الفصل 18: 18
18
الفصل الثامن عشر
سأل كبير الخدم يوريسييل، وهي تهمّ بالخروج، إن كانت بخير.
وبالطبع، لم يكن يقصدها هي حقًا، بل كان يسأل عمّا إذا كان السيد الشاب بخير. لا بد أن مظهرها كان في غاية السوء حتى يدفعه ذلك إلى السؤال. صحيح أنها كانت تغادر القصر القديم باكية في أغلب زياراتها، لكنها كانت دائمًا تمسح دموعها قبل مغادرة أراضي الإقطاعية ولهذا، باستثناء أشخاص مثل هايل الذين كانوا يستشعرون حالتها على نحوٍ مدهش، لم يكن أحد يعلم أصلًا أنها تبكي أما اليوم، فلم تتمكن حتى من استعادة رباطة جأشها، لذا كان من الطبيعي أن يجد كبير الخدم الأمر غريبًا فتحدثت إليه يوريسييل كما لو كانت مذنبة.
“أظن أنني لن أستطيع المجيء ابتداءً من الغد.”
أما كبير الخدم، الذي اعتاد مثل هذه المشاهد، فلم يفعل سوى التنهد وتركها ترحل فلو بدت على الأقل في هيئة لائقة لربما حاول استبقائها، لكن رؤيتها بهذه الحالة جعلته يدرك أن إبقاءها في القصر حتى الغد أمر مستحيل أو ربما افترض ببساطة أن السيد الشاب، كعادته المتوقعة، قد طردها بنفسه بالفعل.
داعبت نسمة لطيفة وجنتي يوريسييل وهي تفر إلى الخارج كأنها تهرب من شيء يطاردها وكانت البتلات الوردية تملأ الأشجار كلها، مزدهرةً وغير مبالية بمشاعرها على الإطلاق. اجتازت المناظر الخلابة للقصر القديم، المبهرة حد الألم، ومضت تسير بلا وجهة. في الحقيقة، فإن خطواتها التي بدأت بدافع الرغبة المحمومة في الابتعاد عن القصر سرعان ما تحولت إلى ما يشبه الركض
وكأن العادة قادتها تلقائيًا عبر الشارع التجاري الصاخب المفعم بالحياة، حتى وصلت إلى زقاقٍ موحش لا تنمو فيه شجرة واحدة.
عندها فقط أطلقت زفرة طويلة، وكأنها عثرت أخيرًا على المكان الذي تنتمي إليه.
أسندت ظهرها إلى الجدار وأغمضت عينيها. ثم انفجرت بالبكاء.
كان هذا المكان القريب من الأرصفة هادئًا بما يكفي ــ ما عدا ساعات المساء حين يعود البحارة ــ بحيث يمكنها أن تبكي بصوت مرتفع دون أن تبالي على الأقل حتى يحين موعد عملها التالي.
اجتاحها يأسٌ متأخر، وابتلعها بالكامل وفي الوقت ذاته، أخذ الاستياء من ذلك السيد الشاب يتصاعد داخلها فحين أعادت التفكير في الأمر، ألم يكن هو نفسه من طرد جميع المرافقين بطلباته المستحيلة وخلق هذا الوضع برمته؟
صحيح أنها أخطأت حين أخفت حقيقتها ودخلت خدمته، لكن إن كانت تلك هي المشكلة، فلماذا لم يطردها فور اكتشاف الأمر؟
هل كان مضطرًا حقًا إلى إذلالها بعدما عرف كل شيء؟
استمر بكاؤها طويلًا، ممتزجًا بالمرارة والحزن والبؤس ثم فجأة، مرت كلماته الأخيرة بجانب أذنها.
‘هل يعقل أن غضبه مني لم يهدأ حتى الآن؟’
حين قالت إنها لن تسمح له برؤيتها مجددًا، تمتم ذلك الفتى بشيء غريب.
“وبأي حق؟”
“إذًا جربي ذلك أن استطعتِ.”
ماذا كان يقصد بتلك الكلمات؟ لو أخذتها على ظاهرها، لكادت تبدو وكأنه يحاول منعها من الرحيل لكن ذلك مستحيل فمجرد تذكر التعبير الغامض الذي ارتسم على وجهه حين قالها كان يجعل أنفاسها تضيق.
بالتأكيد لا يخطط لفعل شيء آخر بشخصٍ ترك عمله بالفعل.
ورغم القلق الذي تسلل إلى قلبها، هزت يوريسييل رأسها بقوة وطردت الفكرة. على الأرجح كان غاضبًا وحسب، فتفوه بما خطر له فشخص تافه مثلها لا يمكن أن يستحق ولو ذرة من اهتمام آل بلانشيت النبلاء وبهذا الإقناع القسري نهضت على قدميها غير مدركة لما ينتظرها في المستقبل.
***
عادت حياة يوريسييل اليومية إلى الانشغال كما كانت دائمًا.
