مساحة للحكاية، ووقت لك← My Daddy Hides His Power
الفصل 123: الفصلنحو 11 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 123: الفصل

123

الفصل 123

 

***

 

في يومٍ من أيامِ شهرِ ديسمبرِ.

 

فصلُ الشتاءِ، وهو الموسمُ الذي تبلغُ فيهِ الوحوشُ السحريةُ ذروةَ شراستِها.

 

كان أكسيون ليبر يقومُ بتطهيرِ الوحوشِ السحريةِ في المناطقِ الشماليةِ.

 

ولتحقيقِ تطهيرٍ أكثرَ كفاءةً، شكّلَ أكسيون فرقةَ تطهيرٍ منفصلةً عن إينوك.

 

وبعبارةٍ أخرى، فهو لا يستطيعُ الاستمتاعَ براحةِ البالِ بجانبِ قائدهِ الماكرِ، بل يعملُ بجدٍّ مستمرٍّ.

 

“من يكونُ هذا الفتى؟”

 

وسطَ ذلكَ، لفتَ أحدُ أصحابِ القدراتِ انتباهَ أكسيون.

 

كأنهُ ظهرَ للتوِّ في ساحةِ المعركةِ، فتى يبلغُ من العمرِ نحو ستةَ عشرَ عاماً.

 

شعرٌ أحمرُ كان ساطعاً بشكلٍ صارخٍ وسطَ حقولِ الثلجِ البيضاءِ.

 

مهارتُهُ في تمزيقِ الوحوشِ السحريةِ بيديهِ العاريتينِ ودون ترددٍ لم تكن عاديةً أبداً…

 

“أكان هناك شخصٌ بهذهِ الكفاءةِ بيننا؟”

 

“آه، ليسوا من جيشِ الإمبراطورِ بل مرتزقةٌ. يقالُ إنهُ من رتبةِ دييز (*المرتبةُ السادسةُ من أصلِ ست مراتبٍ لأصحابِ القدراتِ*).”

 

قالَ فيليب، مساعدُهُ الواقفُ بجانبِهِ.

 

اتسعتْ عينا أكسيون بذهولٍ.

 

“دييز؟”

 

“نعم. أليسَ مذهلاً حقاً؟ ويقالُ إنهُ صبيٌّ تخرجَ من معهدِ التدريبِ هذا العامِ. وقد شاعَ صيتُهُ بالفعلِ في فرقِ المرتزقةِ بأنهُ يقاتلُ مئةَ رجلٍ بمفردهِ.”

 

“معهدُ التدريبِ؟”

 

“وعمرُهُ احد عشرَ عاماً.”

 

“إحدى عشرة؟ بهذا الحجمِ؟”

 

الأمورُ تزدادُ غرابةً.

 

هذهِ المرةِ انفتحَ فمُهُ حتى أوشك أن يسقطَ.

 

إن تخرجَ من معهدِ التدريبِ هذا العامِ، فهو إذن في دفعةِ تشيشير وليليث.

 

وعلاوةً على ذلكَ، عمرُهُ إحدى عشرةَ سنةً؟

 

إنهُ نفسُ عمرِ تشيشير.

 

تشيشير الذي كان يكرسُ نفسَهُ للتدريبِ مؤخراً وكأنهُ مطاردٌ بشيءٍ ما، كان يطلبُ من أكسيون مبارزتَهُ اثنتي عشرةَ مرةً في اليومِ.

 

『”…لا تحاولْ التساهلَ معي، أرجوكَ. لا بأسَ لو تعرضتُ للإصابةِ.”』

 

『”كلامٌ فارغٌ. إن أُصبتَ فلن تستطيعَ التدريبَ. تدربْ باعتدالٍ.”』

 

تذكرَ أكسيون تشيشير ونقرَ بلسانِهِ ممتعضاً.

 

في الواقعِ.

 

‘أنا لم أكن متساهلاً معه…’

 

كان عليهِ إخفاءُ حقيقةِ أنهُ بذلَ قصارى جهدِهِ حتى يدخلَ قبرَهُ.

 

مهما نظر إلى الأمرِ، لم يعدْ لدى تشيشير ما يتعلمُهُ منهُ. 

 

رغمَ أسفه، لكن سيتعينُ عليه إرسالُهُ إلى إينوك أوقاتَ التدريبِ.

