الفصل 149: الفصل
149
الفصل 149
‘يشبهُهُ كثيرًا.’
فكرَ نيكولاس وهو يتأملُ وجهَ الماركيز.
عينانِ حمراوانِ تلمعانِ بحدة.
والحدةُ المتوهجةُ المنبعثةُ من نظراتِه تؤكدُ بلا شكٍّ أنهما أبٌ وابنه.
“لأيِّ أمرٍ استدعيتني؟”
“آه، لا داعي للعجلة؛ سنتحدثُ على مهل، فالليلُ طويل.”
ابتسمَ نيكولاس.
***
انقضى يومانِ على حفلِ التنصيب.
في يومٍ من منتصفِ مارس.
‘همم، أكان موتُ ثيو في مثلِ هذا الوقتِ تقريبًا؟’
تملَّكني قلقٌ شديد.
「سماءٌ صافيةٌ وعبيرُ نسيمٍ دافئ.
في أواخرِ ربيعٍ بَلَغَ فيه جمالُ العالمِ حدَّ البكاء، أغمضَ ثيو أنتراس عينيه إلى الأبد.
أهو أمرٌ مؤسفٌ أم سعيد؟
فقد لُفَّ جثمانُهُ بالعباءة الزرقاء للفرسان المقدّسين التي طالما تمنى ارتداءها.
كانت حياتُهُ سِلسلةً من المرضِ والألم، لكن موتَهُ كالفارسٍ الذّي طالما تاقَ إليه كان خاتمةً سعيدة….
حاولَ تشيشير روبنشتاين أن يواسيَ نفسَهُ بتلك الفكرةِ وهو يبتلعُ دموعَهُ الحارقة.」
وفقًا للروايةِ الأصلية، يموتُ ثيو بعد تنصيبِه رسميًا كفارسِ مقدّس.
وكان سببُ الوفاةِ صراع المانا.
كان ذلك مرضًا وراثيًا يعاني منه ثيو، وتفاقمتْ نوباتُهُ تدريجيًا حتى أودتْ بحياته….
‘لكنني حللتُ الأمرَ بالفعل.’
فمنذ أن جئتُ إلى العاصمةِ وأعطيتُ ثيو نواةَ الوحشِ السحري، لم تصبْهُ أيُّ نوبةٍ قط.
إذن، المشكلةُ حُلَّت.
حُلَّتْ بالفعل، ولكن….
“أخي، يا أخي، يا أخـي!”
“واااه، ليليث!”
التفتَ ثيو بسرعةٍ وقرصَ وجنتيَّ بقوة.
“أخوكِ بخيرٍ تمامًا حقًّا! عن أيِّ نوباتٍ تتحدثينَ بعد كلِّ هذه السنين؟ همم؟”
“أوبـوبوب!”
“لستُ مريضًا، وآكلُ جيدًا، وأحملُ نواةَ الوحشِ السحريِّ معي دائمًا يا أميرة!”
“آييي، يا أخـي!”
بدا أن ثيو نفدَ صبرُهُ بعدما أرهقتُهُ لأكثرَ من ساعةٍ منذ الصباح.
“لذا لا تقلقي! فهمتِ؟”
تركَ ثيو وجنتي وضحكَ بخفةٍ مبعثرًا شعري.
“ولكن….”
“كفى!”
وضعَ ثيو سبابتَهُ على شفتي.
“سأذهبُ للتدريب؛ فأنتِ تعلمينَ بأمرِ حملةِ الإبادةِ بعد ثلاثةِ أيام. أنا متوترٌ للغايةِ لأنها أولُ مشاركةٍ لي مع قواتِ النخبة، ولا بدَّ لي من الاستعدادِ بجد.”
“حسنا. أعتذرُ لإزعاجك.”
“لا عليكِ، شكرًا لقلقكِ، غير أنه قلقٌ مفاجئٌ بلا مبرر.”
معه حقٌّ في استغرابه.
فكما قال، أثرتُ فجأةً سيرةَ مرضٍ مرَّتْ عليه سنواتٌ حتى نُسي….
“سأذهبُ الآن! لنتناولِ الغداءَ معًا لاحقًا!”
ابتسمَ ثيو واحتضنني مداعبًا وجنتي بوجنته، ثم خرجَ مسرعًا إلى ساحةِ التدريب.
“هاه.”
تنهدتُ واستدرتُ عند المدخل.
‘أهو قلقٌ لا داعي له حقًّا؟ لكن لِمَ ينتابني هذا التوتر؟’
لقد تدخلتُ مباشرةً وغيَّرتُ مصيرَ ثيو.
