الفصل 132: الفصل
132
الفصل 132
لسببٍ ما، كان هناك حجرٌ تحطم إلى أشلاء على يد أوسكار الغاضب، حتى بات من المستحيل معرفة شكله….
‘طباعه مرعبة فعلًا.’
…كان ذلك ما لمح إليه إينوك سريعًا، ثم تبع أوسكار بفتور.
أطلال تشبه المتاهة.
لكن بما أنه لم تكن هناك أي تفرعات، فقد واصل الاثنان سيرهما دون عوائق.
وسرعان ما توقفا عند مكان مسدود.
لكن حاستيهما الحادتين شعرتا فورًا بطاقة غريبة.
لم يعرفا ما هي الآثار المقدسة، لكن من المؤكد أنها كانت خلف هذا الجدار المسدود.
‘تبًا، كم هذا مزعج.’
قطّب أوسكار حاجبيه.
يبدو أنه سيضطر إلى استخدام سحر الانتقال مرة أخرى لعبور الجدار….
لكن الجدران الحجرية تحيط بهم من كل جانب، ولم يكن هناك مكان مناسب لرسم دائرة سحرية.
‘ما هذا الأثر المقدس حتى يُخبئ بهذا الشكل؟ إن لم يكن شيئًا مهمًا، فسأهدم كل شيء وأرحل.’
وبينما يفكر، عضّ أوسكار سبابته بأسنانه وجرحها.
كان ينوي رسم دائرة سحرية بدمه.
“ابتعد، أيها سيد البرج.”
“……؟”
لكن إينوك دفع أوسكار إلى خلفه، ثم لوّح بالغصن الذي كان يحمله بضربةٍ واحدة قوية.
ششش―!
اصطدمت المانا الزرقاء بالجدار الحجري القديم، ورسمت عليه خطًا مائلًا،
كراااار―.
“ماذا بحق الخالق؟!”
فتح أوسكار فمه بدهشة.
انهار الجدار الذي كان يهتز بشكل خطير، وتصاعد الغبار والدخان من حطامه كموجة.
“ما هذا بحقك! كح، كح! ما هذا التصرف الهمجي؟!”
أخذ أوسكار يسعل، وراح بيده يتحسس طريقه وسط الرؤية الضبابية.
“ماذا ستفعل إن انهار السقف كله وسقط فوقنا؟ هل تريد أن تُدفن حيًا مع الأثر المقدس؟”
“لو كانت هذه الأطلال ستنهار من ضربة كهذه، لانهارت منذ زمن.”
…في الواقع، كان محقًا.
فالسبب في بقاء هذه الأطلال مخفية ومحافظةً على حالتها طوال آلاف السنين هو سحر الحفظ القوي.
ظننته لا يجيد سوى استخدام القوة، لكن حاسته ليست سيئة أيضًا.
“واو، اللعنة. مهما يكن، لكن….”
نقر أوسكار بلسانه وهو ينظر إلى ظهر إينوك الذي تخطى بسهولة حطام الجدار المنهار.
أسلوبه ليس هادئًا على الإطلاق.
“أهذا هو؟”
لمعت عينا إينوك.
مذبح دائري يرتفع حتى مستوى الخصر.
وفوقه حجر بحجم قبضته.
‘قلب؟’
وبعد أن أمعن النظر، أدرك أنه لم يكن حجرًا عاديًا، بل كان يشبه قلبًا منحوتًا….
مدّ إينوك يده دون تردد.
طَقّ طَقّ―!
اصطدمت قوة مختلفة اختلافًا تامًا بعنف، مصحوبة بألمٍ مروّع.
مقاومة قوية.
كان هناك حاجز سحري.
حاجزٌ سحري، وهو نوعٌ من السحر لا يمكن إبطاله إلا من قِبل من ألقاه، لأن الساحر هو من يضع بنفسه شفرة التعويذة السحرية.
أما من ألقاه، فلا بد أنه كاهن قديم مات منذ زمن بعيد.
لكن.
‘لا يهم، لولا أنني أنا، لما استطاع أحد اختراقه.’
