الفصل 661: السند
في اللحظة التالية، هبطت هالة مرعبة زلزلت الأرجاء مع نزول جسد تساو لينغ فوق أرضية المنصة، بينما كانت عيناه الداكنتان تحدقان بحنق عارم في الشاب الأشقر، دونغ تشنغ، الواقف قبالته.
«دونغ تشنغ، كيف تجرؤ؟! لقد أمرتك بالتوقف، ومع ذلك لم تكتفِ بخرق قوانين البطولة باقتحام الحلبة ومهاجمة تلميذ خارجي آخر، بل تجرأت على تجاهل أوامر شيخ من شيوخ البلاط الداخلي!»
دوّى صوت تساو لينغ هادراً من فرط الغضب وهو يصرخ: «اركع!»
رمق دونغ تشنغ الشيخ تساو لينغ بنظرات متجردة من الوجل دون أن ينبس ببنت شفة. ورغم أن الآخرين قد ترتعد فرائصهم خوفاً من شيخ البلاط الداخلي المنتصب أمامه، إلا أنه هو، دونغ تشنغ، لم يكن يخشى تساو لينغ على الإطلاق!
«همف!» ضاقت عينا تساو لينغ حين عاين هذا المشهد، وأطلق شخير استهجان غاضب، قبيل أن تنبثق الهالة المرعبة لإمبراطور داو من جسده لتطوق أرجاء الحلبة بأسرها في لمح البصر.
وحتى شون لونغ استشعر وطأة تلك الهالة الباطشة المنبعثة من جسد تساو لينغ وهي تهوي بكلكلها فوق كاهل دونغ تشنغ، ليدوي صوت تساو لينغ هادراً للمرة الثانية:
«اركع!»
وتبدلت ملامح دونغ تشنغ مع إطباق هالة إمبراطور الداو القاهرة على جسده، محاولةً إجباره على النزول في وضعية الركوع رغماً عنه.
ومع ذلك، وفي اللحظة ذاتها التي لامسته فيها هالة تساو لينغ، انبثق ضياء أبيض وهاج من صدر دونغ تشنغ ليغلف كامل جسده في طرفة عين.
واكفهر وجه تساو لينغ الأصلع في اللحظة التالية وقبُحت سحنته، حين استشعر أن هالته عاجزة تماماً عن اختراق ذلك الضياء الأبيض المطوق لجسد دونغ تشنغ.
«هاهاها! تساو لينغ، أتتجرأ على مطالبتي بالركوع؟! أنا، دونغ تشنغ، لا أحني ركبتي إلا أمام خبراء يقفون في ذات مرتبة والدي! أما أنت، فلست سوى إمبراطور داو في مراحله المبكرة… ولا تملك الأهلية الكافية لإركاعي! إن كنت تروم معاقبتي لخرق قوانين الطائفة فهاتِ ما عندك ونفذ ما تشاء، لكن فلتنسَ تماماً فكرة إجباري على الركوع!»
وفي تلك الأثناء، بدا أن جموع الحاضرين في مقاعد المتفرجين، والذين ألجمتهم الصدمة سابقاً إثر رؤية شون لونغ وهو يسحق دونغ آي بلكمة واحدة، قد استفاقوا أخيراً عقب سماع صوت دونغ تشنغ المتبجح، لتتفجر نقاشات محمومة ملأت الأرجاء بصخبها؛ بينما كانت أعينهم تتوزع بين التحديق في دونغ تشنغ المغرور في قلب المنصة، وتساو لينغ ذي الرداء الأبيض الذي غشاه الغيظ الشديد، وشون لونغ الذي كان يرصد المشهد ببرود وسكون.
«إذن فالأمر صحيح! دونغ تشنغ يحوز حقاً قطعة أثرية دفاعية في مرتبة إمبراطور الداو! ولكن ألا يُعد هذا تمادياً مفرطاً وتجاوزاً للحدود؟! فهو لم يكتفِ بخرق القوانين فحسب، بل تجرأ على مجادلة الشيخ تساو لينغ والتطاول عليه على هذا النحو! لن يفلت من العقاب هذه المرة حتماً».
