرز الذينَ حقَّقوا إنجازَ التَّخرُّجِ من التَّقييمِ الشَّهريِّ الأوَّلِ في أيَّامِ معهدِ التَّدريب!
صحيحٌ أنَّني قابلتُهم بشكلٍ منفردٍ بضعَ مرَّاتٍ عندَ مروري بالجوار، لكنَّ اجتماعنا معًا كانَ منذُ زمن، لذا شعرتُ بالحماس.
“هذا رائعٌ جدًّا. روم، لقد تغيَّرتَ كثيرًا منذُ آخرِ مرَّةٍ رأيتُكَ فيها!”
“آه، حقًّا؟”
ابتسمَ روم بخجل.
رُغمَ أنَّ وجهَهُ الشَّاحبَ ظلَّ كما هو، إلا أنَّ جسدَهُ النَّحيلَ قد اكتسى بعضَ اللَّحم، وفوقَ كلِّ شيء……
“تبدو عليهِ علاماتُ الثَّراءِ بوضوح، أليسَ كذلك؟ إنَّهُ يكسبُ مالًا أكثرَ مني هذهِ الأيَّام!”
جلستْ جيما بجوارِ روم بقعقعةٍ وقهقهت.
“حقًّا؟ روم، يبدو أنَّ عيادتَكَ تسيرُ على ما يرام؟”
كانتِ العيادةُ التي افتتحَها روم في شارعِ سيراف مشهورةً للغاية، إذ تخرَّجَ متخصِّصًا في السِّحرِ العلاجيِّ ودَرَسَ علمَ الأعشابِ أيضًا.
“هاها، لا بأسَ بها.”
ابتسمَ روم بحرجٍ وقال: “آه، صحيح.” ثمَّ أخرجَ بضعةَ أظرفِ رسائلَ من صدرِ ثيابه.
“روَّادُ عيادتي طلبوا مني تسليمَها لكِ يا جيما.”
“آه، اللَّعنة!”
استشاطتْ جيما اشمئزازًا، وتناولتِ الرَّسائلَ وألقتْ بها خلفَ الأريكة.
دُهِشتُ. فتلكَ الرَّسائلُ المزيَّنةُ بعنايةٍ كانتْ بكلِّ وضوحٍ من مظهرِها الخارجيّ……
“لِمَ رميتَها؟ تبدو كرسائلِ غرام!”
“إنَّها رسائلُ غرامٍ بالفعل يا ليليث.”
كتمَ روم ضحكتهُ وهو يغطِّي فمه.
“واو، جيما. أنتِ تحظين بشعبيَّةٍ هائلة!”
“وما الفائدةُ من كثرتِها!”
أمسكتْ جيما برأسها.
“كلُّهنَّ فتيات……”
“ماذااا؟”
رمقتْ جيما روم بنظرةٍ حادَّة.
“ألم أقلْ لكَ أن تخبرَهنَّ بأنَّني فتاة، وألّا تجلبَ لي رسائلَ كهذه!”
“هيّا، بالطَّبعِ أخبرُهن. سبعٌ من بينِ كلِّ عشرِ فتياتٍ ينصرفنَ مذهولاتٍ حينَ يعرفنَ أنَّكِ فتاة، ولكن.”
أشارَ روم بذقنهِ نحو الرَّسائلِ المرميَّةِ وأضاف:
“أولئك الفتياتُ قُلْنَ إنَّهُ لا يهمُّهنَّ حتى وإن كنتِ فتاةً وطلبنَ تسليمَها لكِ!”
“آاااخ!”
صرختْ جيما بغيظ.
“أعني، نقابتُنا أصبحتْ مشهورةً للغاية، ألم يحنِ الوقتُ لتنتشرَ الشَّائعاتُ بأنَّني فتاة؟”
أطلقتُ ضحكةً عاجزةً وأنا أتأمَّلُ مظهرَ جيما.
رُغمَ أنَّ خطوطَ وجهِها كانتْ حادَّةً أكثرَ من كونِها خشنةً كالرِّجال……
‘لكنَّها تبدو كفتىً وسيم.’
