الفصل 48: رغبات
استشعر "شون لونغ" أن الحجر المثلث ينفث هالة قمعية ساحقة خارج بدنه، غير أن كامل وعيه كان مسحوبًا في تلك الأثناء إلى أعماق الحجر.
لم يلج هذه المرة إلى ذلك الفضاء المعتاد الذي يتدرب فيه على تقنية "ساعة الحاكم"، بل سُحب عوضًا عن ذلك إلى حيزٍ حالك السواد يخلو من أدنى بصيص للنور.
عجز "شون لونغ" عن رؤية أي شيء من حوله، وحينها انطلق صوت وقور ومهيب من قلب العتمة يسأله:
«ما الذي تريده؟».
حار الفتى في أمره، فعاد الصوت يسأله ثانية:
«أتريد القوة؟».
لم يدرِ إن كان الحجر المثلث نفسه هو من يخاطبه أم أنه كيان آخر، غير أنه ولفرط اندماج الحجر بروحه مباشرة، طالما شعر به كجزء لا يتجزأ من كيانه، فأجاب متسائلًا:
«أأنت الحجر الصغير؟».
كرر الصوت سؤاله بنبرة صارمة:
«أتريد القوة؟».
أومأ الفتى برأسه وأجاب بصدق خالص:
«نعم».
سأله الصوت مجددًا:
«أي قدر من القوة تبتغي؟».
فكر "شون لونغ" لبرهة قبل أن يرد:
«ما يكفي لدحر خبراء مرتبة السماء على أقل تقدير».
ولأول مرة، بدت نبرة من المشاعر في الصوت الصادر من الظلام، إذ قهقه هازئًا وقال:
«خبراء مرتبة السماء؟! وماذا عساك تفعل إن لاقيت من هو أسمى شأوًا وأعظم شأنًا من خبراء مرتبة السماء؟».
لم يخطر ببال "شون لونغ" أن يباغته الصوت بمثل هذا السؤال، ولأول مرة يجد عقله خاويًا بلا جواب.
استطرد الصوت متسائلًا:
«ما هو غايتك ومبتغاك؟».
أغرق الفتى في تفكير عميق وطويل:
«ما هي غايتي ومبتغاي…؟».
أجاب بروية وتؤدة:
«أريد أن أكون حرًا طليقًا».
سأل الصوت:
«وماذا أيضًا؟».
«أريد أن أحكم مصيري بيدي».
كرر الصوت:
«وماذا أيضًا؟».
تردد الفتى ولم يدرِ بمَ يجيب، فعاد الصوت ليحثه:
«فتش في أعماق ذاتك… ما الذي تريده بحق؟».
«أريد أن أعيش طويلًا.
أريد أن أخوض كل تجربة في هذا الوجود.
لا أريد لأحد أن يقيدني أو يملي عليّ أمره.
أريد أن أقف على قمة هذا العالم.
أريد أن أكون الشخص الأقوى على الإطلاق.
أريد أن أكون صاحب الكلمة والسيطرة التامة!».
تفجرت الرغبات من مكنونات صدر "شون لونغ"، وأخذ صوته يعلو ويشتد بينما يعدد طموحاته الواحدة تلو الأخرى. فالرغبات يسير كبحها ما دامت مدفونة في الظلمات، لكن استعصاءها يشتد ما إن يلامسها أدنى بصيص من النور.
«هاهاهاهاها! أجل، هذا هو بعينه! ارغب في المزيد، واطلب الأعظم! انتزع ذلك بيديك يا سيدي؛ فقد كُتب لك أن تعتلي ذروة هذا العالم هذه المرة، بصفتك مالك "حجر الزمان"».
سأل الفتى مستغربًا:
«سيدك؟».
أخذ الصوت يضعف تدريجيًا:
«…سأتبعك مهما كلف الأمر، فأنت سيدي ومولاي…».
وفي النهاية، كاد الصوت يتلاشى حتى غدا غير مسموع، بينما انقشعت حلكة الظلام ببطء، وتكثفت بأكملها في بؤرة ذلك الفضاء لتتشكل في هيئة بيضة حالكة السواد.
كان حجم البيضة يضاهي قامة إنسان بالغ، ورغم سوادها الفاحم، إلا أن نقوشًا ورموزًا غابرة كانت تموج فوق سطحها، ناضحة بهالة هائجة ومستعرة تفوق الوصف.
ومع انحسار العتمة، بات بمقدور "شون لونغ" تفقد المكان من حوله؛ كان فضاءً تبلغ مساحته ثلاثين مترًا مربعًا، ولا يحوي سوى تلك البيضة السوداء المستقرة فوق تربة غطت الأرضية.
وحين تكثفت الظلمات في جوف تلك البيضة، انفجرت هالة مروعة من جسد "شون لونغ" روعت "طائفة الغيمة العائمة" بأسرها، قبل أن ترتد ثانية وتنحسر إلى داخل بدنه.
وسواء في "المدينة الخارجية" أو "المدينة الداخلية"، ومن أضعف تلاميذ البلاط الخارجي حتى كبار الشيوخ، خرّ الجميع صاغرين على ركبهم من وطأة تلك الهالة القاهرة، عاجزين عن التقاط أنفاسهم.
وفي أعماق "المدينة الداخلية" داخل منطقة محظورة، انتصب قصر منيف. كان هناك رجل يبدو في أوائل أربعينياته يجلس فوق سريره، وما إن استشعر تلك النفحة العاتية المندفعة من ناحية "جناح الكنوز"، حتى لفظ دفعة من الدماء!
شخصت عيناه بذهول نحو موضع الجناح في "المدينة الخارجية"، وما إن كُظمت تلك الهالة المرعبة وعادت إلى منبعها، حتى هب الرجل واقفًا.
تمتم الرجل في سريرته بوجل:
«أيعقل أن خبيرًا جليلًا وسامي القدر قد حلّ ضيفًا على مدينتي الخارجية؟».
لم يكن هذا الرجل سوى أقوى شخص في "طائفة الغيمة العائمة" بأسرها: زعيم الطائفة "ليو جيان".
وفور استشعاره لتلك الهالة، أصدر أمر استدعاء عاجل لكافة شيوخ الطائفة، آمرًا باحتشادهم فورًا في القاعة الرئيسة لـ "المدينة الداخلية".
ارتد وعي "شون لونغ" إلى جسده قبل أن يتاح له استكشاف ذلك الفضاء الجديد داخل الحجر المثلث، غير أنه تذكر بوضوح أن الصوت الغائر في العتمة قد أطلق على الحجر اسم "حجر الزمان"، وخاطب "شون لونغ" بوصفه سيده.
وقبل أن يجد الفتى متسعًا للتأمل فيما جرى، تعالت أصوات الزفير والأنفاس اللاهثة في أرجاء "جناح الكنوز" قاطبة، مع استعادة الناس لقدرتهم على التنفس أخيرًا.
💬 مستني توقعاتكم وتفاعلكم المشتعل في التعليقات!
ترجمة
ثراندويل
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.