والأمر الجيد أن صاحب قدرات بمستوى إينوك يستطيع كسره بالقوة، ولو اضطر إلى ضخ كمية هائلة من المانا.
كان لا بد من اختراقه مهما كلف الأمر.
ومن دون أدنى تردد، مدّ إينوك يده اليسرى بدل يده اليمنى التي كان يفترض أن يمسك بها السيف.
طَقّ طَقّ―!
كان الألم الناجم عن احتراق يده مروّعًا.
لكن إينوك زاد من قوته دون أن تتغير ملامحه.
قليلًا فقط، أكثر.
“آآخ! أيها المجنون!”
في تلك اللحظة.
وصل أوسكار متأخرًا وأمسك بذراع إينوك وجذبها بقوة.
“واو، يا إلهي، واو، حقًا.”
كانت عينا أوسكار، الذي نادرًا ما يفاجأ، متسعتين كأنهما ستخرجان من محجريهما.
“أأنت مجنون حقًا؟ ستضع يدك هنا؟ هل جننت؟”
“هناك حاجز، يجب اختراقه.”
ابتلع أوسكار ريقه أمام الإجابة الهادئة.
“…هل تنوي أن تترك ذراعًا هنا؟”
كان بإمكان إينوك كسر الحاجز بالقوة، لكن من المؤكد أن يده لن تخرج سالمة.
ظل أوسكار يحدق بعينين مرفوفتين دون أن يجد ما يقوله، وهو ينظر إلى اليد التي احترق نصفها تقريبًا بشكل مروّع.
“أجل…. إنه يفعلها حقًا…. كان ينوي فعلًا التضحية بذراع كاملة لأخذ الأثر معه…. كنت أعرف أنك مجنون، لكنك اتخذت قرار العيش طوال حياتك كمعاق في ثانية واحدة….”
اشتعل الغضب في صدره.
لم يعجبه الأمر إطلاقًا.
“لو قيل لك أن تموت بدلًا من الطفلة، هل ستموت دون تردد؟”
وهذا الجانب فيه، قديمًا والآن، لم يتغير.
“وأنت أيضًا.”
قال إينوك وهو يراقب أوسكار الساخر بنظرة غريبة.
“أنت مثلي تمامًا.”
“……”
رفع أوسكار عينيه الحادتين ونظر إلى إينوك.
وتشابكت نظراتهما.
***
‘آه!’
فتحت عيني فجأة، ومددت يدي إلى عنقي بشكل غريزي.
ففي اللحظة الأخيرة، لا بد أن سيف تشيشير قد فصل رأسي عن جسدي.
‘هاه، إنه في مكانه فعلًا….’
تنفست الصعداء، وسارعت أيضًا إلى تفقد حجم يدي.
لقد عادت.
عدت إلى جسدي.
‘لكن أين أنا؟’
كتب كثيرة متناثرة عند قدمي.
ومكان فوضوي.
نظرت حولي، ورغم أنني كنت أزوره للمرة الأولى، عرفت فورًا أين أنا.
لأن أوسكار كان هناك.
‘أهذا برج السحر؟ غرفة معلّمي؟’
كان أوسكار راكعًا ومنهارًا على الأرض، بملامح محبطة لسبب ما.
“لماذا لا ينجح؟ لماذا….”
وتحت جسده، كانت دوائر سحرية معقدة مرسومة بالطبشور الأبيض في فوضى.
أدركت الأمر فورًا.
هذا ما بعد موتي.
ربما كان أوسكار يستعد لاستخدام سحر العودة إلى الماضي لإحيائي.
‘ظننت أن هذا الحلم سيستمر طويلًا بشكل مقرف…. لكنه ليس سيئًا.’
نهضتُ بسرعة.
كنت أعرف أن أوسكار استخدم سحر العودة، لكنني لم أكن أعرف على وجه اليقين ما الذي دفعه ثمنًا لذلك.
لكنني سأعرف من خلال هذا الحلم.
“انتظر يا معلّمي، فأنا ذكية، وسأعرف الأمر حتمًا.”
الكتب المفتوحة أمامي بوضوح.
والأوراق المليئة بخط أوسكار.
من المؤكد أنني سأتمكن من معرفة الأمر.
