الفصل 180: الفصل
180
الفصل 180
‘يذهبُ بمفرده؟’
جُزر موارتي.
كم هو واثقٌ من نفسِهِ رُغمَ علمِهِ بأنّهُ مرسلٌ إلى حتفه.
‘حسنًا، توقّعتُ منهُ هذا الموقف.’
قالَ الإمبراطورُ بمكر:
“سأُبقي وجهةَ الحملةِ سرًّا، وسأُعلنُ أنّها نحوَ الشمال. فالمكانُ بالغُ الخطورة، وأخشى فرارَ أفرادِ الفيلقِ الثالثِ إن علموا بهِ مسبقًا، أليسَ كذلك؟”
“…نعم، قولُكَ صائب.”
“السير أكسيون.”
التفتَ أكسيون الذي هَمَّ بالمغادرة:
“موارتي مَوضِعٌ أَرَّقَني طويلًا وأريدُ فتحَهُ حتمًا. وإن أخفقتَ، مع استبعادي لذلك…”
ابتسمَ الإمبراطورُ كالأفعى وأضاف.
“فسأواصلُ إرسالَ الجيوشِ حتّى أنجح.”
“…….”
“أتمِمِ الاستعداداتِ وحَدّدْ موعدَ الانطلاق. وسأُرسلُ جيشًا بعدَ خمسةِ أيّامٍ من خروجِكَ لترتيبِ الأوضاع.”
اتّسعتْ عينا أكسيون، وبدتْ عليهِ علاماتُ الارتباك.
“…مفهوم.”
ثمَّ غادرَ قاعةَ الاجتماع.
***
موارتي.
جزرٌ تبعدُ نحوَ ثلاثِ ساعاتٍ بحرًا باتجاهِ الشرقِ من المنطقةِ الوسطى.
ليست أرضًا تابعةً للإمبراطورية، بل لا تخضعُ لسيادةِ أيِّ دولة.
جزرٌ يُقالُ إنَّ أولى ‘الوحوش’ قد نشأتْ فيها.
ولم ينجُ ناجٍ واحدٌ من بينِ كلِّ الذينَ حاولوا غزوَها سابقًا.
فلا تُعرَفُ أصنافُ الوحوشِ التي تعيشُ هناك، فضلًا عن استحالةِ الفرارِ عندَ الطوارئِ للاقتصارِ على المسلكِ البحريّ.
موضعٌ يعجزُ حتّى إينوك، أقوى أصحابِ القدراتِ في الإمبراطوريةِ حاليًّا، عن ضمانِ نجاتِهِ منه.
لذا، كانَ كأسَ سُمٍّ قدَّمَهُ الإمبراطورُ ليتجرَّعَهُ أكسيون ويهلك.
『“…سأُرسلُ جيشًا بعدَ خمسةِ أيّامٍ من خروجِكَ لترتيبِ الأوضاع.”』
كلامٌ يعني تفقُّدَ جُثّتِهِ للتحقُّق، وتحذيرٌ صريحٌ من محاولةِ الفرار.
『“فسأواصلُ إرسالَ الجيوشِ حتّى أنجح.”』
وكانَ ذلكَ تهديدًا بإهلاكِ أصحابِ قدراتٍ آخَرينَ عِوَضًا عنهُ إن هرب.
‘سدَّ عليَّ منافذَ النجاةِ بإحكام. علمتُ أنّهُ ليسَ رجلًا سهلا، ولكن…’
تمتمَ أكسيون بضحكةٍ خاويةٍ وهو يقطعُ الرَّدهة.
“هكذا انسدَّتِ الطّرق.”
فالإمبراطورُ لم يأمرْ بالغزوِ طمعًا في الأرض، بل لغايةٍ قاطعة.
التخلُّصُ من أكسيون.
***
وقتُ العشاء.
“إلى أين؟”
سألَ أبي أكسيون فجأةً ونحنُ الأربعةُ نتناولُ الطعام.
سؤالٌ مبتور، لكنّي فهمتُهُ وأرهفتُ سمعي.
‘يبدو أنَّ الإمبراطورَ استدعاهُ اليوم. كم هو سريع.’
لم يكدْ يمضي يومانِ على الحريقِ حتّى استدعاهُ الإمبراطور،
ولا بُدَّ أنّهُ أصدرَ أمرَ حملةٍ انتقاميًّا لاقتحامِهِ القصر.
“لن تكونَ الوجهةُ سهلة. حدّدْ موعدًا يُخالفُ حملتي لنذهبَ معًا.”
“لا داعي لذلك.”