«وما أدراك أنت بهذه الأمور؟! وحده وريث إحدى العشائر الخمس العظمى مثل دونغ تشنغ يملك الجرأة ليتصرف بمثل هذه الغطرسة قبالة شيخ من شيوخ البلاط الداخلي! فبطاركة العائلات والعشائر الكبرى وزعماؤها يحوزون قوة كافية لمقارعة شيوخ البلاط الداخلي بل ومناطحتهم، بل إن أعتى زعمائهم يفوقون الشيوخ في مضمار القوة المحضة. وحده الشيخ الأكبر أو زعيم الطائفة نفسه من يملك زمام لجم تلك العشائر والعائلات الجبارة وإيقافها عند حدها. أما الشيوخ العاديون فيؤثرون تفادي استعداء تلك العشائر المنيعة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. ولهذا السبب تحديداً يجرؤ دونغ تشنغ على التبجح دون وجل.
وبالنظر إلى كونه وريث عشيرة دونغ وحائزاً لمصير خالد، فمن شبه المحسوم أنه سيبلغ في مقبل الأيام المراحل المتوسطة من مرتبة إمبراطور الداو على أقل تقدير، ولربما تجاوز ذلك بمراحل.
لذا، فحتى شيوخ البلاط الداخلي الأقوياء يترددون كثيراً في استعداء مثل هؤلاء التلاميذ بلا طائل، لعلمهم بمدى القوة والجبروت اللذين سيحوزونهما مستقبلاً. وحتى لو خرقوا القوانين، فغالباً ما يغض الشيوخ الطرف متظاهرين بعدم رؤية شيء.
وأكاد أجزم أن العلة الوحيدة التي دفعت الشيخ تساو لينغ للتدخل هذه المرة، هي أن دونغ تشنغ قد خرق القوانين علناً أمام أعين الجميع، بل واعتدى على ذلك الوحش، شون لونغ!»
«لقد تعقدت الأمور في وجه الشيخ تساو لينغ الآن؛ فالقطعة الدفاعية حول عنق دونغ تشنغ قادرة على صد هجوم كامل القوة من إمبراطور داو في مراحله المبكرة لمرة واحدة، فمن المنطقي ألا يرتعد دونغ تشنغ أمام شيخ بلاط داخلي من رتبته».
«هذا صحيح! فرغم قدرة الشيخ تساو لينغ على تحطيمها، إلا أنه سيضطر لبذل كامل طاقته لفعل ذلك، وإن أقدم على هذا الصنيع، فسينتهي به المطاف باستعداء عشيرة دونغ وإثارة حنقهم؛ فقد سمعت أن تلك التميمة هي كنز دفاعي منحه زعيم عشيرة دونغ شخصياً لنجله دونغ تشنغ لصون حياته ودفع الهلاك عنه».
«ومن يكترث لكل هذا اللغو! جل ما أروم معرفته هو كنه الداو الذي استبصره شون لونغ؛ فقد أطاح بـ دونغ آي بلكمة واحدة، بل وتصدى لهجوم دونغ تشنغ وجهاً لوجه وبلا حائل!»
ورغم أن السواد الأعظم من التلاميذ بين الجماهير بدوا غافلين عما يجري أو عن العلة التي دفعت دونغ تشنغ للتبجح بتلك الصورة أمام شيخ من البلاط الداخلي، إلا أن فئة قليلة من تلاميذ البلاط الخارجي كانت على دراية ببعض خفايا الطائفة وأسرارها الدفينة.
وبينما سمر جل التلاميذ أبصارهم نحو دونغ تشنغ وتساو لينغ، كان عدد من صفوة تلاميذ البلاط الخارجي الأقوياء يتفحصون شون لونغ بنظرات فاحصة وثاقبة.
ففي السابق، لم يكن أحد من أولئك التلاميذ النخبة ليلقي بالاً لممارس في أواسط الرتبة السابعة من الروح الوليدة مثله، غير أن موازين الأمور انقلبت رأساً على عقب الآن؛ فالقوة التي كشف عنها شون لونغ كانت كافية لتهديد بعض تلاميذ ذروة الرتبة التاسعة من مرحلة الروح الوليدة في الحلبة.
ورغم أنها تقصر عن مجاراة سطوة ملك داو، إلا أنهم كانوا يعلمون جميعاً أن شون لونغ لا يزال يقبع في أواسط الرتبة السابعة من الروح الوليدة في الوقت الراهن.
'إن كان قادراً على تهديد ممارسي ذروة الرتبة التاسعة من الروح الوليدة الآن، فما الذي سيحدث حين يبلغ هو نفسه ذروة الرتبة التاسعة في مرحلة الروح الوليدة؟!'.
وفور أن لمع هذا الخاطر في أذهانهم، أخذ بعض الخبراء الأعتى في سلم المراتب يرمقون شون لونغ بصرامة وتوجس بالغ.
