الفصل 618: حرب الفصائل (4)
صُدم كل من ليو مي، وشينغيي، وباي لونغتيان، وجيانغ تشن حين طرق مسامعهم ذلك، غير أنهم سرعان ما أومؤوا برؤوسهم موافقين في اللحظة التالية.
واعتلت ثغرَ شون لونغ ابتسامةٌ واثقة وهو يرمقهم قائلًا: «لا تقلقوا، فلن يستغرق الأمر وقتًا طويلًا».
واستدار شون لونغ، مستنهضًا في بادئ الأمر تقنية «ساعة العاهل الرملية» وباسطًا حسه الروحي، قبل أن يغلف نفسه بـ «مجال العاهل» الثاني، وينطلق صوب قلب الحلبة بأقصى سرعته.
وبحلول هذا الوقت، كان حسه الروحي أكثر من كافٍ ليطوق الحلبة بأسرها، والتي لم تتجاوز ثمانمائة متر طولًا.
وفي طرفة عين، حدد على الفور موضع ستة شواخص احتشدوا معًا وبدوا وكأنهم يتجاذبون أطراف الحديث عند الطرف الآخر من الحلبة.
«يبدو أن سيدي متحمس حقًا للمشاركة في حروب الفصائل هذه»، تمتم الأسود الصغير في سره وهو يشاهد شون لونغ يعدو بأقصى سرعته صوب جماعة ليم يو والابتسامة تعلو محياه.
وما هي إلا لحظات يسيرة، حتى فطن التلاميذ بين صفوف الجماهير إلى أن شون لونغ هو الوحيد الذي يتقدم شطر فصيل ليم يو بينما ليو مي والبقية يقفون في الخلف، لتتفجر على الفور عاصفة من النقاشات المحمومة: «ما هذا بحق الجحيم؟! قائد الفصيل يندفع نحو الفصيل الخصم بمفرده؟ ألا يعلم شون لونغ هذا قواعد حروب الفصائل؟».
«أجن هذا الفتى؟ إنه مجرد مزارع في منتصف الرتبة الرابعة للروح الوليدة! ما الذي يفعله بالضبط؟».
«لكن انظروا إلى سرعته… أليست تفوق حتى سرعة ليم يو؟».
ففي اللحظة التي استنهض فيها شون لونغ «ساعة العاهل الرملية» وكشف أخيرًا عن مستوى تدريبه، صعق التلاميذ القابعون في مقاعد المتفرجين حين استشعروا أنه في منتصف الرتبة الرابعة لمرحلة الروح الوليدة فحسب.
فعلى أية حال، كان أضعف فرد في فصيل ليم يو يقبع في مستهل الرتبة الخامسة للروح الوليدة، بينما ليم يو نفسه مزارع في مستهل الرتبة السادسة، وكان الفارق بينه وبين شون لونغ يناهز رتبتين فرعيتين كاملتين تقريبًا.
ومع ذلك، فإن السرعة التي أظهرها شون لونغ في تلك اللحظة ألجمت أولئك التلاميذ بالذهول أيضًا، إذ تجاوزت بمراحل سرعة مزارع في مستهل الرتبة السادسة كـ ليم يو! بل لعلها ضارعت سرعة بعض مزارعي المرحلة المتأخرة للرتبة السادسة في مرحلة الروح الوليدة.
وبالتزامن مع اندفاع شون لونغ شطر مركز الحلبة، لاحظ عبر حسه الروحي أن الشواخص الستة من فصيل ليم يو يفعلون الشيء ذاته، متقدمين جميعًا نحو قلب الساحة أيضًا.
«أوه؟ تتقدمون نحوي؟».
ابتسم شون لونغ بسخرية فور أن فطن لمأرب ليم يو، لتتسع الابتسامة على وجهه.
ففي المعتاد، يلوذ قائد الفصيل بالخلف أثناء حروب الفصائل محتميًا ببضعة من أفراد فصيله، بينما يسعى المؤهلون للهجوم إلى الإطاحة بقائد الخصم.