 

‘على كلِّ حالٍ، ما الذي يحدثُ في معهدِ التدريبِ هذا العامِ؟’

 

ظهرَ اثنانِ من رتبةِ دوس، وقدراتُهما هائلةٌ، وها هو ذا شابٌ برتبةِ دييز يقاتل بجنونٍ.

 

“الجميعُ هنا وحوشٌ حقاً.”

 

تابعَ أكسيون الفتى ذا الشعرِ الأحمرِ وهو يؤدي أداءً باهراً، وأخرجَ لسانَهُ مندهشاً.

 

***

 

سقطتِ الثلوجُ الأولى في العاصمةِ.

 

في صباحِ يومٍ شتويٍّ غطتْ فيهِ الثلوجُ الناعمةُ الشوارعَ.

 

كلُّ شيءٍ كان مثالياً تماماً، لولا أن أبي الذي باتَ يغيبُ كثيراً بسببِ تطهيرِ الوحوشِ لم يكن هنا لنشاهدَ الثلجَ الأولَ معاً…

 

“أخبارٌ عاجلةٌ، أخبارٌ عاجلةٌ!”

 

“ظهرتْ رؤيا مقدسة في معبدِ بافيل!”

 

كانت العاصمةُ تعجُّ بالضجيجِ منذ الصباحِ الباكرِ.

 

يقالُ إنَّ الجدّ كبيرَ كهنةِ معبدِ بافيل، قد تلقى رؤيا فجأةً.

 

<اجعلوا بركاتي تنتشرُ في عمقِ القارةِ في أسرعِ وقتٍ ممكنٍ.

 

ففي ذلكَ تعزيزٌ لقوتي ورعايةٌ أكبرُ لخدمي.>

 

كانت رؤيا تحثُّ على حربِ توحيدِ القارةِ.

 

أسرعوا واحتلوا الدولَ الأخرى!

 

حينها سأعتني بكم أكثرُ!

 

―يمكن تفسيرها بهذا المعنى تقريباً.

 

‘واو، كنتُ أدركُ أنَّ الإمبراطورَ الذي اشتعلتِ النيرانُ تحتَ قدميهِ كان يريدُ الاستيلاءَ على الأراضي بسرعةٍ، ولكن…’

 

أصبتُ بالإحباطِ.

 

‘لم أكن أتوقعُ أن يستخدمَ إنجازاتي (؟) بهذهِ الطريقةِ!’

 

الرؤيا المزيفةُ التي خلقتُها لتقويةِ موقفِ المعبد القديم وشفاء المرضى.

 

بعدَ أن نهضَ المرضى من فراشِ الموتِ بالفعلِ…

 

ثبتَ للجميعِ أنَّ الحاكم الذي غابَ طويلاً، ما زال موجوداً حقاً.

 

وبالطبعِ!

 

وصلَ إيمانُ شعبِ الإمبراطوريةِ إلى ذروَتِهِ نتيجةً لتلكَ الحادثةِ.

 

ووسطَ كلِّ هذا، تأتي رؤيا جديدةٌ؟

 

بالتأكيدِ، إنها كذبةٌ دبرها الإمبراطورُ وكبيرُ الكهنةِ معاً.

 

‘بهذهِ الأجواءِ، سيصدقُها الجميعُ دونَ شكٍّ.’

 

الإمبراطورُ يفعلُها مجدداً!

 

استخدمَ ذكاءَهُ مرةً أخرى.

 

بعدَ أن ظهر الحاكم، عادَ لاستغلالِ ذلكَ عكسياً.

 

من أجلِ تشجيعِ حربِ الغزوِ!

 

أخذتُ أعضُّ على أظافري بقلقٍ.

 

‘في ظلِّ هذهِ الأجواءِ، إن رفضَ أبي خوضَ الحربِ؟ ألن يتعرضَ للَّومِ الشديدِ وحدهُ؟ ولكني لا أستطيعُ السماحَ بوقوعِ الحربِ أصلاً!’

 

لماذا تؤولُ الأمورُ دائماً إلى هذا الحدِّ؟

 

كنتُ أنوي الانتظارَ بهدوءٍ الثورة، لكنني شعرتُ وكأنني أتورطُ في معركةِ دهاءٍ بيني وبين الإمبراطورِ…

 

‘آه، أنا لا أملكُ الثقةَ.’