فالفراغ الذي خلفه توقفها عن الذهاب إلى قصر اللورد امتلأ بسرعة بأعمال أخرى وبعد أن فقدت الأجر الضخم الذي كانت تتقاضاه هناك، لم يكن أمامها خيار سوى الإسراع في البحث عن مصادر دخل جديدة ولحسن الحظ، كانت يوريسييل، المعروفة بسرعتها وأجورها المنخفضة، تُعد عاملة ممتازة، لذلك كان كثيرون يطلبون خدماتها أما التغيير الوحيد فكان أن أصحاب المتاجر باتوا يضيفون أحيانًا بضع عملات إضافية إلى أجرها وغالبًا ما كانوا يتمتمون بكلمات عن مساعدتها في علاج والدتها فبعد حادثة العم ليتورن، انتشر بهدوء خبر إصابة أم يوريسييل بمرض رايموك لكن المؤسف أن المال لم يعد قادرًا على شراء دواء ينفعها باستثناء المسكنات.
حتى آخر بصيص أمل كان قد انطفأ مؤخرًا فجميع أطباء القرية أجمعوا على أن حالة والدتها ميؤوس منها. ومع ذلك، كان بإمكانها على الأقل شراء الأطعمة التي تحبها أمها بتلك النقود وكانت تلك نعمة صغيرة لا بأس بها.
بعد أن اشترت سمكًا طازجًا كانت والدتها تعشقه أيام صحتها، أسرعت نحو المنزل بخطوات سريعة.
تحت حافة الجبال التي كانت الشمس تغيب خلفها ببطء، امتد وهجٌ أحمر طويل فوق الأرض كأنه بساطٌ منسوج وفي نهايته وقف القصر القديم الذي يقيم فيه اللورد. ذلك القصر الذي ظنت يومًا أنها لن تزوره أبدًا، ثم تمنت رؤيته مرة أخيرة، أما الآن فلم تعد ترغب حتى في رؤيته من بعيد وفجأة، خطر في بالها السيد الشاب المصاب بمرضٍ عضال.
لا بد أنه بخير. فعلى عكس والدتها، كان محاطًا بعدد لا يحصى من الأطباء المهرة ولم تشعر نحوه بأي شفقة وكما قال هو بنفسه، فهي لا تملك حتى الحق في أن تحمل مثل تلك المشاعر تجاهه.
ومن تكون أصلًا لتقلق على غيرها؟
فوالدتها لم تُمنح يومًا فرصة مقابلة أطباء بهذا المستوى.
ومجرد التفكير بوالدتها، التي لم تستطع النهوض من فراشها ذلك الصباح، كان كفيلًا بإغراق قلبها في الثقل.
إن وجود مريض يحتضر في المنزل يشبه الاحتفاظ بقنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة أما العجز عن فعل أي شيء سوى مشاهدة ذلك يحدث، فهو اليأس بعينه ولهذا، كانت كلما اقتربت من الزقاق المؤدي إلى منزلها تسرع خطواتها تلقائيًا، تمامًا كما فعلت اليوم. خوفًا من أن يكون قد حدث شيء لوالدتها.
صحيح أن هايل كان يمر للاطمئنان عليها بين الحين والآخر، لكنه كان مشغولًا طوال النهار برعاية خيول اللورد وكونه يجد وقتًا لزيارة والدتها أصلًا كان أمرًا ممتنّة له بشدة.
كان كل يوم ينتهي بالطريقة نفسها:
تنهي عملها، ثم تسرع بقلق عبر ذلك الطريق المشؤوم حتى تصل إلى مدخل الزقاق وتوترٌ دائم لا يفارقها.
قبل أيام قليلة فقط، لم تكن والدتها تقف عند الباب كعادتها.
وكم كان ذعرها حينها هائلًا! حتى الآن ما زالت تتذكر العرق الذي تدفق منها كالمطر وحين اندفعت إلى الداخل أخيرًا، وجدت والدتها تبتسم لها ببهجة وتخبرها أنها غفت قليلًا فحسب.
لكن المنديل الذي كانت تخفيه في يدها كان ملطخًا بالدم.
لقد بصقت دمًا مجددًا وحاولت إخفاء الأمر عنها أما يوريسييل فكانت تتظاهر بعدم الملاحظة، خشية أن تقلق والدتها ومع تزايد تلك النوبات، أصبحت بالكاد تنام، ساهرةً إلى جانب والدتها طوال الوقت وكلما استيقظت من حلمٍ رأت فيه مكروهًا يصيب أمها، كانت تتحسس أنفاسها أولًا قبل أن تعود للنوم.
‘لماذا يبدو الطريق اليوم أطول من المعتاد مهما مشيت؟’
كان القصر القديم ما يزال ظاهرًا في الأفق بشكلٍ ينذر بالسوء.
ومجرد تذكر الأيام الكثيرة التي عبث فيها السيد الشاب بمشاعرها ــ أو حتى ابتسامته الساخرة الأخيرة ــ كان يجعلها لا ترغب في النظر نحو ذلك الاتجاه إطلاقًا.
وعلى أي حال، فمن حسن الحظ حقًا أنه نسي أمرها ففي الليلة التي هربت فيها من القصر، سمعت من العمة ماري أن السيد الشاب لم يذكرها ولو مرة واحدة ومن الواضح أن خوفها من أن يأتي بحثًا عنها لم يكن سوى وهمٍ من صنع خيالها.