غير أنه لما كان ليم يو يحوز أعلى مستوى تدريب بين سائر المشاركين في هذا النزال، لم يكن يزمع الانتظار حتى يباغته جيانغ تشن والآخرون بكمين، بل عزم على الهجوم بنفسه ومباشرة القتال بمفرده!
واستطاع التلاميذ الجالسون في المدرجات معاينة هذا المشهد من علٍ، ليعقد الذهول ألسنتهم.
فأن يُقدم قائد فصيل واحد على هذا الصنيع يُعد أمرًا نادرًا للغاية، أما أن تجيش الفكرة المجنونة ذاتها في خلد القائدين كليهما في آن واحد، فذلك ما لم يخطر ببال أي من أولئك التلاميذ قط.
ورمق الشيخ تنغ، الشيخ المتشح بالبياض المعلق في كبد السماء، شون لونغ بنظرات يمازجها الفضول.
ورغم أن التلاميذ في المدرجات قد عجزوا عن استشعار ذلك، فكيف لشيخ محنك مثله ألا يلحظ أن حس شون لونغ الروحي قد أحاط بالحلبة برمتها.
واستشعار شون لونغ لتحركات ليم يو مع إصراره على الاندفاع نحوه مباشرة أثار فضول الشيخ تنغ ليرى ما يعول عليه شون لونغ لمجابهته ومقارعته.
..
وفي غضون لحظات معدودة، كان شون لونغ قد طوى الثلاثمائة متر الأولى، ليصل مباشرة إلى قلب الحلبة.
وعلى النقيض من الغابة الممتدة خلفه، كان مركز الحلبة خاليًا تمامًا من أي شجر، مما أتاح للمتبارين رؤية ناصعة لما يمتد لمئة متر أمامهم.
وفور بلوغه هذا الموضع، كبح شون لونغ جماح ركضه فجأة، وحوّل انتباهه شطر الغابة الممتدة قبالته.
وبعد برهة يسيرة، انفرجت شفتاه عن ابتسامة وهو يلوح بيده، ليتجلى نصل سيف أسود كاحل أمامه في لمح البصر.
وفي الوقت ذاته، ومن الغابة القابعة أمامه، لاح لشون لونغ خيال شاب يرتدي رداءً أصفر، يتبعه اثنان من تلاميذ البلاط الخارجي، يندفعون نحوه بأقصى سرعتهم.
وحقًا، فبما أن المسافة التي تقطعها الغابة تقل عن ثلاثمائة متر، لم يستغرق ليم يو سوى لحظات ليجتازها ويبلغ مركز الحلبة هو الآخر.
وفي تلك اللحظة، توقف ليم يو فجأة في مساره، وحدق في شون لونغ الواقف باسترخاء في قلب الحلبة، وعيناه تنضحان بالصدمة والريبة التي لا يواريها كتمان.
«زعيم، ما الذي يجري بحق الجحيم؟».
وانتابت الدهشة كلًا من الشاب والشابة اللذين يتبعانه حين عاينا هذا المشهد، مما حمل الشاب على الهتاف بإنكار وعدم تصديق.
فمبادرة ليم يو بالتقدم بنفسه نحو أرض الفصيل الخصم أمر منطقي لكونه أقوى مزارع في هذا النزال، أما أن يُقدم شون لونغ على الصنيع ذاته فذلك ضرب من الجنون المحض! أيحسب هذا الفتى نفسه أقوى من ليم يو؟
ورغم دهشة ليم يو من بلوغ شون لونغ منتصف الرتبة الرابعة لمرحلة الروح الوليدة، إلا أنه لم يلقِ للأمر بالًا كبيرًا، وراحت عيناه تمسحان الأرجاء المحيطة في حذر، خشية أن يباغته جيانغ تشن أو ليو مي والبقية بهجوم مباغت.
ففي تقديره، سواء أكان شون لونغ في المراحل المبكرة للروح الوليدة أو في منتصف الرتبة الرابعة، فلن يصنع ذلك فارقًا يذكر أمامه.
فعلى أية حال، ليم يو نفسه مزارع في مستهل الرتبة السادسة لمرحلة الروح الوليدة! والوحيد الذي يحوز القوة الكافية لمنازلته رأسًا برأس في عينيه، هو ذلك الوحش الكاسر جيانغ تشن القابع في ذروة الرتبة الخامسة للروح الوليدة.