 

بدأتُ أشعرُ برغبةٍ في البكاءٍ.

 

كلما فعلتُ شيئاً زادتْ احتماليةُ كشفِ هويتي، ولهذا كنتُ أنوي البقاءَ هادئةً قدرَ الإمكانِ.

 

‘ولكن لا خيارَ لديَّ. لا يمكنُني خوضُ الحربِ، ولا يمكنُني السماحُ لأبي بالوقوفِ في وجهِ الرؤيا لكي لا تتقلصَ مكانتُهُ.’

 

أنا مَن متسببتُ في هذا أساساً.

 

وبما أنني جعلتُ الإمبراطورَ يستغلُّ ذلكَ…

 

فيجبُ عليَّ إصلاحُ الفوضى بنفسي.

 

تنهَّدتُ ونهضتُ من مكاني.

 

***

 

معبدُ سيراف.

 

كان الكاهنُ زادكيل الذي التقيتُ بهِ بعدَ فترةٍ طويلةٍ كما عهدتُه.

 

“تفضلي بتذوقِ هذا، يا أميرة!”

 

“واااااو.”

 

“آهاهاها!”

 

وضعَ قطعةَ خبزٍ محشوةً بالعسلِ أحضرَها من مكانٍ ما في فمي، وضحكِ بسعادةٍ حين رأى أنني أستمتعُ بتناولِها.

 

‘أووف.’

 

ذلكَ الوجهُ المشرقُ بشعرِهِ الورديِّ كالزهورِ وهو يبتسمُ ببهجةٍ!

 

‘لا بأسَ! إنهُ وجهٌ نقيٌّ لدرجةِ أنني اتألم! جئتُ لأكذبَ مجدداً اليومَ لذا يؤلمني ضميري!’

 

شعرتُ وكأنني شيطانٌ يحترقُ تدريجياً بفعلِ النورِ المنبعثِ من وجهِ الملاكِ زادكيل…

 

حاولتُ عبثاً رفعَ يدي لتغطيةِ عينيَّ.

 

“أنتِ ملاكٌ حقاً، أيتها الأميرةُ.”

 

“…عفواً؟”

 

أخذَ زادكيل المنشفةَ التي كنتُ أستخدمُها و بدأ بفركِها وهو يقولُ:

 

“أين نجدُ شخصاً مثلكِ يا أميرة؟ رغمَ مقامِكِ الرفيعِ، إلا أنكِ تعملين كلّ أنواع الأعمال الشاقة. وأنتِ أصغر مني، فالمفترضُ أنكِ تبحثينَ عن اللعبِ، ومع ذلكَ تأتينَ بنفسكِ للمساعدةِ التطوعيةِ.”

 

“آه.”

 

كان التطوعُ مجردَ عذرٍ استخدمتُهُ لأتمكنَ من المجيءِ إلى هنا بشكلٍ طبيعيٍّ.

 

ولكن عندما فكرتُ في الأمرِ، أدركتُ أنهُ لو لم يكن لديَّ سببٌ مقنعٌ لما فكرتُ حتى في زيارتِهم مجدداً.

 

شعرتُ بوخزٍ في ضميري وتأنيبٍ، فقلتُ بصوتٍ خفيضٍ:

 

“…أنا آسفةٌ، أيها الكاهنُ. كان يجبُ أن أترددَ هنا كثيراً.”

 

“هاه؟ لا، ما هذا الكلامُ؟”

 

ارتبكَ زادكيل.

 

“أنا من يشعرُ بالأسفِ، لذا أرجوكِ لا تقولي ذلكَ. لا داعي لأن ترهقي نفسكِ هكذا، فكلكم أشخاصٌ مشغولونَ…”

 

نظرَ حولَهُ.

 

كان رجالُ الحراسةِ التابعونَ لبيتنا الذين طلبتُ منهم مرافقتي اليومَ يعملونَ بجدٍّ ونشاطٍ.

 

كانوا يتقاسمونَ المهامَّ مع الكهنةِ، فيحملونَ الأشياءَ الثقيلةَ، ويعتنونِ بالمرضى.

 

“وعلاوةً على ذلكَ، هذهِ الملابسُ…”

 

نظرَ زادكيل إلى ملابسي وبدتْ عليهِ ملامحُ الأسفِ الشديدِ.

