الفصل 52: 52
52
الفصل الثاني والخمسون
لو أنها لم ترَ ابتسامته الحقيقية من قبل، لربما انخدعت.
فالسيد الشاب لم يكن ممن يبتسمون كثيرًا. لذلك كان أي شخص سيرى تلك الانفراجة الخفيفة على شفتيه ويظنها علامة سعادة.
لكن بعد أن رأت ابتسامته الصافية الصادقة، أصبحت يوريسييل تدرك الحقيقة، تلك الابتسامة التي رأتها للتو، فلم تكن سوى ابتسامة خاوية باهتة، كسماء رمادية بلا روح.
وقفت صامتة تحدق في كاسيان ثم انحرفت عيناه ببطء نحوها.
وفي اللحظة التي التقت فيها نظراته القرمزية بعينيها، انحبس نفسها في صدرها واختبأت يوريسييل بسرعة خلف الستارة.
من الخارج لن يرى سوى ظل باهت ولن يخطر بباله أبدًا أنها هي ومع ذلك، لم تستطع التقاط أنفاسها. كان هناك جزء أحمق داخلها يؤمن بأنه سيعرف أنها هي، حتى من دون أن يراها. ولم يهدأ قلبها المضطرب إلا عندما دوّى هدير عجلات العربة فوق الأرض.
حينها فقط استطاعت أن تتحرك مجددًا وتتقدم نحو النافذة.
في الخارج، كان الفرسان قد أنهوا استعداداتهم واصطفوا في تشكيلاتهم أما الساحة التي كانت تعج بالحركة قبل لحظات، فقد غمرها السكون.
وكان السيد الشاب قد صعد إلى العربة واختفى عن الأنظار.
حتى الدوقة رحلت هي الأخرى.
وتحركت العربة الأنيقة، التي تحمل في تفاصيلها رقي آل بلانشيت وهيبتهم، مبتعدة شيئًا فشيئًا وعندما تحولت إلى نقطة صغيرة في الأفق، خرجت يوريسييل أخيرًا من الغرفة.
وقفت تراقبها حتى تلاشت تمامًا، وشعور غريب بالفراغ والفقدان أخذ يتسلل إلى أعماقها.
امتلأت عيناها الزمرديتان بالدموع وحين انقشع الضباب عن بصرها أخيرًا، كانت العربة قد اختفت بالكامل.
***
داخل عربة بلانشيت، كان الجو دافئًا وهادئًا.
وكأن الأجواء نفسها تحتفل بلقاء طال انتظاره بين الأم وابنها.
قالت الدوقة:
“هل سمعت بشأن الدواء الجديد الذي تم تطويره؟”
أدار كاسيان نظره ببطء بعيدًا عن المكان الذي اختفى فيه ظل يوريسييل.
“بالطبع.”
قبل لحظات فقط كان يبتسم أما الآن، فعاد وجهه
باردًا غامضًا كعادته.
“بما أنكِ جئتِ بنفسكِ، فلا بد أن الأمر حقيقي هذه المرة.”
كان يقصد بذلك الأخبار الكاذبة الكثيرة التي اعتادوا نشرها سابقًا لجذب المستثمرين.
قالت إليز:
“أنت تعرف كم يمكن للمستثمرين أن يكونوا قساة. لو لم نفعل ذلك لتخلوا عنا جميعًا.”
“أفهم، وأعرف مقدار الجهد الذي بذلتهِ.”
ابتسمت الدوقة ابتسامة رقيقة.
“وأي أم لا تضحي بكل شيء من أجل طفلها؟”
رفع حاجبًا بخفة.
“حقًا؟”
ارتسمت على شفتيه تلك الابتسامة الساخرة المألوفة.
وظلت عيناه معلقتين بالمنظر خارج النافذة، بعيدتين ومتعبتين.
ارتجفت إليز قليلًا وهي تنظر إلى ابنها.
كانت امرأة لا تنحني لأحد ومع ذلك، كانت تشعر دائمًا بشيء من الاضطراب أمام ابنها.
كان كاسيان الوريث الذي بنت حياتها كلها حوله.
ابنها، المولود في بيت بلانشيت، هو من منح حياتها معنى وفخرًا.
ولهذا، عندما سمعت لأول مرة أنه مصاب بمرض عضال، شعرت وكأن عالمها بأكمله قد انهار.
ولو كان لديها أكثر من ابن، ربما استطاعت تحمل الأمر لكن كاسيان كان طفلها الوحيد.
ولم تكن لتتفاجأ لو ظهر الدوق ديفيرون يومًا ومعه ابن غير شرعي يطالب بحقه في الوراثة. كانت تستطيع التغاضي عن نزوات زوجها وعلاقاته أما ذلك، فكان أمرًا مختلفًا تمامًا.
