الفصل 182: الفصل
182
الفصل 182
“يا للروعة، ما أجملَ المنظرَ هنا. سيكونُ منتجعًا سياحيًّا ممتازًا بعدَ إبادةِ الوحوش.”
“…….”
تأمَّلَ إينوك الأرجاءَ في استرخاءٍ وإعجابٍ دونَ اكتراثٍ بذهولِ أوسكار.
مشهدٌ يُخالفُ تمامًا تلكَ الشُّهرةَ المشؤومةَ عن أرضٍ لم يرجعْ منها أحدٌ حيًّا.
“ولكن، أينَ تلكَ الوحوشُ بحقِّ خالق السماء؟”
قطَّبَ أوسكارُ جبينَهُ بعدَ أن استجمعَ قواهُ بصعوبة.
“لا يبدو الخروجُ حيًّا منها صعبًا على الإطلاق. أيعقلُ أنّها تخلو من أيِّ شيءٍ خلافًا للشائعات؟ هل كنتَ تتظاهر بفتحِه فقط؟”
“أهاها! لعلَّ الأمرَ كذلك؟”
ضحكَ إينوك مازحًا ورفعَ سيفَهُ مشيرًا نحوَ قِمّةِ الجبلِ التي توارى نصفُ شمسِها.
“ستخرجُ عندَ مغيبِ الشمسِ بالكامل. وبخلافِ الوحوشِ ذاتِ الأعينِ الليليّةِ الحادّة، يقاتلُ أصحابُ القدراتِ في ظلمةٍ دامسة، وهذا يجعلُهُم في موقفٍ خاسرٍ حتمًا.”
“آها، ولهذا لم ينجُ أحد.”
“على الأرجح. ولكن يا سيّدَ البرج، أأنتَ بخيرٍ حقًّا؟ ليست أرض موت عبثًا، فماذا لو أصابَكَ مكروه؟”
“أنا؟ يا للعجب.”
“أرأيتَ هيئةَ الوحوشِ من قبل؟”
“…أتستخفُّ بي الآن؟”
“كلا، عشتَ في العاصمةِ طَوالَ حياتِكَ فكيفَ ترى شَعرةً من وحش؟ أخشى أن تفزعَ فحسب.”
“رأيتُها، رأيتُها بالتأكيد!”
“حقًّا؟ متى؟ وأين؟”
…رآها في الكُتُب. أصنافَ الوحوشِ وهيئاتِها.
ولعجزهِ عن الإفصاحِ عن ذلك، غيَّرَ أوسكارُ مجرى الحديث.
“لا تقلقْ عليَّ فأنا كفيلٌ بحمايةِ نفسي، واحرصْ أنتَ على نجاتِك. يكفيني تأمينُ ظهرِكَ من الخلف، أليسَ كذلك؟”
“تمامًا.”
ابتسمَ إينوك ورفعَ إبهامَهُ مشجّعًا.
***
“آه، تذكّرت!”
ابتسمتُ بمفردي طويلًا بعدَ عودتي من لقاءِ الإمبراطور، ثمَّ قلت.
“عليَّ إخبارُ عمّي!”
وهرعتُ مسرعةً نحوَ غرفةِ أكسيون.
وقبلَ أن أدخلَ فُتِحَ البابُ فجأةً من الداخل.
“يا الهي! تشيشير؟”
وكانَ الخارجُ من غرفةِ أكسيون هو تشيشير بملامحَ متوتّرة.
“هل الدوقُ في القصر؟”
“أبي فجأة؟ أبي ليسَ هنا، خرجَ قبلَ ساعةٍ تقريبًا.”
“آه… يا للورطة.”
مرَّرَ تشيشير يدَهُ على شعرِهِ في حيرة، وكانَ يحملُ رسالةً في يده.
“ما الخطب؟”
“…….”
ناولَني تشيشير الرسالةَ دونَ أن ينطقَ بحرف.
[سأُعِدُّ للحملةِ في الخارج.
نلتقي بعدَ عودتي.]
سطرانِ فقط، بخطِّ يدِ أكسيون.
“يا إلهي.”
أدركتُ الأمرَ على الفور.