لذا لا داعي للقلق، غير أن حلولَ الموعدِ المفترضِ لموتهِ بثَّ في نفسي خوفًا خفيًا.
ألم يكن هناك فيلمُ رعبٍ شهير؟
الوجهةُ الأخيرة أو شيءٌ من هذا القبيل….
كانت فكرتُهُ أن الإنسانَ لا مفرَّ له من قدرِه المحتوم.
فرغم تغييرِ مصيرِ الموتِ برؤيا مسبقة، يعودُ شبحُ الموتِ في النهايةِ ليطاردَ الضحايا مهما حدث!
‘يا للهول، هذا مرعب. تحسبًا لأيِّ طارئ، سألازمُ ثيو وأراقبه عن كثبٍ حتى ينقضيَ هذا الربيعُ بسلام.’
فالحذرُ المفرطُ خيرٌ من الإهمال….
عزمتُ على ذلك وهممتُ بالعودةِ إلى غرفتي.
“أعدِ النظرَ في الأمر!”
“قلتُ لكَ هذا هو الخيارُ الأفضل.!”
صراخُ رجلينِ يتعالى فجأةً بغضب.
“يا إلهي….”
فزعتُ من الصوتِ العالي المنبعثِ من مكتبِ أبي.
***
مكتبُ إينوك.
اجتمعَ أربعةُ أشخاصٍ للتخطيطِ الاستراتيجيِّ قبيلَ حملةِ إبادةِ الوحوشِ الكبرى.
“أعدِ النظرَ في الأمر!”
“قلتُ لكَ هذا هو الخيارُ الأفضل؟!”
كان أكسيون وإينوك يتجادلانِ منذ ساعاتٍ والخرائطُ مبسوطةٌ أمامهما.
“عفوًا، اهدآ قليلًا؛ ألا يجدرُ بكَ يا سير أكسيون الامتثالُ لأوامرِ القائد؟ فالسير إينوك ليس غافلًا عن شؤونِ المعارك.”
قال الشابُّ الواقفُ بينهما وهو يراقبُ الموقفَ بحذر.
هذا الرجلُ ذو الشعرِ الأزرقِ الطويلِ المربوطِ برخاوةٍ يُدعى جوليان.
قائدُ فرسانِ السحر المقدس دوس، وأحدُ كبارِ القادةِ في حملةِ الإبادةِ هذه.
“والدي، أرى أنا أيضًا أن خطةَ القائدِ هي الأنسب.”
تدخلَ تشيشير الذي كان يستمعُ بصمت. كانت هذه أولَ جلسةِ تخطيطٍ يشاركُ فيها كقائدٍ لفرسانِ المبارزين السحريين.
“…….”
حين انحازَ القائدانِ كلاهما إلى صفِّ إينوك، حدَّقَ أكسيون بعينينِ مضطربتينِ في الخريطةِ المبسوطةِ على المكتب.
“…تشيشير يقودُ لأولِ مرة.”
“أجل، تساءلتُ لِمَ تعاندُ هكذا وأنتَ خبيرٌ بالمعارك؛ هلا اعترفتَ صراحةً بأنكَ قلقٌ على الفتى فحسب؟”
رجعَ إينوك شعرَهُ إلى الوراءِ بإرهاق.
كانت الخطةُ تقضي بتقدمِ أربعةِ قادةٍ من الجهاتِ الأربعِ لسحقِ الوحوشِ حول مركزِ المعركة.
كان أكسيون قلقًا على ابنهِ الذي يخوضُ أولَ تجربةِ قيادةٍ له.
“وضعتُ أربعينَ في الشرقِ والغربِ بقيادتكَ أنتَ والسير جوليان، وعشرينَ في الشمالِ معي، وثمانينَ في الجنوبِ بقيادةِ تشيشير؛ أدركُ تمامًا أنها قيادتُهُ الأولى وراعيتُ كلَّ ذلك.”
أكبرُ قوةٍ عسكريةٍ وُضعتْ في القطاعِ الجنوبيِّ الأسهلِ في الإبادة.
كان هذا التوزيعُ مراعاةً مفرطةً لتشيشير كقائدٍ جديد.
أدركَ أكسيون ذلك بطبيعةِ الحال.
ولو لم يكن القائدُ تشيشير….
لامتثلَ للأمرِ دون أدنى اعتراض.
“مع ذلك، هذا كثير؛ تكليفهُ بالقيادةِ فورَ توليهِ المنصب؟ تشيشير يفتقرُ للخبرة، وسأرافقه أنا.”