الآن وقد كبر، لم يتغير فيه سوى الطول والبنية الجسدية أما البقية، فكانت كما تتذكرها تمامًا بل ربما أصبح أكثر رهبة من السابق.
في الماضي كانت تخشى أن ينهك المرض جسده وروحه معًا لكن تلك المخاوف أثبتت أنها بلا أساس واعتبرت إليز ذلك أمرًا حسنًا.
فالرجل الذي يستطيع أن يرتدي ابتسامة لطيفة عند الحاجة، ويحافظ في الوقت نفسه على هيبة صارمة في كل الأوقات الأخرى هو وحده من يستحق قيادة بيت بلانشيت.
واصلت إليز وكاسيان الحديث داخل العربة التي تشق طريقها ببطء، يحاولان ملء الفراغ الذي صنعه غيابهما الطويل عن بعضهما. كان صوت كاسيان هادئًا، جافًا تقريبًا لكن أي شخص يستمع إليهما كان سيظن أنهما أم وابن يتبادلان حديثًا وديًا.
قالت إليز:
“فابرانغ يقول إن نسبة النجاح أصبحت تقارب السبعين بالمئة الآن.”
كان فابرانغ كبير الباحثين في المختبر الذي تموّله عائلة بلانشيت.
ورغم استخدامه أحيانًا لأغراض خاصة، فإنه لم يخطئ قط.
فكر كاسيان في ذلك.
فارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة مرة أخرى.
لقد ازدادت فرص بقائه حيًا، وبالمقارنة مع اليوم الذي أُبلغ فيه بأن نسبة نجاته لا تتجاوز واحدًا من عشرة آلاف كان هذا أشبه بمعجزة. ولو مات، لاضطرت إليز لتحمل سخرية ونميمة كل شخص عرفته في المجتمع الراقي.
وعندما يموت زوجها لاحقًا، ستصبح أرملة معدمة وفق قوانين الإمبراطورية، وتُجبر على العودة إلى أسرتها الأصلية.
ستتحول إلى عبء، إلى فاشلة، ولا شيء أكثر.
ولهذا السبب لم تأتِ يومًا لزيارة ابنها المحتضر.
لقد كانت خائفة، خائفة من رؤية التحفة التي كرست حياتها لصنعها وهي تنهار أمام عينيها. وبدلًا من ذلك، ألقت بثروتها كلها في مشروع تطوير الدواء الجديد، دفعت ثمن التجارب السريرية التي لا تنتهي، وثمن الدفن السري للضحايا، وثمن كل شيء آخر.
حتى إنها فقدت القدرة على إحصاء المبالغ التي أنفقتها لكن النتيجة كانت تستحق، ابنها سيعيش، سيُعالج، وسيعود ليتبوأ مكانه كوريث شرعي لبيت بلانشيت.
فأن تصبح المضيفة المثالية، وأن تربي وريث عائلة بلانشيت كان ذلك هدف حياتها منذ البداية.
***
كان من الطبيعي أن يشبهها ابن خرج من رحمها لكن برودة كاسيان كانت شيئًا لم تتوقعه أبدًا حتى في طفولته لم يكن يبدو كالأطفال الآخرين ومع ذلك من أجل إنقاذ شخص واحد مثله، لا بد أن كثيرين قد سقطوا خلال التجارب السريرية.
وبالطبع، لم يكن ذلك يعنيه في شيء.
أولئك الناس كانوا على الأرجح يائسين، مستعدين للمخاطرة بكل شيء مقابل قطرة واحدة من رحمة آل بلانشيت.
تمامًا كما قالت تلك الفتاة في ألفونس ذات يوم.
عادت صورتها الأخيرة إلى ذهنه فجف حلقه.
كان الأمر وكأن شيئًا حادًا قد استقر داخل صدره.
هو لم يعدها يومًا بالدواء، ولو قال إنه لم يأمل أن تعود إليه مرة أخيرة، فسيكون كاذبًا حتى لو عادت فقط لتطلب دواء والدتها.
حتى لو كان هذا كل ما تريده منه فقد كان يريد رؤيتها مجددًا.
ربما كان جزء منه يأمل أن تأتي مجددًا، تبكي وتطلب منه ألا يرحل أو أن تقول له مرة أخرى:
“عُد حيًا.”
أو ربما كان يريد سماعها تقول إنها تحبه مرة أخرى.
نعم، لا بد أن هذا هو السبب.
كم يبدو ذلك سخيفًا، لقد حفظ صوتها داخل حجر الذكريات ليستمع إليه متى شاء ومع ذلك، ظل يرغب في سماعه منها مباشرة مرة أخرى بأذنيه هو.
هل ظنت حقًا أنه لن يراها وهي تختبئ وتراقبه من خلف الظلال؟
كان وجهها صغيرًا للغاية من تلك المسافة لكنه ظن أنه لمح دموعًا في عينيها، وكان يعلم أن تلك الدموع ليست من أجله.