كانَ أكسيون ينوي التواريَ حتّى موعدِ الحملة، كتمانًا لوجهتِها وتاريخِ انطلاقِها.
“ليليث، في ظنّي أنَّ الوجهةَ التي أُمِرَ بها أبي ليست الشمال.”
“…….”
“فخروجُهُ للاستعدادِ بمفردِهِ فجأةً ودونَ إخبارِ أحدٍ أمرٌ مريب.”
قالَ تشيشير في قلق.
“يجبُ أن أجدَ أبي سريعًا. فإن كانَ المكانُ خطيرًا فيتعيَّنَ عليَّ مرافقته.”
“آه! سألتَ عن أبي ليبقى معي في غيابِكَ للبحثِ عن عمّي إذًا!”
فلا يمكنُهُ تركي بمفردي.
“ولكن يا تشيشير، اهدأْ واسمعْني أوّلًا.”
رأيتُ وجهَ تشيشير الشاحبَ قلقًا على أكسيون.
علاقةٌ رائعةٌ بينَ أبٍ وابنه…
ودَمِعَتْ عينايَ تأثُّرًا.
“معك حق، عمّي لن يذهبَ إلى الشمالِ هذهِ المرّة، هذا مؤكَّد.”
كنتُ متيقّنةً بعدَ لقائي بالإمبراطور.
‘يَعِدُني بإحالةِ أكسيون إلى التقاعدِ إن دخلتُ البرج؟ أيفعلُ الإمبراطورُ ما يضرُّه؟’
فوجهةُ أكسيون كانت أرض الموت لا محالة.
وسيهلكُ فيها على أيِّ حال،
ولذا رمى لي الإمبراطورُ بوعدٍ واهٍ لا قيمةَ لهُ إن لم يرجعْ أكسيون حيًّا.
“ليست الشمال، بل جزرٌ في الشرقِ على الأرجح.”
“جزر؟ وأينَ تكون…”
ضيَّقَ تشيشير عينيهِ مفكّرًا ثمَّ فغرَ فاهُ ببطء.
جزر موارتي.
وبدا من ملامحِهِ أنّهُ يُدركُ شُهرةَ ذلكَ المكانِ المشؤومةَ جيّدًا.
“إذًا… يجبُ أن أذهبَ أنا إلى هناك…”
كانَ تشيشير يتألّمُ وهو ينطقُ بذلك.
فإن كانت الوجهةُ موارتي فلا ضمانَ للحياة، وحتّى تشيشير يتردَّدُ حينَ يكونُ الموتُ محتومًا.
“لا تقلق. فقد ذهبَ أبي.”
“ماذا؟”
“ذهبَ أبي لصيدِ وحوشِها الآن. ليُبيدَها كلَّها كي لا يمسَّ عمّي أيُّ خَطَرٍ لاحقًا.”
تنفَّسَ تشيشير الصُّعَداء، ثمَّ عادَ القلقُ ليعلو وجهَه.
“لكنَّ ذلكَ المكانَ خطيرٌ حتّى على الدوق. أيعقلُ أنّهُ ذهبَ بمفرده؟”
“ذهبَ بمفرده، لكنّهُ سيعودُ سالِمًا. لأنّهُ أبادَ وحوشَها بمفردهِ وعادَ قبلَ العودةِ بالزمنِ أيضًا.”
“…….”
انتابتْ تشيشير دهشةٌ نادرة. رمشَ بعينيهِ المتّسعتينِ ثمَّ اطمأنَّ قلبهُ بالكامل.
“حقًّا… إنّهُ عظيم.”
“يبدو أنَّ المكانَ بالغُ الخطورةِ حقًّا بالنظرِ لردّةِ فعلِك؟”
“ولهذا كتمَ أبي الأمر.”
قبضَ تشيشير على رسالةِ أكسيون.
“لعلمه بأنّي أو أنَّ الدوقَ سنُرافقهُ إن علمنا. وهو موضعٌ نجهلُ أنا والدوقُ إن كنّا سننجو منهُ أصلًا.”
ولذا أصدرَ الإمبراطورُ أمرَ الحملةِ مطمئنًّا.