“ما هذا الهراء؟ ومن سيتولى الشرقَ إذًا؟”
“ألا يمكنُ طلبُ تعزيزاتٍ من جلالته؟ فقائدُ فرسانِ القبضةِ المقدسةِ بلا عمل.”
ضحكَ إينوك باستهجانٍ واستغراب.
“ألا تعلمُ أن غالبيةَ الوحوشِ هذه المرةَ طائرة؟ أتنوي جرَّ المقاتلينَ بالأيدي إلى مقبرةٍ جماعية؟”
كان استبعادُ مقاتلي القبضةِ المتخصصينَ في القتالِ القريبِ والعاجزينَ عن إطلاقِ طاقةِ السيفِ مبررًا تمامًا.
وكان هذا الأمرُ أيضًا معلومًا تمامًا لأكسيون.
لكنه قلقٌ على تشيشير فحسب.
“سأُجَنُّ حقًّا.”
خلافٌ في الرأي لم يُحسمْ أبدًا.
وهذه الجلسةُ التي انطلقتْ منذ الفجرِ تجاوزتْ ساعتَها السادسة.
***
‘أيتشاجرون؟’
ألصقتُ أذني ببابِ المكتبِ محاولةً استراقَ السمع.
“واااه!”
فُتحَ البابُ من الداخلِ فجأة.
ترنحَ جسدي وسقطتُ بين ذراعي أحدهم.
رفعتُ رأسي فإذا به تشيشير.
“صه.”
ارتبكَ للحظة، ثم التفتَ إلى الوراءِ بحذرٍ وأغلقَ البابَ وخرج.
“أانتهيتم؟”
سألتُهُ، فهزَّ تشيشير رأسَهُ نفيًا.
“…يبدو أن الأمرَ سيطولُ كثيرًا.”
“أيستغرقُ الأمرُ كلَّ هذا الوقتِ عادة؟ اجتمعتم منذ الفجرِ وحانَ وقتُ الغداءِ الآن!”
“في الواقع….”
ترددَ تشيشير قليلًا ثم قال:
“لأنّ العمٍ ووالدي… مختلفانِ في الرأي.”
أبي وأكسيون؟
كان الأمرُ مفاجئًا، فقد كانا في الروايةِ الأصليةِ كجسدٍ واحد.
“فيمَ يختلفان؟”
“…أين أخواكِ؟”
سألَ تشيشير عن التوأمينِ وهو يتنهدُ تكرارًا على غيرِ عادته.
“خرجا كلاهما للتدريب.”
“حسنًا.”
حدَّقَ فيَّ تشيشير مليًا، ثم أومأ برأسهِ نحو البابِ الخارجي.
“أتخرجينَ قليلًا؟”
***
“…هذا ما حدث.”
“همم، هكذا إذًا.”
وضعَ تشيشير الغصنَ الذي كان بيدهِ بعدما أنهى حديثه.
فقد شرحَ لي كلَّ شيءٍ برسمِ المخططاتِ بدقةٍ على ترابِ ساحةِ التدريبِ كي أستوعب.
“باختصار، يواصلُ عمي الاعتراضَ على خطةِ أبي لأنه قلقٌ عليك؟”
“أجل.”
“أتفهمُ موقفَ عمي تمامًا؛ فهذه أولُ مرةٍ تقودُ فيها دون كبارٍ بجانبك.”
“من المحرجِ تسميتُها قيادةً حتّى؛ فالجنوبُ هو الأسهلُ والأكثرُ أمانًا بحكمِ التضاريس.”
“مع ذلك، لا يدري المرءُ ما قد يحدث؛ فالمفاجآتُ واردةٌ في أيِّ لحظة.”
“لذا وضعَ العم ثمانينَ مقاتلًا في الجنوب، مدركًا أنه هدرٌ لكن لأجلي فقط.”
ضمَّ تشيشير ركبتيهِ وتنهدَ بعمقٍ مجددًا.
“…لا أفهمُ لِمَ يفرط في القلقِ عليَّ هكذا، لدرجة أن يعصي أوامر القائد؟”
بدا أنه عاجزٌ تمامًا عن استيعابِ حمايةِ أكسيون المفرطة.
“ألهذا الحدِّ لا يثقُ بي؟”
“كلا يا تشيشير، فالجميعُ يعلمُ قوتك، لكن المعاركُ الواقعيةُ تختلف؛ ولا يُسلَّمُ منصبُ القيادةِ لذوي الخبرةِ عبثًا.”
“لكن لا بدَّ لي من خوضِها يومًا لاكتسابِ تلك الخبرة.”
هذا صحيحٌ أيضًا؛ ولهذا أسندَ أبي تلك المهمةَ لتشيشير.
‘أتفهمُ موقفَ أبي وعمي كلاهما.’