والآن، بعدما أصبحت متأكدة أنها لن تضطر للعودة إلى تلك الإقطاعية مجددًا، لن تبكي بسببها بعد الآن كما أنها باتت تملك وقتًا أطول تقضيه مع والدتها. وعند النظر إلى الأمر من جميع الجوانب، بدا وكأنه للأفضل. وسرعان ما سيصل إلى ألفونس الطبيب القادم من العاصمة، الذي أخبرها هايل عنه وربما ما زال هناك أمل يمكن استعادته، كل شيء كان يسير على نحوٍ مثالي.
وعند مدخل الزقاق، بعدما أسرعت بخطوات أخف قليلًا، وجدت هايل واقفًا هناك فهبط قلبها إلى القاع.
“أمي…؟”
ابتسم هايل، وأخذ منها حقيبتها بدفءٍ مألوف، ثم قال بصوتٍ مشرق كأشعة الشمس:
“إنها بخير في المنزل لا تقلقي.”
عندها فقط تنفست الصعداء لكن وجود هايل هنا يعني أن والدتها وحدها في المنزل ولهذا تسارعت خطواتها تلقائيًا أما فضولها لمعرفة سبب وقوف هايل هنا وحده، فلم يظهر إلا بعد لحظات. وفي اللحظة التي خطرت فيها الفكرة ببالها، أمسك هايل بذراعها وأدارها نحوه.
“يوريسييل، انتظري لحظة.”
كان تردده غريبًا على غير عادته.
“ما الأمر؟”
كان عقلها منشغلًا أكثر من اللازم بوالدتها التي تنتظر وحدها في المنزل لكن هايل، الذي يفهم مشاعرها أكثر من أي شخص آخر، قال شيئًا بدا تافهًا على نحوٍ غير معتاد.
“ما رأيكِ أن نمر بالمطعم قليلًا؟”
“ألم تأكل شيئًا؟”
“حسنًا… لم أستطع أن أبتلع لقمة منذ ذلك القصر، كما تعلمين.”
حتى هو بدا مدركًا لغرابة ما يقوله، فأطلق تنهيدة طويلة. كان هناك شيء غريب فيه لكن يوريسييل، المشغولة بقلقها، لم تنتبه.
“آسفة. اذهب وتناول الطعام وحدك.”
شعرت بالذنب لرفضها طلبه، لكنها لم تتوقف. وعندما وصلت إلى المنزل، وجدت الباب مفتوحًا على مصراعيه، على غير العادة
وحين رأت ما في الداخل فقط، فهمت سبب تصرف هايل الغريب اليوم. كانت والدتها هناك وبرفقتها رجل يعرّف نفسه بأنه طبيب قادم من العاصمة. كان الوضع واضحًا. لا بد أن والدتها أرادت الحصول على تشخيص جديد سرًا وربما كانت تنوي إخفاء الأمر عنها إن كان العلاج باهظ الثمن لكن الطبيب كان ما يزال ممسكًا بمعصمها يتحسس نبضها وعيناه مغمضتان ولذلك لم يفت الأوان بعد وكان ذلك وحده مصدر راحة.
اتسعت عينا والدتها وكأنها ضُبطت متلبسة بشيء ما عندما رأت يوريسييل لكنها سرعان ما أخفت ارتباكها بابتسامة طبيعية.
لا بد أنها لاحظت وجود هايل خلفها أما هايل، الذي لا يجيد الكذب، فبدا مذنبًا لأنه لم يستطع تنفيذ رغبة والدتها ومنع يوريسييل من الدخول.
حوّلت والدتها، بوجهها الشاحب المرهق، نظرها بين هايل ويوريسييل.
“يوريسييل، هل ستتركين ضيفنا واقفًا هكذا؟”
“آه…”
عندها فقط التفتت إلى هايل وهمّت بالحركة لكن هايل أجلسها وأخذ مقعدًا بجانبها وكان ينظر إلى الطبيب بقلق يفوق قلقها هي نفسها.
“كيف حالتها؟”
بدا الطبيب، الذي عمل في قصر اللورد قبل سنوات قليلة، أصغر سنًا من الأطباء الشخصيين الذين رأتهـم في القصر القديم لكن نظارته ذات الإطار الذهبي، التي لا تُقتنى إلا في العاصمة، منحتـه هالة من الثقة.
توقف للحظة ولم يعلن تشخيصه مباشرة وكأنه يستعد لقول شيء بالغ الأهمية.
‘هل هذا ما يُشعر به المرء حين يجف ريقه من التوتر؟’
كانت أحشاؤها تحترق من القلق.
رغم أنها أخبرت نفسها مرارًا ألا تتعلق بالأمل إلا أن الطبيعة البشرية تدفع الإنسان إلى التمسك به عندما تحين اللحظة.
وكان خفقان قلبها، الذي تسمعه بوضوح في أذنيها، أكبر دليل على ذلك. وبعد ما بدا لها ساعات طويلة رغم أنه لم يكن سوى بضع ثوانٍ أخيرًا فتح الطبيب فمه وأعلن تشخيصه.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.