فرغمَ وجودِ أبي وتشيشير لعونِ أكسيون، فإنَّ موارتي أرض موتٍ يعجزُ كِلاهما عن التجرُّؤِ عليها.
『“أميرتي، ادعي لأبيكِ ليعودَ سالِمًا، اتّفقنا؟”』
استحضرتُ نبرةَ أبي القلقةَ غيرَ المعتادة، وتذكّرتُ وجهَهُ وهو يخشى الموتَ وتركِي بمفردي.
‘حتّى تشيشير يتردَّدُ هكذا، وأنا في المقابل…’
أعلمُ أحداثَ الروايةِ فلا بأس~
البطلُ قويٌّ فلا بأس~
أعلمُ أنّهُ لن يموت~
ابنةٌ تقلقُ على الآخرينَ وتغفلُ عن القلقِ على أبيها.
‘…يا لي من ابنةٍ سيئة.’
ولا بُدَّ أنَّ العواملَ النفسيّةَ تحسمُ النصرَ في ساحةِ المعركة، فشغلتْ بالي صورةُ أبي وهو يحملُ السيفَ متوتّرًا بخلافِ الروايةِ حينَ قرّر للموت.
‘أعتذرُ يا أبي.’
انطلقَ السيّد جيمس براون إلى أرض الموت دونَ سند، مستندًا فقط إلى ثقتي في أنّهُ ‘لن يموت’…
‘ليتَني طلبتُ من مُعلِّمي مساعدتَه.’
تنهّدتُ بأسى.
***
في تلكَ الأثناء، جزر موارتي.
جلسَ إينوك وأوسكار حولَ النارِ بانتظارِ خروجِ الوحوشِ عندَ بزوغِ القمر.
“ولكن يا سيّدَ البرج، ستغدو مدينًا للإمبراطورِ بدخولِ أميرتي للبرج، وسيستغلُّ ذلكَ لطلبِ شيءٍ منك، أليسَ كذلك؟”
“أمرٌ بديهيّ، سيطلبُ صيغًا سحريّة.”
“سحرًا هجوميًّا؟”
“نعم. سحرًا هجوميًّا مدمّرًا قادرًا على إبادةِ الناس.”
تجهّم وجهُ إينوك.
فلو وقعَ مثلُ هذا السحرِ في يدِ الإمبراطور…
“لا تنوي إعطاءَهُ إيّاهُ بطواعية، أليسَ كذلك؟”
“أتقلق من ذلك؟”
“طبعًا. فتسليمُ سحرٍ كهذا سيقتلُ الناس.”
فإن حازَ السحرَ الهجوميّ، سيحشدُ أتباعَهُ ويأمرُ بالغزوِ فورًا.
“لا بُدَّ من تسليمِ شيء، وسأُعطيهِ ما يناسب. أقوى ممّا هو متاحٌ حاليًّا، لكن دونَ أن يُمكّنَهُ من ارتكابِ حماقات.”
“آه، حسنًا…”
“لا تخف. فأنا لم أبتكرْ أصلًا صيغةً تدميريّةً قادرةً على محوِ دولةٍ بأكملِها، ولا أنوي ابتكارَها.”
“لحسن الحظ. لَكانَ الأمرُ كارثيًّا لو انحازَ سيّدُ البرجِ للإمبراطور.”
ابتسمَ إينوك ونهضَ بعينينِ لمعتْ فيهما اليقظةُ فجأة.
إذ ابتلعتِ الظلمةُ ما تبقّى من ضوءِ الشمس.
“لنحذرِ الآن، فنحنُ نجهلُ ما قد يخرجُ ومن أين…”
وحينَها.
سرتْ رعدةٌ مريبةٌ في الأرضِ تحتَ أقدامهما.
‘تبًّا، وحوشُ كمائن.’
صرخَ إينوك بعدَ أن فطنَ للأمرِ بحاسّتِهِ الحادّة.
“يا سيّدَ البرج! اسمعْني جيّدًا! إنّها تنبعثُ من الأرض…”
“واااااع!”
تعثَّرَ أوسكارُ واختلَّ توازنُه، وبرزتْ من تحتِ قدميهِ فجأة.
أطرافُ وحشٍ طويلةٌ ومقزّزة، تُشبهُ هيئةَ العنكبوت.