قالَ أكسيون ببرودٍ وهو يرتشفُ الحساء.
“الوجهةُ نحوَ الشمال.”
“أحقًّا؟”
رفعَ أبي حاجبيهِ في دهشة.
‘ماذا؟ الشمال؟’
وفوجئتُ أنا أيضًا.
“على أيِّ حال، طهَّرتَ الأرجاءَ مؤخّرًا ويكفيني الذهابُ كإجراءٍ شكليّ، فلا تكترث.”
“والدي.”
وضعَ تشيشير أدواتِ المائدةِ وتدخَّل.
“أعتذرُ منكَ. العقوبةُ كانت بسببي، وسأُرافقُك.”
“كلا، لا داعي.”
لوَّحَ أكسيون بيده.
“أنتَ تعلم. الحادثُ كانَ مجرّدَ ذريعةٍ سانحة، وكانَ أمرُ الحملةِ سيصدرُ عاجلًا أم آجلًا.”
“وهذا بسببي أنا أيضًا على أيِّ حال.”
صمتَ الجميعُ إثرَ كلامِ تشيشير.
‘صحيح. كُلُّهُ لأجلِ تشيشير.’
فحتى دونَ هذا الحادث، كانَ أكسيون هدفًا للإمبراطور.
ولماذا؟
قالَ مستشارُ الثورة، العمُّ جوزيف.
『“للأسف، إن عزمَ الإمبراطورُ على الاستحواذِ على السير تشيشير… فلن يتمكّنَ السير أكسيون من مواصلةِ الثورةِ معنا حتّى النهاية.”』
فأكسيون هو الأبُ بالتبنّي لتشيشير والأقربُ لأبي.
وكي يفصلَ الإمبراطورُ تشيشير عن أبي المعارضِ لهُ ويستحوذَ عليه…
‘فأكسيون هو العقبة.’
『“وإن نوى التخلُّصَ من السير أكسيون فسيستغلُّ صلاحيّاتِهِ العسكريّة، وسيخلقُ فرصةً لإلقائِهِ في الموت.”』
قالَ جوزيف إنَّ تلكَ اللحظةَ ستكونُ موعدَ انسحابِ أكسيون من الثورة.
『“فلا يمكنُهُ الموت، وعليهِ الامتثالُ للأمرِ ثمَّ الفرار، ويبقى متواريًا في الظلِّ حتّى ينتهيَ كلُّ شيء.”』
وخروجُ دوقيّةِ ليبر من صفوفِ التمرُّدِ بخلافِ الروايةِ الأصليّة…
‘تُعدُّ خسارةً فادحةً للقوّة.’
وأدركَ جوزيف ذلكَ وأسِفَ له، لكن لم تكن هناكَ حيلةٌ أخرى.
ولكن!
‘أستطيعُ منعَ هذا!’
ولهذا اعتبرتُ الحريقَ رُبَّ ضارّةٍ نافعة.
لأنّي غدوتُ في موضعٍ يُتيحُ لي التفاوضَ مع الإمبراطورِ دونَ قصد.
‘ولكن لِمَ الشمال؟’
خلافًا للتوقّعات، جاءت وجهةُ الحملةِ نحوَ الشمال.
مع أنّي ظننتُ أنّهُ لن يُرسلَهُ للموت إلّا إلى موضعٍ واحدٍ بعينه.
وبينما كنتُ غارقةً في الحيرةِ لتغيُّرِ الحسابات،
“لستُ ذاهبًا للموتِ فلا تُبالغ، والزمْ حراسةَ القصر.”
نهضَ أكسيون أوّلًا ورَبَتَ على كتفِ تشيشير وغادرَ قاعةَ الطعام.
***
“أميرتي، أنظّفتِ أسنانَكِ بالفرشاة؟”
“أنا أفهل… (أنا أفعلُ ذلك…)”
بسطتُ الخريطةَ بعدَ العشاءِ وأخذتُ أُنظّفُ أسناني، فاقتربَ أبي من خلفي.
“ماذا تفعلين؟”
“أهرُسُ الجغراهيا. (أدرُسُ الجغرافيا).”
“جغرافيا؟ فجأة؟”
[جُزر موارتي]
جُزر موارتي المكوَّنةُ من جزيرةٍ كبرى وجزرٍ صغيرةٍ متناثرة.
‘ألا يُرسلُهُ إلى هنا وهي فرصةٌ سانحةٌ للتخلُّصِ منه؟ أكانَ الإمبراطورُ أغبى ممّا ظننت؟’
فهذهِ أرضُ موتٍ لا ينجو منها أيُّ صاحبِ قدرات،
‘باستثناءِ إينوك روبنشتاين بالطبع.’