“آه.”
لكنني لم أتمكن حتى من معرفة شيء، إذ انهرت أمام ما رأيته.
شروط الإحياء.
السحر المحظور، الإحياء، إعادة الموتى.
لإحياء الهدف….
لا بد من مبادلة حياة بحياة على أساس التكافؤ….
السحر الذي يحاول أوسكار استخدامه الآن.
لم يكن سحر العودة إلى الماضي.
بل كان سحر الإحياء.
‘ما الذي….’
حدقت في أوسكار شاردة.
لا أعرف شروط العودة إلى الماضي، لكنني أعرف شروط الإحياء جيدًا.
مبادلة حياة بحياة.
‘لم يكن يحاول استخدام سحر العودة منذ البداية، بل سحر الإحياء…. وبحياته هو….’
لكن يبدو أنه فشل لسبب ما.
عندما أدركت الحقيقة، عجزت عن الكلام.
“آه.”
استلقى أوسكار بإحباط فوق الدائرة السحرية التي أعاد رسمها عشرات المرات.
وكان يغطي عينيه بذراعه.
ظهرت شفتاه المطبقتان بقوة.
وبدا كأنه يبكي.
“……”
مسحت دمعة انزلقت من عيني، ثم اقتربت منه بهدوء واستلقيت إلى جانبه.
“يا معلّمي….”
“……”
“من الأفضل أنه فشل.”
لو نجح هذا، لكان الأمر فظيعًا حقًا.
كنت سأعود إلى الحياة مقابل حياة أوسكار.
ولأنني كنت سأعيش دون أن أتذكره على الأرجح، مثل الحمقاء، شعرتُ بالارتياح.
“حقًا، هذا أفضل….”
وبعد لحظات، تغير المشهد أمام عيني بسرعة، فنهضت مذعورة.
بدا وكأن الزمن يمر.
رأيت أوسكار منشغلًا بمحاولاته المستمرة لاستخدام سحر الإحياء، وبعدها بقليل….
“أبي!”
رأيت أبي وأوسكار جالسين متقابلين.
‘يا إلهي! أبي بخير!’
كلما تخيلت كيف كان العالم بعد موتي، كان أبي أكثر ما يقلقني.
『”كيف سيعيش أبي بعد موتي؟”』
『”كيف سيعيش، تسألين؟ لن أستطيع العيش.”』
『”أريد البقاء بقرب أميرتي طوال الوقت، لذا سأتبعها أينما ذهبت. فلن يستطيع أبوكِ العيش بدون أميرته أبداً.”』
تلك الكلمات التي جعلت قلبي يهوي.
ظللت أقلق، ماذا لو فعل أبي شيئًا سيئًا فعلًا؟
‘يا للارتياح.’
أسرعت نحوه وأخذت أتفحص وجه أبي.
ربما لأنني حلمت طويلًا، فقد اختنقت بالدموع عندما رأيت وجه أبي بعد وقت طويل.
“لكن يا أبي، لماذا وجهكَ هكذا….”
وجهه الذي صار نحيلاَ وشاحبًا.
حتى عيناه فقدتا بريق الحياة.
‘هذا يحزنني حتى الموت.’
مددت يدي نحو أبي الذي لم أستطع حتى لمسه.
“أنقذها.”
تجمدت في مكاني عند هذه الكلمات المفاجئة.
“ابنتي….”
ما الذي يقوله؟
“تريد إحياء ابنتك؟ بريميـرا، من جديد؟”
استدرت نحو أوسكار.
وبمجرد أن رأيت بريقًا يلمع في عيني أوسكار، اللتين كانتا شبه ميتتين بسبب فشل سحر الإحياء الذي ألقاه مستخدمًا حياته ثمنًا له، حدث شيء ما.
“يا معلّمي؟ انتظر لحظة.”
سقط قلبي.
لا.
لا، أليس كذلك؟
لسبب ما، شعرت بطنينٍ في أذنيّ، فلم أعد أسمع حديثهما بوضوح.
لا، ليس هذا.
“أ، أبي…. لا، لا تفعل.”
