الفصل 159: الفصل
159
الفصل 159
***
بعد أسبوع.
يومُ انعقادِ جلسةِ الاستماعِ لمساءلةِ أوسكار.
انتابني قلقٌ شديد.
“أبي، سيكونُ معلمي بخير، أليس كذلك؟”
ابتسمَ أبي وهو يراني أتعقبهُ بقلقٍ بينما يتجهزُ للخروج:
“لا تقلقي؛ أفترينَ أباكِ يقفُ مكتوفَ اليدينِ بعد كلِّ ما فعلهُ معلمُ الأميرةِ لأجلنا؟”
“صحيح؟ عليكَ منعُ معاقبتهِ بأيِّ ثمن، اتفقنا؟”
“بالتأكيد، ثقي بأبيكِ فقط.”
أومأ أبي برأسه، لكني لمحتُ في عينيهِ بريقَ قلقٍ خاطف!
“هـ، هل هناك ما يقلقك؟”
“آه، نـعم….”
“هناك خطبٌ ما إذًا!”
“كلا، سيكونُ كلُّ شيءٍ على ما يرام؛ لكن القادةَ لا يحبونَ معلمَ الأميرةِ كثيرًا، أتعلمين؟”
“ماذا؟ ولماذا؟”
“لا أدري؛ لعلَّ ذلك بسببِ حدةِ لسانِ سيدِ البرج؛ ولا يبدو أنهم غاضبون لكتمانهِ السحر، بل يرونها… فرصةً سانحةً للإيقاعِ به.”
“لسانُ المعلم؟”
كبرياؤهُ المتعالي وأسلوبُ حديثهِ الوقحُ الذي لا يراعي صغيرًا ولا كبيرًا.
غير أنني وأبي اعتدنا على طباعِ أوسكار هذه….
“لكن معلمي لا ينطقُ إلا بالحقِّ بصراحة، وإن كانت نبرتُهُ فظة.”
“صحيح، لا ينطقُ إلا بالحق.”
أومأتُ أنا وأبي برأسينا بالملامحِ ذاتها.
“على أيةِ حالٍ يا أميرتي، لا تقلقي كثيرًا؛ فمعلمُ الأميرةِ ليس أحمق، وسيكبحُ جماحَ غضبهِ في الجلسةِ حتمًا.”
“مـ، معلمي؟ أيعقل؟”
لا يمكنني تخيلُ ذلك….
“هيا، معلمُكِ ذكيٌّ وفطن؛ وسيتوسطُ أبوكِ للتوفيقِ بينهم، فعلاقتي بالقادةِ ليست سيئة.”
“حسنًا، فهمت؛ لن أقلق، وأنا أثقُ بأبي!”
“أجل، أجل؛ سأذهبُ الآن؛ قبلة~!”
“قبلة~!”
***
كان قائدُ فرسانِ السحر، جيليان فالينسيانو، يكرهُ سيدَ برجِ السحر، أوسكار مانويل، كرهًا جمًّا.
لقلةِ تهذيبه.
فشابٌّ يافعٌ مثلهُ لا يحني عنقَهُ حتى أمام الإمبراطور، لعلمه بعدمِ وجودِ بديلٍ له في الإمبراطورية.
ورغم وجودِ باحثينَ في البرج، إلا أن الجميعَ يعلمُ أن تسعةً وتسعينَ بالمئةِ من المعادلاتِ المفيدةِ تنبعُ من عقلهِ وحده….
ولذا تغاضى الإمبراطورُ عن تصرفاتهِ وتساهلَ معه، مما أجبرَ أعلى النبلاء على مسايرته.
غير أنه قال في نفسه:
‘يا له من وغدٍ وقح!’
قررَ الإمبراطورُ محاسبةَ أوسكار هذه المرة. وعزمَ جيليان على تصيدِ كلِّ زلةٍ له في الجلسة.
‘سألقنُكَ درسًا قاسيًا هذه المرة!’
وكان قد استمالَ قائدي فرسانِ الرمايةِ اللذينِ تربطهُ بهما علاقةٌ وطيدة.
إذ يكفي موافقةُ الأغلبيةِ من قادة الفيالق العشرة لمعاقبةِ أوسكار عقبَ الجلسة.