فمهما بلغ الأمر، بمجرد أن يبلغ ذروة الروح الوليدة، سيستشعر حتى بعض أولئك النخبة تهديداً حقيقياً على مراكزهم!
وفي الوقت ذاته، لم يكن تساو لينغ يلقي بالاً لأولئك التلاميذ المتفرجين في المدرجات، إذ انحصر كامل تركيزه نحو دونغ تشنغ ذي الابتسامة الساخرة المستفزة.
وكان تساو لينغ يدرك بجلاء أن دونغ تشنغ لم يطلق سوى قبسة يسيرة من هالة التميمة الدفاعية المستقرة فوق صدره لمجابهة هالته، مما سيمكنه من استخدامها مجدداً في المستقبل إن اصطدم بإمبراطور داو؛ غير أن تساو لينغ إن بادر بالهجوم الفعلي وحطم التميمة لإجبار دونغ تشنغ على الركوع قسراً، فستُفتح أبواب العداء الصريح مع عشيرة دونغ فور خسارة وريثهم لكنز دفاعي في مرتبة إمبراطور الداو.
ولهذا السبب بالذات، استبد التردد بفؤاد تساو لينغ.
فرغم توقانه لإنزال العقاب بدونغ تشنغ، إلا أنه تهيب فكرة تدمير تميمته الدفاعية وإثارة نيران الضغينة مع زعيم عشيرة دونغ، الذي تكبد ثمناً باهظاً لحيازتها وسيحمل حقداً كبيراً تجاه تساو لينغ في المستقبل.
وفي تلك اللحظة الحرجة، تردد صدى ضحكة عذبة شجية تنبثق من كبد السماء المطلة على الحلبة، ليتراءى قوام امرأة حسناء في منتصف العمر تحلق على بعد بضعة عشرات من الأمتار فوق رأس دونغ تشنغ مباشرة:
«أيها الصبي الغر المنحدر من عشيرة دونغ، إنك لمفرط في التبجح والغرور بحق. فماذا عني أنا إذن؟ أتراني أملك الأهلية الكافية لإركاعك؟»
ورغم الهدوء الذي وسم نبرات صوت الشيخة شوان، إلا أن ملامح دونغ تشنغ سرعان ما انقلبت رأساً على عقب، ورفع رأسه ليرمق قوامها المحلق فوقه بنظرات غلب عليها الذهول والإنكار.
ومع ذلك، لم يُتح لدونغ تشنغ الوقت الكافي حتى ليفتح فاه بالحديث؛ إذ تزامناً مع صوت الشيخة شوان، هوت قوة باطشة ساحقة انحدرت من كبد السماء، لتصطدم بالضياء الأبيض الحامي لدونغ تشنغ في اللحظة التالية مباشرة.
وذلك الضياء الأبيض المنيع المطوق لجسد دونغ تشنغ، والذي كان قادراً على صد هجمات إمبراطور داو في مراحله المبكرة دون أن ينثلم، بدا كأنه مجرد فقاعة هشة ضعيفة أمام هالة شوان جياو؛ إذ تمزق وتبدد دون أن يبدي أدنى مقاومة، لتواصل هالة شوان جياو هبوطها الساحق لتطبق بثقلها فوق جسد دونغ تشنغ!
ولم يكن دونغ تشنغ ليتوقع قط أن تتدخل الشيخة شوان في هذه المعمعة، بالنظر إلى كونها معلمة شقيقته الصغرى التي أُثخنت بالجراح على يدي شون لونغ لتوه.
ولسوء طالعه، لم تكن الشيخة شوان لتلقي بالاً لما يجول في خلد دونغ تشنغ، إذ أرغمت هالتها القاهرة جسده على الهبوط في وضعية الركوع في التو واللحظة!
«لا شأن لي بهويتك أو أصلك؛ فقوانين الطائفة لم توضع ليعبث بها أمثالك أو يخرقوها وفق أهوائهم؛ وتذكر جيداً: هذه هي الطائفة المقدسة، وليست ضيعة عشيرة دونغ!»
وهبط سكون مطبق ليلف أرجاء الحلبة بأسرها مجدداً، بينما شخصت سائر الأبصار نحو القوام المتشح بالبياض للشيخة شوان في السماء بحدقات شلها عدم التصديق؛ فقد تجرأت حقاً على سحق الكنز الدفاعي لوريث عشيرة دونغ دون أن يطرف لها جفن أو تتردد لبرهة خاطفة!
شاركونا توقعاتكم في التعليقات! 💬🍿🔥
ترجمة
ثراندويل.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.