لماذا؟
لماذا لا يفهم؟
حتى لو عدت إلى الحياة مقابل حياة أبي، فلن أكون سعيدة إطلاقًا.
ولو حدث ذلك فعلًا، فأنا على الأرجح سأعيد أبي إلى الحياة دون تردد.
لذلك فهذا فعلٌ عديم الفائدة حقًا.
حقًا.
“هل يمكنكَ أن تموتَ بدلاً منها من أجلِها؟”
سأل أوسكار.
“لا!”
رغم أنني كنت أعرف أن ذلك بلا جدوى، صرخت أمام أبي.
“أبي! لا! لا أريد! لا تفعل!”
“بقدر ما كلّف الأمر.”
لكن أبي أجاب دون أدنى تردد.
“لا، لا….”
فقدت ساقاي قوتهما، فسقطت على الأرض.
***
ظلّت نظرات إينوك وأوسكار متشابكة على نحو غريب، بصمت، لفترة قصيرة.
سخر أوسكار.
“أنتَ أيضًا مثلي.”
حسنًا، صحيح.
فهذا الرجل سريع البديهة لا يمكن أن يجهل شيئًا.
سواء حقيقة أنه عاد بالزمن مستعدًا لتكرار هذا الوقت البائس من أجل ليليث وحدها، أو أي شيء آخر.
“ليس لدي وقتٌ للجدال معك.”
سرعان ما قطع إينوك التوتر أولًا.
“لا توجد طريقة أخرى، فكيف لي أن أكسره؟ أنا الوحيد القادر على ذلك.”
أمسك أوسكار بإينوك مجددًا عندما حاول إدخال يده اليسرى في المذبح.
“لا، اسمعني، إذا كنت ستتصرف بهذا الشكل الهمجي، فلماذا جئت معي أصلًا؟”
ضيّق إينوك عينيه أمام كلامه الغريب.
ما الذي يقصده؟
لا تقل إنه سيفعلها مجددًا؟
“هل لديك طريقة أخرى، أليس كذلك؟”
“ألم تتخرج من معسكر التدريب؟ ألم تتعلم كيفية إبطال سحر الحواجز؟”
“برسم التعويذة السحرية بالعكس.”
“…؟ يبدو أنك َتعرف جيدًا. لكن؟”
“كيف لي أن أعرف تعويذة رسمها شخص مات منذ آلاف السنين لأرسمها بالعكس؟ وكيف أعرف الشفرة التي استخدمها لرسمها؟”
“……”
“……”
ساد الصمت.
‘آه، صحيح. من الطبيعي أنه لا يعرف.’
لا عجب.
رمش أوسكار ببطء، وقد أدرك خطأه، ثم أخذ يتجنب نظرة إينوك خفية.
“ما هي؟”
اقترب أوسكار من المذبح دون كلام، وبدأ يرسم شيئًا بإصبعه السبابة التي جرحها مسبقًا.
“لا تقل لي….”
تمتم إينوك من خلفه.
“…هل هي طريقة أخرى لا يعرفها سواك، مثل سحر الانتقال؟”
لم يجب.
يبدو أن تخمينه كان صحيحًا.
سأل إينوك وهو يراقب ظهر أوسكار المنشغل برسم التعويذة السحرية:
“هل تحاول تحليل تعويذة الحاجز الموجودة هناك؟ يا سيد البرج، هل لديك طريقة لمعرفة شفرة تعويذة سحرية صنعها شخص آخر؟”
ولم يجب أوسكار أيضًا عن سؤال إينوك الحاد.
يبدو أن هذا صحيحٌ أيضًا.
“ها.”
“ماذا؟ لماذا؟ ماذا؟”
عندما سُمع صوت إينوك الساخر المليء بالذهول، تذمر أوسكار وهو يواصل رسم التعويذة.
“هل تريد أن تضربني لأنني سيد برج فاسد الأخلاق، ومنغلق في البرج طوال الوقت بشكل مريب، وصنعت كل أنواع السحر المفيد وأبقيته لنفسي، ولذلك أثير أعصابك؟”
انتفض إينوك، وحرك شفتيه قبل أن يقول بهدوء:
“…لم أفكر في الأمر إلى هذا الحد.”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.