فطولُ قامتِها وبنيتُها اللذانِ يفوقانِ معظمَ الرِّجال، فضلًا عن صوتِها الأجشّ، جعلَ من الصَّعبِ على أيِّ شخصٍ يراها لأوَّلِ وهلةٍ أن يظنَّ أنَّها فتاة.
“شعبيَّتُها هائلةٌ حقًّا. لقد تلقَّتْ أكثرَ من مئةِ رسالةِ غرام.”
ابتسمَ روم مازحًا.
“من المؤسفِ فقط أنَّها لم تتلقَّ أيَّ اعترافٍ من رجلٍ قط.”
“أتريدُ أن تموت؟”
صرَّتْ جيما على أسنانها.
“…شعبيَّتُكِ واسعةٌ إذًا.”
في تلكَ اللَّحظة، تمتمَ تشيشير الذي كانَ يستمعُ بصمتٍ بتعبيرٍ قاتم لسببٍ ما.
“وما الفائدةُ من ذلك! دعنا من هذا، ما الأمرُ الذي جئتَ من أجله؟ أهناك حملةٌ عسكريَّة؟”
حينَ سألتْ جيما، زفرَ تشيشير نفسًا عميقًا. وبدا متوتِّرًا.
“لديَّ طلب، يا جيما.”
“أيُّ طلب؟”
“إنَّهُ طلبٌ مخجل. وقد يُعكِّرُ مزاجَكِ.”
“ما بالُكَ تتردَّدُ هكذا؟ أهو طلبٌ يصعبُ عليَّ تحقيقه؟”
“ليسَ كذلك، لكنَّهُ قد يُزعجكِ.”
“ما هو، بحقِّ الخالق!”
“لكنَّهُ مسألةٌ بالغةُ الأهميَّةِ بالنِّسبةِ لي في الوقتِ الحاليّ……”
طأطأَ تشيشير رأسَهُ وفركَ يديهِ المتشابكتَينِ كمن ينقصهُ اليقين.
“إن كانَ لا مانعَ لديكِ، فأرجو أن تقبلي حتمًا.”
دُهِشنا جميعًا.
لأنَّنا لم نرَ تشيشير في حالةٍ كهذهِ من قبل.
‘يبعثُ على الشَّفقة!’
هيئةٌ تجعلُ المرءَ يرغبُ في تلبيةِ أيِّ طلبٍ يطلبه.
وبدى أنّ جيما تشاطرُني الشُّعورَ ذاته، إذ حدَّقتْ في تشيشير بذهولٍ ثمَّ ابتسمتْ بخفَّة:
“تشيشير.”
“نعم.”
“ما هي طبيعةُ علاقتنا؟ ألسنا أعزَّ أصدقاءَ منذُ أيَّامِ معهدِ التَّدريبِ وحتى الآن؟ ما دمتَ تقولُ إنَّهُ ليسَ طلبًا صعبًا، فلِمَ تتكلَّمُ بهذهِ المشقَّة؟”
أضافتْ جيما بشهامة.
“لن تخرجَ كلمةُ الرَّفضِ من فمي أبدًا. إن كانَ أمرًا في وسعي القيامُ بهِ من أجلِ صديقي، فسأفعلهُ دونَ قيدٍ أو شرط. وأقسمُ على ذلكَ باسمِ نقابةِ المرتزقةِ هذهِ التي أنشأتُها، <كلابُ ليليث البرية>.”
أوه. كلُّ شيءٍ رائعٌ باستثناءِ ذلكَ الاسمِ اللَّعينِ للنِّقابة……
على أيِّ حال، كانَ مشهدًا مؤثِّرًا.
دمعتْ عينايَ تأثُّرًا.
كم كانتْ صداقتُهما تتألَّقُ ببريقٍ رائعٍ في الرِّوايةِ الأصليَّة!
‘لن أحتاجَ حتى لإقناعها!’
ابتسمَ تشيشير ابتسامةً خافتةً بعدَ أن ارتاحَ باله.