ومع ذلك بدأ ذلك الثقل الجاثم في صدره يخف قليلًا. وفجأة لم يعد الرحيل عن ألفونس نحو العاصمة يبدو مؤلمًا إلى هذا الحد.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة ولم تستطع إليز إخفاء دهشتها عندما لاحظتها، منذ متى تعلم ابنها أن يبتسم بهذه الطريقة؟
مرّ ظل من الشك في ذهنها وهي تتذكر القصر فقالت بنبرة عابرة وكأنها مجرد ملاحظة:
“رأيت شابة في ذلك القصر.”
هل كانت تختبره؟
شابة تقيم هناك، ومن الواضح أنها كانت تقصد يوريسييل.
أدار كاسيان رأسه ببطء نحوها.
“هذا مستحيل.”
كان صوته هادئًا وحاسمًا، باردًا وجافًا كما اعتادت سماعه.
رفعت إليز أحد حاجبيها.
“حقًا؟”
تذكرت الفتاة النحيلة التي رأتها تسير في الممر مرتدية فستانًا.
هل كان ابنها يخفي شيئًا؟ أم أن تلك الفتاة لم تكن موجودة فعلًا؟
ربما كانت خادمة جريئة سرقت فستان سيدة نبيلة وارتدته.
ذلك قد يفسر الأمر.
“كانت هناك فتاة ترتدي فستانًا. ولم تكن ترتدي زي الخادمات.”
قال كاسيان بلا مبالاة:
“لا بد أنكِ أخطأتِ.”
استرخت إليز وابتسمت برضا واضح فحتى لو وُجدت فتاة كهذه حقًا فلن يلتفت إليها ابنها أبدًا ذلك هو نوع الرجال الذي تربى ليكونه وذلك هو الوريث الذي تحتاجه عائلة بلانشيت.
ابنها الذي حملته وربته بنفسها لن يسمح لنفسه بالتشتت بسبب فتاة كهذه، إنه لا يشبه والده إطلاقًا.
وكادت تضحك من نفسها لأنها شكّت في ذلك أصلًا.
“أثناء وجودك في ألفونس، لم تكفّ كلاب الإمبراطورية عن النباح.”
قال كاسيان:
“تقصدين عمي؟”
“إذن كنت تتابع ما يجري رغم وجودك هناك.”
كان باطن المجتمع النبيل قبيحًا بقدر قبح ما يحدث داخل القصر الإمبراطوري.
من الخارج يبدو كل شيء أنيقًا ومثاليًا أما في الداخل، فلم يكن سوى صراع خفي لا ينتهي.
قالت إليز:
“اللورد ألتِن لم يتوقف عن ترديد أن قوة بلانشيت تتداعى.”
كان اللورد ألتِن عم كاسيان، الابن الثاني للعائلة.
رجلًا طامعًا دائمًا بالمزيد، لكنه أُقصي عن منصب الوريث.
وقبل سنوات، أثناء حملة عسكرية مُنح بعدها لقب كونت، اتُّهم بمحاولة قتل والده، فشل آنذاك.
ومنذ ذلك الحين غيّر هدفه وأصبح كاسيان هدفه الجديد.
كان يحلم بأن يحمل لقب الدوق قبل أن يموت وليس فقط ليدفن في تابوت فاخر بل لأنه كان يملك ابنًا في عمر كاسيان تقريبًا.
وكان من الواضح أنه يريد أن تنتقل عائلة بلانشيت إلى نسله هو.
كان هوسه بابنه شديدًا للغاية، وقد سارت الأمور كما أراد تمامًا.
مرض كاسيان، وصدر بحقه حكم بالموت، وبعد ذلك انتحر الخادم الذي زرعه داخل القصر ولم يترك خلفه أي دليل.
قالت إليز وهي تمسح دموعها:
“كلما فكرت فيما كان ذلك الرجل قد يفعله بك، لم أستطع التوقف عن البكاء.”
نظر إليها كاسيان ولم يظهر على وجهه أي تعبير أما هي فابتسمت بعينين حازمتين.
“لكن لم يعد هناك ما يدعو للقلق الآن. ستنجو وتعود.”
يقولون إن الآلهة تستجيب لمن هم في أشد حالات اليأس.
لكن من الأكثر يأسًا؟ عمه الذي يطارد السلطة؟ أمه التي تتشبث بكبريائها وخوفها؟ أم تلك الفتاة البعيدة التي لا تملك سوى الدعاء من أجل نجاته؟
أسند كاسيان ظهره إلى المقعد وقال بهدوء:
“بالطبع، هكذا يجب أن يكون الأمر.”
وللحظة قصيرة فقط تساءل أيَّ يدٍ ستختار الآلهة أن تنتزعها في النهاية.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.