ربتُّ على كتفِ تشيشير وأنا أستحضرُ صورةَ أكسيون في ذهني.
‘أفضل أب!’
في الحقيقة، لم أتوقعْ أن يعتزَّ بتشيشير إلى هذا الحد.
إذ لم يكن بينهما مثلُ هذا الرابطِ الوثيقِ في الروايةِ الأصلية.
لكن، ألعلَّ ذلك بفضلِ الرابطةِ التي نمتْ بينهما؟
عاملَ أكسيون تشيشير كابنٍ حقيقيٍّ من دمه، وراقتني تلك المعاملةُ كثيرًا.
لذا بصراحة، وددتُ الانحيازَ إلى صفِّ أكسيون أكثرَ من أبي.
لأنني أتفهمُ مشاعرَهُ تمامًا!
فالأبناءُ يبقونَ صغارًا في أعينِ آبائهم مهما كبروا، والقلقُ عليهم دائم.
فكيف إذا كانت وجهتُهم ساحةَ حربٍ بين الحياةِ والموت….
“عمومًا، لندخلِ الآن؛ معدتي تصدرُ أصواتًا من الجوع.”
“آه، حسنًا.”
سآكلُ شيئًا ثم أفكرُ في الأمرِ ثانيةً.
في تلك اللحظةِ التي دخلتُ فيها المنزلَ مع تشيشير.
“أجل، افعلْ ما يحلو لك!”
“أنهِ الحديثَ قبل أن تذهب!”
تجمدنا عند المدخلِ من شدةِ الصدمة.
في الطابقِ الأول، كان أكسيون وأبي يتجادلانِ بحدةٍ حتى انتفختْ عروقُ عنقيهما.
“أتراني أعترضُ على كلِّ صغيرةٍ وكبيرة؟ طلبتُ منكَ مراجعةَ الأمرِ مرةً واحدةً فقط، لأن هذا مبكرٌ جدًا على الفتى.”
“وهل من خيارٍ آخر؟ حشدتُ أقصى ما يمكنُ من القوات، وتشيشير هو الأكفأُ بينهم ولذا تمّ تعيينُه قائدًا؛ لقد أثبتَ جدارتَه بما يكفي، فهل تراني أرسلهُ ليموت؟”
“من يدري، فهو ليس ابنَكَ على أيةِ حال.”
“ماذا؟”
أوه….
تصاعدتْ حدةُ الكلامِ بينهما….
كممتُ فمي الفاغرَ ونظرتُ خلسةً إلى تشيشير الواقفِ بجانبي.
كانت ملامحُهُ معقدة.
“رجلٌ متمرسٌ مثلكَ ويعجزُ عن الحكمِ العقلاني؟ أنتَ تعلمُ أنكَ تعاندُ بلا منطق وتتصرّف بسخافة.”
“عذرًا لقلةِ عقلانيتي! لكن هل تستطيعُ أنتَ أن تكونَ عقلانيًا دومًا؟ ألهذا السببِ هربتَ من الخدمةِ سابقًا؟”
“ماذا؟”
يا للهول….
هذا قويّ جدًا، قويٌّ للغاية….
“أكنتَ ستفعلُ الشيءَ نفسه لو كانت ابنتَك؟”
“ما دخلُ ليليث في هذا الأمرِ فجأة؟”
“فكرْ في الأمر؛ لو كانت ابنتَك، أكنتَ سترسلُها كقائدةٍ فورَ حصولها على شارةِ النخبةِ في هذه السنِّ المبكرة؟”
“هه، أتقارنُ بين الاثنين؟”
“أجل، علمتُ أنكَ ستقولُ هذا.”
ضحكَ أكسيون باستهزاءٍ ثم تجهمَ وجهُهُ فجأةً واستدار.
“…….”
ترددَ حين لمحني أنا وتشيشير واقفينِ عند المدخل، ولكن.
“قف، هذا أمر.”
“…إن كان الطرف الآخر قد هربَ من الخدمة، فلا بأسَ بعصيانِ أمرِ الوقوف.”
تهكمَ على كلامِ أبي بتلك العبارةِ ثم خرجَ مسرعًا.
‘يا لها من كارثة….’
حدَّقَ أبي بغضبٍ في البابِ الذي خرجَ منه أكسيون، ثم استدارَ بحنقٍ وعادَ إلى مكتبه.
“مـ، ماذا نفعل…؟”
“…….”
بدا تشيشير عاجزًا عن التصرفِ هو الآخر.
ما العملُ في هذا الموقفِ حقًّا؟
صداقةٌ تعصفُ بها الرياح….
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.