يستحيلُ عزلهُ لعدمِ وجودِ بديل، ولن تتعدى عقوبةُ الإمبراطورِ الشكليِّةُ مجردَ غرامةٍ مالية، ولكن….
‘ليتهُ يُغرَّمُ مبلغًا باهظًا! وليتَ فضيحةَ احتكارهِ للسحرِ تنتشرُ فيُهانَ ويُوبَّخَ أمام الملأ!’
هكذا كانت رغبةُ جيليان.
“أيصحُّ أن يتركَ الناسَ في انتظارهِ هكذا؟ كم الساعةُ الآن ولم يظهرْ في القاعةِ بعد؟”
أثارَ جيليان الجلبةَ بخبث،
“لم تمضِ سوى عشرُ دقائقَ يا سير جيليان؛ وعلينا تفهمُ انشغالهِ ولا حيلةَ لنا في ذلك.”
فردَّ إينوك مسرعًا.
كان موقفُ إينوك مناقضًا تمامًا لموقفِ جيليان بطبيعةِ الحال.
وكان متأهبًا للدفاعِ عن أوسكار وتجنيبهِ أيَّ عقوبةٍ بعدما ورَّطَ نفسهُ لأجلِ ابنته.
“لقد وصل.”
قال أحدهم بنبرةٍ صارمة، فاتجهتْ أنظارُ الجميعِ نحو بابِ القاعة.
أيدركُ أنه في مقامِ استجوابٍ ومساءلة؟
مشى أوسكار كعادتهِ بخطواتٍ متبخترةٍ وملامحَ متغطرسةٍ حتى مقعدِ الصدارةِ وجلسَ بارتخاء.
وتَبِعَهُ مساعدُهُ روبيل.
“يا للعجب؛ نعلمُ وقاحتَه، لكن ألا يلقي حتى التحية؟ جميعُ الحاضرينَ هنا يكبرونَ سيدَ البرجِ سنًّا، وجئنا مفرغينَ أوقاتنا الثمينة!”
وبَّخهُ جيليان لغيظهِ من هذا التصرف،
“اهدأ يا سير، لدينا سببٌ لاجتماعنا هنا، فلا داعي للمشاحناتِ بلا مبرر.”
فردَّ إينوك مسرعًا من جديد.
“…….”
رمقهما أوسكار بنظراتٍ غيرِ مباليةٍ وهما يتبادلانِ الحديث.
فركُ أذنهُ وقال:
“لا أدري ما الذي تريدونَ مني توضيحهُ بعد استدعائي وأنا مشغول….”
“ألا تدري؟ عليكَ تبريرُ احتكاركِ للسحرِ العلاجيِّ النادر، لكن أخبرنا أولًا عن سببِ مساعدتكَ للسير ثيو أنتراس!”
“صحيح؛ فالجميعُ قوى مهمة، وإنقاذُ السير ثيو بدافعٍ شخصيٍّ ظلمٌ لمن قضوا نحبهم في المعاركِ سابقًا!”
افتتحَ جيليان النقاش، فأيَّدهُ قائدُ الرماةِ السحريينِ على الفور.
“عجبًا؛ لستُ قديسًا، وأنقذتُ بقدرتي من أردتُ إنقاذه، فلِمَ عليَّ تبريرُ مثلِ هذا الهراء؟”
عقدَ أوسكار ذراعيهِ وابتسمَ ساخرًا:
“ولكن تقديرًا لعجائزَ يصرخونَ حتى انتفختْ وجوههم، سأجاريكم كشابٍّ ناجح.”
“مـ، ماذا؟!”
هبَّ جيليان واقفًا.
وفي تلك اللحظة.
ارتبكَ إينوك من وقاحةِ أوسكار التي فاقتِ التوقعات.
‘لا يصحُّ أن يتصرفَ هكذا هنا!’
فعليهِ مسايرةُ القادةِ الذين يملكونَ زمامَ الأمورِ اليومَ على الأقل.
ويستحيلُ أن يجهلَ أوسكار ذلك.
غير أنه قال:
“مهلًا، لا تنفعل؛ أنتَ في سنٍّ توشكُ على دخولِ القبر، فماذا لو ارتفعَ ضغطُ دمكَ ومِتَّ فجأة؟ ومن سينظفُ جثتكَ إن واصلتَ الصراخَ هكذا؟”
“أنتَ…!”