 

حسناً، أرتدي اليومَ ملابسَ عامةِ الشعبِ.

 

تلكَ التي كنتُ أرتديها أيامَ عيشي في زينون.

 

وعلاوةً على ذلكَ.

 

“أوهوهو! ما بها؟ هذهِ الملابسُ جميلةٌ. وأيضاً، أيها الكاهنُ، ألا يبدو هذا الشعرُ لطيفاً عليَّ؟”

 

شعرٌ بنيٌّ وعينانِ بنيتانِ!

 

تماماً مثلَ مظهرِ جيمس براون حين كان يخفي قوتَهُ!

 

“بالتأكيدِ! إنها جميلةٌ ولطيفةٌ جداً! تبدينَ كالملاكِ!”

 

“هيهيه.”

 

شعرتُ بالحرجِ وأنا أستمعُ إلى مديحِ زادكيل الصادقِ.

 

السببُ وراء إخفاءِ قوتي… بسيطٌ.

 

لأنَّ عددَ زوارِ معبدِ سيرافِ زاد بعدَ صدورِ الرؤيا.

 

ولم أكن أرغبُ في إحداثِ الضجة.

 

لو تجولتُ ورأسي مكتوبٌ عليهِ “أنا نبيلةٌ!”…

 

“من قبلُ، كنتُ أشعرُ بالكثيرِ من الإحراجِ والأسفِ وكنتُ أتعرضُ لنظراتٍ مستمرةٍ.”

 

سأكتفي بمساعدةِ المعبدِ بهدوءٍ ثم أنفذُ خطتي الأساسيةَ وأعودُ.

 

“آه! أيتها الأميرةُ، أنا ذاهبٌ لاستلامِ بعضِ الأدويةِ، هل ترغبينَ في مرافقتي؟ خذي قسطاً من الراحةِ من العملِ، فقد تعبتِ.”

 

“أدويةٌ؟”

 

“نعم. أتريْنَ هناك؟ المبنى ذو الطوبِ الأحمرِ في الجانبِ الآخرِ.”

 

أشارَ زادكيل إلى ما وراء جدارِ المعبدِ.

 

إنهُ قريبٌ جداً. أومأتُ برأسِي وخرجتُ برفقةِ زادكيل.

 

“إنهُ صيدلانيٌّ من عامةِ الشعبِ، وحين كانت ظروفُ معبدِنا صعبةً، كان يقدمُ لنا الأدويةَ مجاناً دونَ أن يتقاضى أيَّ أجرٍ.”

 

“واو، حقاً؟”

 

“نعم. إنهُ شخصٌ طيبٌ ونبيلٌ حقاً. وحين تدفقتِ التبرعاتُ بغزارةٍ مؤخراً، سددنا لهُ ثمنَ ما قدمَهُ بزيادةٍ لنردَّ جزءاً من جميلِهِ.”

 

يا لهُ من موقفٍ مؤثرٍ.

 

بينما كنا نتبادلُ أطرافَ الحديثِ ودخلنا مبنى الصيدليةِ معاً.

 

“أموالي! أعطني أموالي الآن! ألا تفهمُ؟!”

 

ما هذا الصوتُ؟

 

كانت الصيدليةُ في حالةِ فوضى عارمةٍ ومزريةٍ.

 

العقاقيرُ ممزقةٌ ومبعثرةٌ، والزجاجُ المكسورُ يملأُ الأرضَ بشكلٍ خطيرٍ.

 

“ما الذي تفعلونهُ هنا!”

 

صرخَ زادكيل مذهولاً واندفعَ للداخلِ.

 

كان رجلٌ ذو ملامحَ شرسةٍ يمسكُ بصيدلانيٍّ عجوزٍ ونحيلٍ من تلابيبِ ثوبِهِ ويرفعُهُ عالياً في الهواءِ.

 

“ما الأمرُ، ألسْتَ أنتَ الكاهنَ؟”

 

أنزلَ الرجلُ العجوزَ والتفتَ ليخاطبَ زادكيل بوقاحةٍ.

 

“هل أنتَ بخيرٍ؟”

 

“أح… أح…”

 

أسرعَ زادكيل ليمررَ بعضَ المانا لجسدِ العجوزِ الذي بدا وكأنهُ يختنقُ.