“تكلَّم!”
“حسنًا، جيما.”
نظرَ تشيشير في عيني جيما مباشرةً وقال:
“هل تقبلينَ مواعدتي؟”
“…….”
“……؟”
“……؟!”
سادَ صمتٌ مطبقٌ بينَ الجميع.
رمشتْ جيما ببطءٍ حينَ استوعبتْ كلامَ تشيشير، وفغرَ روم الجالسُ بجوارِها فاهُ دهشة.
“تـ، تـ، تـ، تشيشير؟”
وبالتَّأكيد، كنتُ أنا الأكثرَ صدمةً من بينِ الجميع.
سألتُ لأتأكَّد.
“مـ، ماذا تعني بمواعدتِك؟ أهو بالمعنى الذي نفكِّرُ فيهِ جميعًا؟”
“أجل.”
أومأَ تشيشير برأسه.
‘أكانتْ هناكَ رومانسيَّةٌ في الرِّوايةِ الأصليَّة؟’
تملَّكتني الحيرة.
‘صـ، صحيحٌ أنَّهما كانا مقرَّبَين.’
قلتُ لنفسي أن لا عجبَ أنَّ مشاهدَ شوائهما لفخذِ خنزيرٍ بريٍّ واقتسامهِ معًا في ساحةِ المعركةِ كانتْ تتكرَّرُ كثيرًا!
‘لكن… مـ، مهما كان……’
『“أنا أعيشُ من أجلكِ أنتِ.”』
『“طالما أنَّكِ في أمان، فلا يعنيني أمرُ العمل بتاتًا.”』
‘بعدَ أن قالَ لي كلامًا كهذا بالأمسِ فقط……؟’
أكانَ يقصدُ ذلكَ ببراءةٍ وببساطة، لمجرَّدِ رغبتهِ في نجاتي؟
وأنا التي أسأتُ الفهمَ بمفردي مجدَّدًا؟
غرقتُ في الصَّدمة.
“و، وااو.”
ضربَ روم، الوحيدُ الذي استعادَ صوابه، كتفَ جيما بخفَّة.
“مـ، مباركٌ لكِ. لقد تلقَّيتِ أخيرًا اعترافًا من رجل.”
“لحظة!”
انتفضتْ جيما واقفة.
“هاي، تشيشير. أنا آسفة، لكن لديَّ شخصٌ أحبُّه.”
“السير ألفريدو بيرفين، التَّابعُ لفرقةِ القبضةِ المقدَّسةِ من رتبةِ سيبتيما؟”
“……؟!”
احمرَّ وجهُ جيما بشدَّةٍ حينَ نطقَ تشيشير بالاسمِ مباشرةً دونَ أيِّ تردُّد.
“كيفَ عرفتَ ذلك؟!”
“كانَ الأمرُ واضحًا. لكن يا جيما، سأشرحُ لكِ، فاستمعي إليَّ قليلًا. في الحقيقة……”
“أنا آسفة، يا تشيشير.”
قطعتْ جيما كلامَ تشيشير الذي حاولَ الإقناعَ بحزم.
“أعتذرُ حقًّا لأنَّني تراجعتُ عن كلامي بعدَ دقيقةٍ واحدةٍ من قولي إنَّني لن أرفض.”
“…….”
“لكنَّني أرفض. لا أريد.”
…لقد رُفِض!
ببرودٍ تامّ!
نظرنا أنا وروم، وأفواهُنا فاغرة، بذهولٍ بالتَّناوبِ إلى تشيشير وجيما الواقفَينِ في مواجهةِ بعضهما.
‘ما الذي يحدثُ هنا……’
جيما التي اتَّسعتْ عيناها كالصَّحنِ من شدَّةِ الارتباك.
و.
تشيشير الذي بدا وكأنَّهُ لم يتأثَّرْ بأدنى صدمةٍ رُغمَ رفضهِ القاطع.
“أنتَ لستَ من نوعي المفضَّل.”
“آه، حسنًا.”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.