ارتجفَ جيليان من فرطِ غضبهِ مشيرًا بإصبعهِ نحو أوسكار.
فغرَ إينوك فمَهُ تدريجيًا وهو يتابعُ حديثهما.
‘مهلًا… لحظة، ما هذا؟’
في تلك اللحظة.
استرجعَ كلماتِ صهرهِ أليكسي:
『“لا أحدَ يميلُ إليه… أو يحبهُ حقًّا.”』
『“سمعتُ أن الجميعَ نالهم نصيبٌ منه.”』
『“من… لسانِ سيدِ البرجِ السليط؟”』
أدركَ إينوك أخيرًا.
…أن أوسكار كان ملاكًا في تعاملهِ معه ومع ليليث.
نظرَ إلى أليكسي الجالسِ بجانبهِ وسألهُ بعينيه:
‘أكان لسانهُ السليطُ… هكذا؟’
بدا أليكسي مرتبكًا هو الآخر. واكتفى بالردِّ بعينيه.
‘هذه أولُ مرةٍ أرى فيها ذلك بنفسي….’
نهضَ إينوك مسرعًا لسماعهِ تواصلَ المشاحنة بين جيليان وأوسكار:
“لـ، لحظةً واحدة! أيها السادة!”
لا بدَّ من تهدئةِ الموقف!
“يجدرُ بنا تهدئةُ روعنا؛ لم نجتمعْ هنا للشجار.”
“سير إينوك! اسمعْ ما يقولُهُ سيدُ البرج! أيصحُّ هذا؟! بلغتُ الثامنةَ والخمسينَ هذا العام! أَيليقُ بي سماعُ هذا الكلامِ من فتىً في سنِّ أحفادي؟ أجبني!”
“…….”
جيليان يرتجفُ غيظًا.
وأوسكار يفركُ أذنَهُ بملامحَ كأنه يستمعُ لنباحِ كلب.
وقفَ إينوك بينهما يحركُ شفتيهِ عاجزًا عن الكلام.
“كفى، فلننهِ الأمرَ سريعًا ونعدْ لمنازلنا؛ فليس لدي وقتٌ للاستماعِ لصراخِ العجائز.”
“ما قصةُ هذه الكلمةِ معك…!”
“عما سألتم؟ عن سببِ مساعدتي لثيو أنتراس؟”
تحدثَ أوسكار ببرودٍ وأشارَ بذقنهِ نحو إينوك الواقف:
“الجميعُ هنا يعلمُ رغبتي في ضمِّ ابنةِ ذلك الرجلِ إلى البرج، فلا داعي لمزيدٍ من الشرح، أليس كذلك؟”
نهضَ أوسكار وتابعَ حديثه:
“وتعلمونَ جميعًا أن مستوى ذكاءِ البشرِ يتراجعُ حتى عانى البرجُ نقصًا حادًا في الكفاءات؛ ولهذا راهنتُ بكلِّ ما أملكُ لضمِّ ابنةِ الدوقِ روبنشتاين.”
ابيضَّ ذهنُ إينوك مع كلِّ كلمةٍ ينطقُها أوسكار.
كيف يتقنُ هكذا….
انتقاءَ أبشعِ الألفاظِ وأشدِّها استفزازًا في أتفهِ الأمور؟
إنه الشيطانُ بعينه!
“اسمعْ يا سيدَ البرج! معذرةً للخروجِ عن الموضوع، لكن بمناسبةِ حديثك!”
قاطعهُ جيليان:
“إن كان النقصُ حادًّا، فلِمَ لا تخففُ شروطَ قبولِ الباحثين؟ أيُّ ذكاءٍ خارقٍ يتطلبهُ دخولُ البرج؟”
“بفتت.”
ضحكَ أوسكار ومسحَ جبينه:
“أما زلتَ حاقدًا لأنني رفضتُ قبولَ ابنكَ الثالث؟”
“مـ، ماذا؟”
أجل!
في الواقع… كان الأمرُ كذلك!
سببُ كراهيةِ جيليان الشديدةِ لأوسكار.