صنفٌ يشنُّ هجماتٍ جسديّةً بأطرافِهِ القويّة. وخطورتُهُ أقلُّ لعدمِ كونهِ سحريًّا، ولكن…
‘أعدادُها هائلة!’
ارتبكَ إينوك للحظة.
إذ كانتِ المئاتُ، بل الآلافُ تتدفَّقُ من باطنِ الأرضِ على مدِّ البصر.
هَـفْ—!
أطاحَ إينوك بعُصبةٍ من الوحوشِ بهالةِ سيفِهِ وصاح.
“يا سيّدَ البرج! لا ترتبكْ وانصبْ درعًا لسلامتِكَ والزمْ ظهري! سنُبيدُها من هنا ونتوغّلُ للداخل!”
“تبًّا!!! مقزّزة! إنّها مقرفةٌ يا إلهييي!!!”
“مهلًا يا سيّدَ البرج؟ لن تموتَ فاهدأْ قليلًا…!”
وحينَها.
وضعَ أوسكار، الذي كانَ يصرخُ هلعًا من بشاعةِ الوحوش، كفَّهُ على الأرض.
وتزامنَ مع ذلكَ دويٌّ كالزلزال—
“صرااااخ!”
“عوييييل—!”
—وانتشرتْ مانا عاتيةٌ عبرَ باطنِ الأرض.
حدثَ ذلكَ في لمحِ البصر.
امتدَّتِ المانا راسمةً دائرةً عظمى من تحتِ قدمي أوسكار.
طَرْق، طَرْق، طَرْق، طَرْق—!
شُلَّتْ حركةُ الوحوشِ وتجمَّدتْ كالأصنام، وأخذتْ تتفتَّتُ بالتدريجِ من الأقربِ مع صرخاتِ العذاب.
‘…ما هذا؟ ما الذي يحدث؟’
فغرَ إينوك فاهُ في ذهول.
إينوك روبنشتاين، أقوى أصحابِ القدراتِ وخبيرُ مئاتِ المعارك.
اعتادَ السيفَ لكنّهُ خاضَ المعاركَ مرارًا مع رفاقٍ سحرة، ومع ذلك لم يشهدْ سحرًا كهذا قطّ في حياته.
سيطرةٌ تامّةٌ على الأرض.
بل على مساحةِ الجزيرةِ بأسرِها دفعةً واحدة، وتجريدُ الوحوشِ البارزةِ من طاقةِ حياتِها قبلَ أن تُبديَ أيَّ حركة.
سحرٌ هجوميٌّ تدميريٌّ بحت.
‘بقوّةٍ هجوميّةٍ كهذه…’
يسهلُ عليهِ محوُ دولةٍ صغيرةٍ عن بكرةِ أبيها!
“هاه، هاه، هاه.”
“…….”
“يا إلهي، أمجنونةٌ هي؟ لم تُخبرْني أنّها بشعةٌ هكذا!”
وضعَ أوسكارُ يدَهُ على صدرِهِ مرتعبًا، دونَ أن يُدركَ هولَ ما اقترفتْهُ يداهُ باندفاع.
“…….”
حدَّقَ إينوك في أشلاءِ الوحوشِ الميتة، ثمَّ التفتَ ببطءٍ نحوَ أوسكار.
『”فأنا لم أبتكرْ أصلًا صيغةً تدميريّةً قادرةً على محوِ دولةٍ بأكملِها، ولا أنوي ابتكارَها.”』
تردَّدتْ كذبةُ أوسكار الصريحةُ كصدًى في عقلِ إينوك.
『”لم أبتكرْ أصلًا…”』
『”لم أبتكرْ…”』
『”لم…”』
ملامحُ إينوك المذهولةُ الحائرة.
رمقَهُ أوسكارُ بنظرةِ تساؤل، وسرعانَ ما أدركَ الأمر.
‘آه، صحيح.’
لقد انكشفتْ كذبتُهُ في أقلَّ من دقيقة.
“هاه، حقًّا… لا أُصدّق…”
“…….”
“يا للعجب…”
عجزَ أوسكارُ عن الكلام، وحادَ ببصرهِ خلسةً عن عيني إينوك.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.