الفصل 195: الفصل
195
الفصل 195
“رامون! رامون!!!”
دوَّى صراخُ الإمبراطورِ الغاضب.
دخلَ المساعدُ، رامون، على عجلٍ وانحنى أمامَ نيكولاس المستشيطِ غضبًا.
“أكانَ هناكَ… وغدٌ أفلتَ منكم؟”
“……!”
لِمَ يسألُ عن هذا؟
تذكَّرَ رامون حقيقةَ زيارةِ إينوك قبلَ قليل.
‘أيعقلُ أنَّ دوقَ روبنشتاين….’
ابيضَّ عقلُهُ من هولِ الصَّدمة.
منذُ البداية، كانَ استخدامُ العامَّةِ في العمليَّاتِ الإرهابيَّةِ ينطوي على مخاطرةٍ هائلة.
عديمو القدرات.
أشخاصٌ في غايةِ الضَّعف، لكنَّهم في الوقتِ ذاتهِ لا يملكونَ قوَّةً مقدَّسة، لذا تعذَّرَ على بريميرا التَّحكُّمُ بهم أو غسلُ أدمغتهم.
وبما أنَّ السَّيطرةَ عليهم تطلَّبتْ جهدًا بشريًّا فرديًّا، فلا مفرَّ من ظهورِ متغيِّرات.
“جـ، جلالتك. أ، أرجو المعذرة. أ، أرجوكَ اعفُ عن حياتي… كـهاك!”
في تلكَ اللَّحظة، انقبضَ قلبُهُ بألمٍ مُميت. أمسكَ رامون بصدرهِ وهو يئنُّ ويتلوَّى متدحرجًا على الأرض.
أسأموتُ هكذا؟
وحينَ كادَ وعيُهُ يغيب، توقَّفَ الألم.
استعادَ رامون، وقد غرقَ في عرقهِ وهو يلهث، صوابَهُ على عجلٍ وجثا على ركبتيه.
“جـ، هاه، جلالتك….”
رفعَ عينيهِ بحذر، فرأى نيكولاس جالسًا في مكانهِ شاردَ الذِّهنِ كمن سُلِبتْ منهُ روحه.
“لستُ أدري… كم مرَّةً تكرَّرَ هذا….”
“…….”
“هناك شيءٌ خاطئ. كلُّ الأمورِ تسيرُ على نحوٍ غريبٍ للغاية….”
تمتمَ نيكولاس بوهن.
“بدأَ هذا منذُ أن عادَ إينوك إلى العاصمةِ الإمبراطوريَّة. حاولتُ الإمساكَ بطوقِ عنقه، فكانتِ ابنتهُ أوكتافا….”
“…….”
“وبمجرَّدِ وصولِ إينوك، ظهرَ الحاكم الذي كانَ قد اختفى وأحيا المرضى. وفي النِّهاية، ماتَ كبيرُ الكهنةِ الذي كانَ بمثابةِ ذراعي، بل وانهارتْ مكانةُ المعبدِ العظيمِ إلى الحضيض.”
“…….”
“واستغرقَ الأمرُ مني أربعَ سنواتٍ كاملةٍ لإعادةِ بنائه. مستنزفًا حياتي… التي هي أثمنُ من دمي….”
نصَّبَ بريميرا المزيَّف، وليَّ العهدِ فرانتز، وبالكادِ استعادَ هيبةَ العائلةِ الإمبراطوريَّة.
الحاكمُ الصَّالحُ للعصرِ الجديد، الذي يُنزِلُ المطرَ على الأراضي القاحلةِ بإشارةٍ من يده، ويُخضِعُ الوحوشَ السِّحريَّة.
وبالطَّبع، كانتْ تلكَ كلُّها قدرةَ نيكولاس.
أكانَ ذلكَ منذُ ذلكَ الحين؟
كانَ نيكولاس يشعرُ وكأنَّهُ مُطَارَد.
لأنَّهُ كانَ يطحنُ عمرَهُ بلا هوادةٍ لإخفاءِ حقيقةِ أنَّ وليَّ العهدِ مجرَّدُ مزيَّف.
“بدلًا من استخدامِ إينوك ككلبِ صيد، أشعرُ وكأنَّني أنا مَن يتعرَّضُ للصَّيد. إنَّهُ يسحقُ برجي خطوةً بخطوةٍ بإيمانهِ التَّافه.”
“…….”