في أواخرِ الروايةِ الأصليّة.
استشعرَ الإمبراطورُ تحرُّكاتٍ مريبةً من بعضِ الشخصياتِ القويّة قبل اندلاعِ التمرُّد،
فشعرَ بالخطرِ على عرشِهِ فضلًا عن حُلمِ توحيدِ القارّة، فدبَّرَ مكيدةً للتخلُّصِ من إينوك روبنشتاين.
بحشدِ سائرِ أصحابِ القدراتِ وأمرِهِم بغزوِ موارتي دونَ أبي…
“أميرتي، إلى متى ستنظّفينَ أسنانك؟ تمضمضي وابصقي سريعًا.”
“حاضر.”
حدَّقتُ في أبي الذي ناولَني كأسَ الماءِ بنفسه:
‘إينوك روبنشتاين… يا لكَ من وحش!’
وكما أرادَ الإمبراطور، أعلنَ أبي حملَ السيفِ نيابةً عن أصحابِ القدراتِ المأمورينَ بالخروج،
بل خرجَ بمفردهِ دونَ أيِّ جيش.
‘كانت حملةً عزمَ فيها على الموت.’
فموارتي أرضٌ مُميتة يعجزُ حتّى أبي عن ضمانِ النجاةِ منها، فاختارَ تقليصَ الضحايا.
إذ كانَ تشيشير حينَها قادرًا على قيادةِ الثورةِ وإنجاحِها في غيابه.
‘وظننتُ حقًّا أنَّ أبي سيموت.’
وصرختُ في داخلي أثناءَ القراءةِ راجيةً ألّا يذهب، لكنّهُ انطلقَ إلى حتفه.
ومع ذلك… لم يمت.
بل أبادَ وحوشَ موارتي بمفردهِ ورفعَ رايةَ الإمبراطوريةِ وعاد.
“أبي، لديَّ سؤال.”
“نعم؟ ما هو؟”
“هذهِ الجزر… لِمَ لا تتبعُ الإمبراطوريةَ رُغمَ قُربِها الشديدِ من القارّة؟”
“آه، تلكَ الأرض.”
أشرتُ إلى موارتي في الخريطة، فحكَّ أبي رأسَهُ موضّحًا.
“لأنّها بقعةٌ خطيرة، ولم يرجعْ منها أحدٌ حيًّا حتّى الآن.”
“فهمت.”
“لذا نجهلُ أصنافَ الوحوشِ التي تعيشُ هناك، والمعلومُ فقط…”
فكَّرَ أبي قليلًا وأضاف:
“…أنّها هادئةٌ جدًّا بالنهار؟ ونُخمّنُ أنَّ الوحوشَ تخرجُ ليلًا فحسب.”
حسنًا، عُلِم. يملكُ المعلوماتِ الأساسيّةَ كاملة.
أومأتُ برأسي وقلت.
“ألا ينبغي القضاءُ على وحوشِها أيضًا؟”
“لا حاجةَ لذلك. فلا يسكنُها بشر، والوحوشُ لا تعبرُ البحرَ نحوَ القارّة.”
“ومع ذلكَ يجبُ صيدُها.”
“ماذا؟ آه…”
قال أبي متفهّمًا:
“أميرتي، تقلقينَ على عمّكِ أليسَ كذلك؟”
“نعم. ألم يقُلِ العمُّ جوزيف إنَّ الإمبراطورَ قد يُرسلُ عمّي إلى الموت؟”
“مهما بلغَ طغيانُ الإمبراطور، فلن يجرؤَ على إرسالِهِ إلى هنا علنًا دونَ ذريعةٍ كبرى.”
“أليسَ كذلك؟ ولهذا أستغربُ الأمرَ يا أبي!”
فقد امتلكَ الذريعةَ لإرسالِ أكسيون هذهِ المرّة.
“فلِمَ لم يُرسلْهُ إلى هنا؟ مع أنّهُ أعلنَ صراحةً عن معاقبتِهِ لعمّي؟”
“…….”
صمتَ أبي مستغرقًا في التفكيرِ أمامَ سؤالي.
“لكن يا أبي، يجبُ القضاءُ على وحوشِ هذهِ الجزرِ سريعًا.”
فموارتي لا بُدَّ من إخضاعِها عاجلًا أم آجلًا. خشيةَ إرسالِ أكسيون إليها في أيِّ وقت.