أما باي لونغتيان، فلا سبيل له لتهديده، رغم دفاعه البالغ الصلابة بفضل داو بوذا.
وبالنسبة لـ ليو مي، حتى لو استدعت جيشها الكامل من الموتى الأحياء، فإنها تظل مجرد مزارعة في مستهل الرتبة الخامسة للروح الوليدة حاليًا، ورغم أنها قد تسبب بعض المتاعب لقدرتها على استدعاء آلاف الهياكل العظمية في مرحلة الروح الوليدة، إلا أن ليم يو كان واثقًا من استحالة هزيمته.
وفي الوقت ذاته، ورغم ما يُشاع عن امتلاك شينغيي لبنية نادرة وملائمة لعمليات الاغتيال، إلا أن ليم يو آمن بأنه سيكون في مأمن طالما التزم الحذر واليقظة.
لكن شون لونغ؟ إن استثنى ليم يو سلالته الخالدة، فقد اعتقد يقينًا أن شون لونغ هو الحلقة الأضعف بحق بين سائر أفراد فصيله.
واكتفى شون لونغ بالابتسام حين لمح نظرة الازدراء في عيني ليم يو، بينما واصل الأخير مراقبة محيطه بتوجس وترقب.
وفي غضون لحظات، انبثق الأعضاء الثلاثة الآخرون من فصيل ليم يو من بين ثنايا الغابة وتجمعوا خلفه، شاخصين بأبصارهم شطر ذلك الشاب المنتصب بمفرده في قلب الحلبة، ونظراتهم تفيض بالفضول والعجب.
«أتتقدمون بأنفسكم أم يتعين عليّ القدوم إليكم بدلًا من ذلك؟»، رمق شون لونغ الأشخاص الستة الماثلين أمامه ونبس بكلماته بعد هنيهة.
وانطلقت نبرة شون لونغ هادئة رصينة وهو يحدق في الجمع بعينيه الذهبيتين العميقتين، غير أن مسحة السخرية التي شابت كلماته جعلت وجه ليم يو يحمرّ من فرط الغيظ والحنق.
وحقًا، ممَ يخشى ويوجل؟ فحتى لو نصب جيانغ تشن وصحبه كمينًا، فإن فصيل ليم يو بأكمله قد احتشد هاهنا بالفعل. ولم يكن ليتصور أبدًا أن يتجرع الهزيمة أمام فصيل وليد حديث العهد.
«هجوم! أطيحوا بهذا الصعلوك!».
استل ليم يو خنجرًا أسود صغيرًا من بين طيات ردائه وأحكم قبضته عليه، وكان أول من اندفع مهاجمًا شون لونغ.
وسرعان ما تبعه تلاميذ البلاط الخارجي الخمسة خلفه، مستلين أسلحتهم ومهرولين في أثره.
«هلموا إليّ! يراودني الفضول لأرى مدى بأس تلميذ بلاط خارجي في مستهل الرتبة السادسة للروح الوليدة».
وخاطيًا خطوة إلى الأمام، تلاشى شون لونغ فجأة من الموضع الذي كان ينتصب فيه، ليومض في طرفة عين قبالة الشاب الواقف خلف ليم يو مباشرة.
وجفل ليم يو والآخرون دهشة وذعرًا حين أبصروا شون لونغ يتبدى فجأة في قلب جمعهم، ورغم علم ليم يو المسبق بحيازته لـ داو الفضاء، إلا أنه لم يتوقع قط أن يجرؤ شون لونغ على الظهور في وسط فصيله بأكمله هكذا.
وابتسم شون لونغ في وداعة وهو يرمق الشاب الماثل أمامه، ورفع يده اليسرى الخالية من السيف الأسود، مشيرًا بإصبعه صوب صدر الشاب ومتمتمًا بصوت خافت: «إصبع صاعقة البرق».
شاركونا توقعاتكم في التعليقات! 💬🍿🔥
ترجمة
ثراندويل
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.