“ورفيقُ سلاحه الذي أرسلتُهُ إلى الموتِ الحتميِّ عادَ بطلًا فاتحًا، ورامون، تلكَ الحشرةُ التي أفلتَّها أنتَ وقعتْ في قبضةِ إينوك.”
“أ، أعتذر….”
“لم يعدْ أمامي سوى الاعترافِ الآن.”
مسحَ نيكولاس الفراغَ بعينينِ خاويتين.
“إنَّ الحاكم يقفُ إلى جانبِ إينوك.”
***
قصرُ دوقِ روبنشتاين.
إينوك، الذي ذهبَ إلى برج السحر قائلًا إنَّ لديهِ ما يودُّ قولَه، أخذَ أوسكار إلى منزله.
صرخَ أوسكار بانزعاجٍ بعدَ أن جُرَّ إلى هنا فجأة:
“آه، ما خطبُك، بحقِّ خالق السَّماء!”
لسببٍ ما، كانَ الأبُ وابنتهُ يتصرَّفانِ بغرابةٍ كلاهما اليوم.
فليليث لم تكفَّ عن البكاءِ بحرقةٍ طوالَ اليوم.
وإينوك ارتدى ملابسَ سوداءَ بالكاملِ كأنَّهُ ذاهبٌ إلى جنازة، وظلَّتْ تعابيرُهُ كئيبةً طوالَ الوقت.
“أقولُ لك. تكلَّمْ وأخبرني لِمَ أحضرتني إلى هنا. سأموتُ من شدَّةِ الإحباطِ حقًّا.”
“ادخل.”
“تبًّا.”
سُحِبَ أوسكار حتى قبوِ الجناحِ الإضافيِّ المهجورِ في قصرِ الدّوق.
غرفةٌ سريَّةٌ خاوية.
ووُضِعَ فيها تابوتٌ زجاجيٌّ وحيد.
“ما هذا؟”
“ألبرتو مانويل.”
“…….”
“إنَّهُ جدُّك.”
في تلكَ اللَّحظة، اتَّسعتْ عينا أوسكار.
ماذا؟
شكَّ في أذنيهِ للحظة، وتفحَّصَ تعابيرَ وجهِ إينوك.
بدا جادًّا. ولم يبدُ أنَّهُ يكذب.
“ما الذي تعنيهِ بـ….”
“تأكَّدْ بنفسك.”
تقدَّمَ أوسكار نحو التَّابوتِ دونَ تردُّد. وتحتَ الغطاءِ الزُّجاجيِّ الشَّفَّاف، بدتِ الجثَّة.
“……؟”
فركَ عينيهِ بقسوةٍ بظهرِ يدهِ ونظرَ مرَّةً أخرى.
جسدٌ هزيل.
وجهٌ ملأتهُ التَّجاعيد.
ورُغمَ أنَّهُ بدا أكبرَ سنًّا بقليلٍ من آخرِ ذكرى له، إلا أنَّهُ كانَ، بكلِّ تأكيد، جدَّه.
“كيفَ….”
الشَّخصُ الذي اختفى، ألبرتو مانويل.
لقد فُقِدَ في سنِّ الرَّابعةِ والسِّتِّين.
قبلَ عودةِ أوسكار بالزَّمن، وبعدَ عودتهِ أيضًا.
***
عندما نجحَ أوسكار في العودةِ بالزَّمن.
كانَ عمرُه عشرَ سنوات.
أي في تلكَ السَّنةِ التي وُلِدتْ فيها ليليث للتوّ، واختفى فيها أثرُ إينوك.
وكانَ سببُ اختيارهِ لتلكَ النُّقطةِ الزَّمنيَّةِ هو رغبتهُ في أن تبنيَ الطِّفلةُ ذكرياتٍ جديدةً من البدايةِ مع والدها الذي كانتْ تبحثُ عنهُ بشدَّة، دونَ أيِّ حسرة.
‘لكنَّني لم أفكِّرْ في هذا.’
أوسكار، الذي لم يكنْ يُفكِّرُ إلا في ليليث، لم يدركِ الأمرَ إلا بعدَ أن فتحَ عينيهِ في جسدِ طفلٍ في العاشرة.
أنَّ زمنَهُ هو الآخرُ قد عادَ إلى الوراء.
كانَ والداهُ لا يزالانِ على قيدِ الحياة، وكانَ ذلكَ قبلَ اختفاءِ جدِّه.
‘إن كانَ حدسي صحيحًا، فلا بُدَّ أنَّ جدّي هو الآخرُ في حالةِ عودةٍ بالزَّمنِ الآن.’