وأيضًا لاحتمالِ اتّخاذِ الإمبراطورِ للآخرينَ رهائنَ لغزوِها كما في الرواية.
“اذهبْ خلسةً يا أبي. لا داعي لركوبِ البحر، بل استخدمْ سحرَ الانتقالِ بعدَ تحديدِ الإحداثيّات…”
طويتُ الخريطةَ وتابعت:
“…غدًا إن أمكن! بأسرعِ ما يكون! قبلَ انطلاقِ حملةِ عمّي، لئلّا يُغيّرَ الإمبراطورُ رأيَهُ ويُرسلَهُ إلى… همم؟”
كانَ أبي فاغرًا فاهُ برهبة، يحدّقُ فيَّ بعينينِ مرتجفتين.
“ما خطبُ ملامحِك؟”
“أميرتي، أنتِ…”
ناداني أبي بنبرةٍ مخنوقة.
“ماذا هناك؟”
“وتسألينَ ماذا! ماذا!”
أمسكَ أبي بكتفيَّ وهزَّني بعنف.
“ألم أقُلْ لكِ إنّي أجهلُ أصنافَ الوحوشِ التي تعيشُ هناك؟”
“وما في ذلك…”
استغربتُ انفعالَهُ المفاجئ، ثمَّ أدركتُ ما فاتني.
‘يا إلهي! بترتُ الحديثَ دونَ مقدّمات!’
فنجاحُهُ في غزوِ موارتي دونَ خدشٍ واحدٍ سرٌّ لا أعلمُهُ إلّا أنا.
ورغمَ علمهِ بقوّتِه، لم يكن يضمنُ النجاةَ بل عزمَ على الموتِ في الرواية!
وكانَ عليَّ كشفُ أحداثِ المستقبلِ لهُ أوّلًا!
“أبي! هذا سوءُ فهم! أغفلتُ قولَ أمرٍ هامّ! اسمع…”
حاولتُ التوضيح، لكنَّ ملامحَهُ كانت مصدومةً لأقصى حدّ.
“أتهونُ عليكِ… حياةُ أبيكِ يا أميرتي؟”
يا إلهي.
“كلا، أعتذرُ يا سيّد جيمس، ليسَ الأمرُ هكذا.”
لقد أخطأتُ حقًّا…
ارتميتُ في حضنهِ مسرعة.
“أعتذرُ إن جرحتُ مشاعرَك… في الحقيقةِ كنتُ أعلمُ أنّكَ ستعودُ سالِمًا، لذا طلبتُ ذهابَكَ دونَ تفكير.”
“…….”
“ستقضي على وحوشِها بمفردِكَ لاحقًا. فالأمرُ سهلٌ بالنسبةِ لك.”
“هكذا إذًا.”
ورغمَ تبريري، ظلَّ أبي عابسًا يمدُّ شفتيه.
ومن حقِّهِ أن يحزن.
فبصرفِ النظرِ عن علمي بالمستقبل، يُحزِنُ الأبَ أن تطلبَ منهُ ابنتُهُ الذهابَ إلى الموت.
“أعتذرُ حقًّا. فالخوفُ يعتريكَ أنتَ أيضًا.”
“أجل، أنا خائف. لم أكن أخشى شيئًا في السابق، لكنّي أرتعبُ من الموتِ الآن.”
“طبعًا، فأنتَ بشرٌ في النهاية…”
“لأجلِكِ أنتِ. خشيةَ أن تبقَي بمفردِكِ دوني، وخوفًا من غيابِ مَن يحميكِ.”
“آه؟”
ذُهِلتُ من كلامِ أبي.
فالبطلُ في الروايةِ كانَ لا يبالي بشيءٍ لعدمِ وجودِ مَن يحميهِ أو يخشى فقدانه،
أمّا الآنَ فالأمرُ مختلف.
“ولا يعني هذا أنّي لن أذهب. غفلتُ عن تلكَ الجزرِ وتنبّهتُ بفضلكِ، وسأذهبُ حتمًا لقلقي على عمّكِ أيضًا.”
“أبي…”
“لكنّي…”
تكلَّفَ أبي المزاحَ ليُخفي حزنه.
“أُحبُّ أميرتي كثيرًا جدًّا، لكنّي حزنتُ لظنّي أنّكِ لا تُحبّينَ أباكِ بالقدرِ ذاته.”
“كلا! أنا أُحبُّكَ أكثرَ من أيِّ شخصٍ في هذا العالم!”
تعلّقتُ بعنقِ أبي.
“لا أستطيعُ العيشَ من دونكَ…”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.