 

ثم صرخَ بغضبٍ:

 

“ما الذي تفعلهُ بحقِّ!”

 

“ماذا أفعلُ؟ أقومُ بعملي. هذا العجوزُ استدانَ مني ولم يسددْ دينهُ منذ ثلاثةِ أشهرٍ كاملةٍ.”

 

استعادَ العجوزُ بعضَ أنفاسِهِ وقال باعتذارٍ:

 

“أيها السيدُ… الشهر القادم سأقومُ بالتسديدِ حتماً…”

 

“قلتَ نفسَ الكلامِ الشهرَ الماضي! أيها العجوزُ اللعينُ!”

 

“عذراً يا سيدَ، لا تكنْ فظاً هكذا. أيها الصيدلانيُّ، لأيِّ سببٍ اضطررتَ للاقتراضِ؟”

 

سألَ زادكيل بهدوءٍ.

 

“أنا آسفٌ يا كاهننا. اضطررتُ لشراءِ بعضِ العقاقيرِ… لأنَّ عددَ المرضى في المعبدِ زادَ مؤخراً…”

 

“آه.”

 

يا إلهي، أهذا هو السببُ؟

 

بدتْ عينا زادكيل وكأنهما تهتزانِ تحتَ وطأةِ الذنبِ الشديدِ.

 

ثم خلعَ كيسَ النقودِ المربوطَ بخصرِهِ ونهضَ واقفاً.

 

“كم تبلغُ قيمةُ الدينِ الذي اقترضهَ الصيدلانيُّ؟”

 

“هل ستسددهُ نيابةً عنهُ؟ يا لهُ من كرمٍ. إنهُ خمسةَ عشرَ مليونَ تير.”

 

اتسعتْ عينا زادكيل الذي كان بصددِ إخراجِ المالِ بثقةٍ.

 

“عفواً؟”

 

وحتى أنا التي كنتُ أستمعُ صدمتُ وتجمدتُ مكاني.

 

أنا لستُ خبيرةً بأسعارِ الأدويةِ، ولكن هل تبلغُ تكلفةُ بعضِ الأعشابِ خمسةَ عشرَ مليونَ تير؟

 

“يا رجل… عليكَ أن تكونَ معقولاً. كيفَ تتحولُ سِتونَ ألفَ تير إلى خمسةَ عشرَ مليوناً في شهرينِ فقط…”

 

تمتمَ العجوزُ بغضبٍ مكتومٍ.

 

‘آه، إنهُ مُرابٍ إذن.’

 

أدركتُ الأمرَ للتوِّ.

 

“أيها العجوزُ، ألم تستدنْ وأنتَ تعلمُ بالشرطِ؟ لقد أخبرتُكَ بوضوحٍ عن نسبةِ الفائدةِ قبلَ أن أُقرضَكَ.”

 

“…”

 

صمتَ العجوزُ ولم يجبْ.

 

“عذراً، أيها العمُّ.”

 

رغم أنَّ بنيةَ الرجلِ كانت مخيفةً، إلا أنني تدخلتُ بصوتٍ خفيضٍ:

 

“حتى لو أخبرتَهُ مسبقاً، فالخطأُ خطؤُكَ أنتَ. إذا كنتَ تعملُ في الإقراضِ، فيجبُ أن تلتزمَ بنسبِ الفائدةِ التي تقرها الدولةُ…”

 

“ماذا؟ ومن أنتِ أيتها الطفلةُ؟”

 

“ألا تعلمُ أنَّ مضاعفةَ الدينِ ككرةِ الثلجِ وطلبَ مبالغَ فلكيةٍ أمرٌ غيرُ قانوني؟ هذا يعدُّ…”

 

“ما هذا الهراءُ؟ يحقُّ للمقرضِ أن يتقاضى ما يشاءُ. ما الذي تفقههُ طفلةٌ مثلكِ لتتدخلَ فيما لا يعنيها؟”

 

همم، صحيحٌ. نحن في سيراف.

 

في منطقةٍ سكنيةٍ لعامةِ الشعبِ حيثُ لا قانون، فإنَّ الحديثَ عن القوانينِ يعدُّ أمراً لا معنى لهُ.

 

ولكن، ألا يمتلكُ هذا الرجلُ ذرةً من الضميرِ؟

 

“وعلى كلِّ حالٍ، حتى وإن لم يستطعْ سدادَ دينهِ، فلا يحقُّ لكَ استخدامُ العنفِ. سأبلغُ الحرسَ عنكَ.”