وُجِدَ عائدانِ بالزَّمنِ في آنٍ واحد، لكنَّ تلكَ الحقيقةَ لم يكنْ يعلمُها سوى أوسكار وحده.
“بنيّ، استمعْ إليَّ جيّدًا. هذا النَّوعُ من السِّحرِ لا داعي لصنعه، ولا يجوزُ لكَ صنعُه. إن وقعَ شيءٌ كهذا في أيدي الأشرارِ فستندلعُ حرب.”
أتراني عدتُ بالزَّمنِ تحديدًا إلى اليومِ التَّالي لأوَّلِ مرَّةٍ ابتكرتُ فيها صيغةً سحريَّة؟
حينَ اكتشفَ والدهُ صيغةَ السِّحرِ الهجوميِّ التي ابتكرَها أوسكار ذو العشرِ سنوات، أحرقَها ووبَّخَهُ لأكثرَ من ساعة.
‘يُذكِّرُني بشخصٍ ما.’
كانَ والدُ أوسكار في حياتهِ يشبهُ شخصًا ما إلى حدٍّ بعيد.
كانَ يعلِّمُهُ دائمًا أن يستخدمَ قوَّتَهُ من أجلِ الضُّعفاءِ إن امتلكَها، وأن يتصرَّفَ دومًا في سبيلِ القضايا النَّبيلة.
أجل، إينوك روبنشتاين.
كانَ من ذلكَ النَّوعِ المملِّ الشَّبيهِ به.
“بنيّ، هل تفهمُ جدَّك؟ لِمَ بحقِّ خالق السَّماءِ يتساهلُ هكذا مع الإمبراطور؟”
غيرَ أنَّ جدَّه، ألبرتو مانويل، الذي كانَ سيِّدَ برج السحر آنذاك، كانَ مختلفًا.
رُغمَ أنَّ مكانتهُ كانتْ تسمحُ لهُ بإظهارِ الجرأة، إلا أنَّهُ كانَ يحني رأسَهُ دائمًا للإمبراطور، ولهذا كانَ يتجادلُ مع والدي كلَّ يوم.
كانَ جدّي يتصرَّفُ لسببٍ ما كرجلٍ يخشى أن ينالَ سخطَ الإمبراطور.
“أبي. تلكَ الحملةُ إلى المملكةِ أو أيًّا كانت، لا تذهبْ إليها. أو على الأقلِّ أجِّلْها قليلًا.”
فكَّرَ أوسكار في إنقاذِ والديهِ اللذينِ سيفارقانِ الحياةَ في حادثِ عربةٍ مفاجئ.
لكنَّ المثيرَ للدَّهشةِ أنَّهما بعدَ أن تفادَيا الحادث، تعرَّضا للاغتيال.
قبلَ العودةِ بالزَّمن، وبعدَ العودة.
بعدَ أن أقامَ جنازةَ والديهِ مرَّتين، أدركَ أوسكار أخيرًا: أنَّ حادثَ العربةِ قبلَ العودةِ لم يكنْ محضَ صدفة.
ربَّما….
‘كانَ ذلكَ من تدبيرِ ذلكَ الوغد، الإمبراطور.’
كانَ والدهُ رجلًا متعنِّتًا لا يُخفي نواياه.
ولو ورثَ برج السحر، لشكَّلَ ذلكَ صداعًا في رأسِ الإمبراطور.
أي أنَّها كانتْ مؤامرةً قذرةً من الإمبراطور.
‘آه، أيعقلُ أنَّ جدّي كانَ يتذلَّلُ للإمبراطورِ لهذا السَّبب؟’
في قاعةِ الجنازةِ حيثُ يهطلُ المطرُ برتابة.
تيقَّنَ أوسكار وهو ينظرُ إلى جدِّهِ ألبرتو ذي الوجهِ الخاوي..
أنَّ الجدَّ عائدٌ بالزَّمن.
ولا بُدَّ أنَّ سببَ محاولتهِ للعودةِ كانَ إنقاذَ ابنه.
‘يبدو أنَّ والديَّ قُتِلا على يدِ الإمبراطورِ قبلَ أن يعودَ جدّي بالزَّمنِ أيضًا؟’
ولهذا لم يجرؤِ الجدُّ طوالَ حياتهِ على مواجهةِ الإمبراطور، وعلَّمَ ابنهُ وحفيدَهُ أن يحنيا ظهورَهما.
لكن، للأسف، فشلَ مرَّةً أخرى في إنقاذِ ابنه.
‘يا لهُ من غباء.’