تقدمَ بطلبِ اختبارِ قبولٍ لابنهِ الثالثِ العزيز لديه، رغبةً في توفيرِ منصبٍ مريحٍ له كباحثٍ في البرج.
واستغلَّ مكانتَهُ ليطلبَ من سيدِ البرجِ اختبارهُ شخصيًا، وأرسلَ مع ابنهِ هدايا وفيرة.
[ابنُكَ أحمق؛ ولأنني لم أستطعْ نعتَهُ بالحماقةِ في وجهه، أرسلتُ هذه الرسالةَ لتستلمَها أنتَ.
وسمعتُ أن لديكَ ابنةً صغرى.
وأضيفُ هذا خشيةَ أن يراودَكَ خاطرٌ بائسٌ بإرسالِ ابنتكَ وإضاعةِ وقتي الثمين.
توارثُ الذكاءِ يرتبطُ بالجينات، وعقولُ الأبناءِ تتبعُ عقولَ آبائهم.
لا أملَ في عائلةِ فالينسيانو، فلا ترسلْ أبناءَكَ إلى هنا مجددًا.]
ألم يعدِ الفتى حاملًا تلك الرسالةَ اللعينةَ المجردةَ من أيِّ لباقة؟
ومنذ ذلك اليومِ وجيليان يتحينُ الفرصةَ للنيلِ من أوسكار!
“وما حيلتي إن كان ابنُكَ غبيًا؟ أأقبلهُ باحثًا وهو دون المستوى؟ أليس هذا فسادًا ووساطةً تستوجبُ قطعَ عنقي؟”
هزَّ أوسكار كتفيهِ ساخرًا، فعجزَ جيليان عن الردِّ وظلَّ يفتحُ فمَهُ بذهول.
“لا أدري حقًّا من يتعاملُ بدوافعَ شخصيةٍ هنا.”
طق، طق.
دارَ أوسكار حول الطاولةِ وضغطَ على كتفي جيليان الواقفِ ليجلسَهُ بنفسه:
“أيُّ أبٍ هنا يرغبُ في إرسالِ ابنهِ لساحةِ الحرب؟ أابنُكَ وحدَهُ هو الابن؟”
وهمسَ في أذنهِ الشاحبةِ بصوتٍ عالٍ يسمعهُ الحاضرون:
“ما حيلتي إن كان ذكاءُ ابنكَ مؤسفًا؟ لا حيلةَ للأحمقِ سوى حملِ السيف؛ وبدلًا من أن تعتذرَ له لأنكَ ورَّثتَهُ عقلًا بليدًا دفعَهُ للحرب، تقدمُ لي رشوةً ووساطةً علنية….”
“مـ، مهلًا يا هذا؛ ر، رشوةٌ ووساطة؟ لِمَ تتفوهُ بمثلِ هذا الكلام؟”
“إن لم تكن الأموالُ والذهبُ التي أرسلتَها وأنتَ تعلمُ مستوى عقلِ ابنكَ رشوةً، فماذا تكون؟”
فضحٌ صادم.
خيَّمَ الصمتُ على القاعة.
“من بينِ الآباءِ الحاضرينَ هنا.”
أشارَ أوسكار إلى إينوك وأليكسي وقال:
“هذانِ الاثنانِ هما الوحيدانِ اللذانِ لم يقدما لي وساطة.”
همسَ مجددًا في أذنِ جيليان كالشيطان:
“أليس هذا ما يُغضبُ جلالةَ الإمبراطورِ حقًّا؟ تجاهلتُ الأمرَ لقلةِ اكتراثي، فظننتُم أنني سأحفظُ سركم إلى القبر؟”
“…….”
شحبَ وجهُ جيليان كالموتى.
وتجهمتْ وجوهُ القادةِ الآخرينَ الذين طالتْهم الفضيحة.
“حسنًا، فهمتم جميعًا، أليس كذلك؟ تستطيعونَ التفكيرَ حتى بعقولكم الهرمةِ المتصلبة….”
بسطَ أوسكار ذراعيهِ وابتسمَ بإشراقٍ قائلًا:
“فكروا جـيـدًا فيمَن يمسكُ بزمامِ القوةِ هنا اليوم؛ ولنستأنفِ الجلسة.”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.