 

بالطبعِ، لم يكنِ الحرسُ ليقدموا الكثيرَ.

 

لكن بعد أن ضبطَ أكسيون إيقاعَ النظامِ قليلاً إثرَ قضيةِ اختفاءِ الأطفالِ، صاروا يتظاهرونَ بأداءِ واجباتِهِم بجديةٍ.

 

يبدو أنَّ الرجلَ أدرك ذلكَ فترددَ قليلاً.

 

زفرتُ بضيقٍ واستدرتُ لأغادرَ المكانَ.

 

وفي تلكَ اللحظةِ.

 

“صاحبُ المتجرِ! الدواءُ الذي طلبتُهُ في المرةِ السابقةِ…”

 

دخلَ أحدهم يرتدي عباءةً بنية اللونِ إلى داخلِ الصيدليةِ.

 

وتسمرَ في مكانِهِ حين رأى الفوضى العارمةَ.

 

“ما هذهِ الفوضى هنا؟”

 

طولٌ يفوقُ طولي بمراحلَ.

 

لكنهُ لم يكن بالغاً بعدُ، بل بدا كشابٍّ يافعٍ.

 

بينما كان يرتدي عباءةً تغطي جسدَهُ بالكاملِ، ويخفي أنفَهُ وفمَهُ بقماشٍ محكمٍ، لم يكن يظهرُ منهُ سوى عينيهِ.

 

لكنَّ شيئاً خطيراً كان يفوحُ من حضورِهِ.

 

كانت رائحة الدماء.

 

“…”

 

التقتْ عيناي بعيني الصبيِّ الذي كان يتفحصُ المكانَ.

 

‘أه، ما هذا؟ شعورٌ مألوف؟’

 

عينانِ رماديتان.

 

لم يكن طولُهُ، ولا بنيتُهُ، ولا حتى صوتُهُ مألوفاً لديَّ، ولكنهُ تركَ في نفسي إحساساً غريباً ومقلقاً.

 

يبدو أنَّ الصبيَّ شعرَ بنفسِ الشيءِ، فحدقَ بي بصمتٍ لفترةٍ ثم همهمَ:

 

“أنتِ، ربما…”

 

وفي تلكَ اللحظةِ.

 

“أيتها الطفلةُ المزعجةُ!”

 

فجأةً، امتدتْ يدٌ من الخلفِ لتلتقطني من قفاي وتـرفعني عالياً في الهواءِ!

 

انقطعَ نفسي من شدةِ المفاجأةِ.

 

“أيتها الأميرةُ!”

 

صرخَ زادكيل بذعرٍ شديدٍ.

 

لكنَّ الرجلَ المرابي الشريرَ لم يكن مستعداً لسماعِ أيِّ شيءٍ بعدَ أن ذكرتُ الحرسَ الإمبراطورِيَّ.

 

ربما خافَ من تهديداتي بالإبلاغِ عنه، فبدا وجهُهُ مشوهاً بالحقدِ وهو يصرخُ:

 

“إلى أين تفكرينَ بالهربِ أيتها اللعينةُ؟ ما حكايةُ الحرسِ هذهِ الفجأةِ؟ أنا أكسبُ عيشي بعرقي هكذا طوالَ الوقتِ! لا تحاولي إفسادَ أموري بأفكارِكِ الفارغةِ… آغ!”

 

في تلكَ اللحظةِ، تحركَ الصبيُّ صاحبُ العباءةِ بسرعةِ البرقِ.

 

وفي اللحظةِ التي أمسكِ فيها بمعصمِ الرجلِ الذي كان يمسكُ بقفاي وضغطَ عليهِ بقوةٍ.

 

تدفقٌ هائلٌ للمانا…

 

‘صاحبُ قدرةٍ؟’

 

أمسك الصبيُّ بي بخفةٍ وأبعدني عن خطرِ السقوطِ على الأرضِ بحركاتٍ سلسلةٍ وأجلسني بأمانٍ، ثم نزعَ غطاءَ رأسِهِ.

 

“من أنتَ أيها اللقيطُ؟”

 

انتشرَ شعرٌ أحمرُ زاهٍ في الهواءِ وتناثرَ مع الريحِ.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.