أن يُخاطرَ بحياتهِ ويعودَ بالزَّمن، ليشهدَ موتَ ولدهِ مرَّتين.
كم هو أمرٌ مروِّع.
‘أنا لن أفشلَ مثلكَ، أبدًا.’
وضعَ أوسكار زهرةَ أقحوانٍ بيضاءَ واحدةً فوقَ تابوتِ والديهِ وتذكَّرَ ليليث.
لن يفشلَ فشلًا بائسًا كجدِّه، أبدًا.
لم يكنْ يرغبُ في رؤيةِ عنقِ الطِّفلةِ المقطوعِ وهو يتدحرجُ مرَّةً ثانية.
‘جدّي سيختفي قريبًا.’
بحسبِ ما يتذكَّرُهُ بغموضٍ قبلَ العودة، اختفى جدُّهُ بعدَ وقتٍ قصيرٍ من موتِ والديه.
ربَّما… كانَ ثمنَ العودة.
الفناء.
وبما أنَّهُ لا توجدُ طريقةٌ لمنعه، فقد أرادَ على الأقلِّ معرفةَ كيفَ يختفي.
لأنَّ نهايتهُ ستكونُ مماثلة.
لكن، كأنَّهُ لم يُردْ أن يُريَ حفيدَهُ تلكَ النِّهايةَ البائسة، أتمَّ الجدُّ كلَّ استعداداتهِ ورحلَ بصمتٍ أولًا.
“…وداعًا.”
كانتْ تلكَ آخرَ تحيَّةٍ تركَها جدّه الذي لا بُدَّ أنَّهُ تلاشى وحيدًا.
وهكذا، بعدَ فترةٍ وجيزة.
ورثَ أوسكار برج السحر في سنِّ الخامسةِ عشرة.
موتُ الوالدين، واختفاءُ الجدّ.
وتولِّي المنصبِ في سنٍّ مبكِّرة.
لم يتغيَّرْ شيءٌ في حياةِ أوسكار، لا قبلَ العودةِ بالزَّمنِ ولا بعدها.
***
“ألم يكنْ قد تلاشى؟ أكانَ يعيشُ متخفِّيًا طوالَ هذا الوقت؟”
سألَ أوسكار في حيرةٍ وهو يقفُ أمامَ جثَّةِ جدِّه.
انتقى إينوك كلماتهِ بهدوء.
“جاءَ إليَّ بالأمسِ وقابلتُهُ للمرَّةِ الأولى، وتوفِّيَ بالأمسِ أيضًا.”
“ماذا؟”
“كنتُ أعرفُ وجهَ جدِّكَ بالتَّأكيد… لكن لا أنا ولا ليليث استطعنا التَّعرُّفَ عليه. رُغمَ أنَّنا رأيناهُ بأمِّ أعيننا، تعذَّرَ علينا إدراكُ هويَّته.”
“…….”
“ولم تتَّضحْ ملامحُ وجههِ بدقَّةٍ إلا بعدَ أن مات. وسببُ موتهِ….”
صمتَ إينوك قليلًا ثمَّ تابع:
“كانَ لأنَّهُ كشفَ لنا عن وجوده. مستعدًّا للموت.”
“…….”
كانَ المعنى أنَّ سببَ موتِ الجدِّ هو خرقُهُ لقيد الحظر.
لكنَّ ذلكَ القيدَ….
“……كانَ لأنَّهُ كشفَ لنا عن وجوده.”
حوَّلَ أوسكار عينيهِ نحو التَّابوتِ بشرودٍ مجدَّدًا.
“……رُغمَ أنَّنا رأيناهُ بأمِّ أعيننا، تعذَّرَ علينا إدراكُ هويَّته.”
“ولم تتَّضحْ ملامحُ وجههِ بدقَّةٍ إلا بعدَ أن مات…….”
“آه.”
أدركَ أوسكار أخيرًا معنى ثمنِ العودة، معنى ‘الفناء’.
أن تكونَ حيًّا، ولكن لستَ على قيدِ الحياة.
“هكذا كانَ الأمرُ إذًا.”
『“معلّمي!”』
تلكَ الطِّفلةُ التي تبتسمُ ببراءةٍ وتلقي بنفسِها بينَ أحضانهِ الآن، سيأتي يومٌ….
تمرُّ فيهِ بجوارهِ دونَ أن تتعرَّفَ عليهِ حتى.
“ها، هه هه.”
انفجرتْ منهُ ضحكةٌ خائرة.
“كم هذا قاسٍ….”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.