الفصل 423: عاصفة رملية
معاينةً لـ "شون لونغ" وهو يرمقها باسترخاء تام وتلك الابتسامة الخفيفة تعلو محياه، تراجعت الفتاة ذات الرداء الأسود بضع خطوات إلى الوراء لا إرادياً، وقد استبد بها الرعب والوجل؛
إذ عجزت عن استيعاب الكيفية التي استطاع بها شون لونغ تفادي غارة الشيخ المباغتة بيسرٍ مطلق، بل والرد عليها بهجومٍ مضاد حاسم أزهق روحه في رمشة عين!
وكان الأمر عينه ينطبق على الشاب المتدثر بالرداء الذهبي، "الأخ الأكبر تشيونغ"، الذي ظل شاخصاً نحو شون لونغ بملامح شلتها الصدمة المروعة؛
فقد جالد الشابة ذات الرداء الأسود رفقة الشيخ العجوز كتفاً بكتف، وكان يدرك بيقينٍ تام مدى فتك وشراسة ضربات الاغتيال التي يجيدها ذلك العجوز في الظل؛
ولولا تسخيره لحسه الروحي الباطني دون انقطاع طوال معركته لتفادي تلك الغارات، لكان قد لقي حتفه منذ أمدٍ بعيد ولما صمد في هذا النزال حتى هذه اللحظة.
وبطبيعة الحال، لم يكن لخبيري ذروة المرتبة الثالثة من عالم الروح الوليدة أدنى علم بأن شون لونغ لم يلقِ بالاً لغارة الشيخ منذ البداية؛
فكيف يمكن اغتيال شون لونغ وهو يترقب الهجوم سلفاً؟!
لقد تنبأ بتلك الغارة الغادرة بفضل عينيه الذهبيتين اللتين تكشفان خطى المستقبل، وكان على علمٍ دقيق بلحظة الانقضاض والزاوية التي سيبرز منها نصل الخصم؛
وفي الوقت ذاته، وعقب اختراقه لحاجز عالم الروح الوليدة، تعاظمت قدرات وإمكانات طوري «نطاق العاهل» مجدداً؛
وبإطلاقه العنان لكلا النطاقين في آنٍ واحد، نجح بسهولة في إبطاء سرعة الشيخ العجوز بنسبة عشرين بالمائة، بينما ضاعف من سرعته الذاتية أضعافاً مهولة؛
وحتى مع بقاء زراعته عند بدايات المرتبة الأولى من عالم الروح الوليدة، كان من اليسير للغاية على شون لونغ التفوق على ذلك الشيخ في مضمار السرعة الصرفة؛
فما لم يكن الممارس قد استبصر «داو الرياح»، أو «داو البرق»، أو صنفاً فريداً من الداو يمنح سرعة خارقة، فإن ممارسي ذروة المرتبة الثالثة الاعتياديين لا يملكون أدنى بارقة أمل لمجاراة شون لونغ في صراع السرعة والخفة؛
وبالطبع، لو حاز هؤلاء الممارسون تقنية حركة تنتمي للرتبة المقدسة، لاختلفت موازين المعادلة بالكلية.
ولم يخطر ببال الشيخ الغافل قط أن شون لونغ لم يكتفِ باستشراف هجومه مسبقاً فحسب، بل كان أسرع منه بأشواط؛
وفضلاً عن ذلك، ومع تباطؤ حبل أفكاره وتثاقل إدراكه تحت وطأة «نطاق العاهل»، عجز الشيخ ذو الرداء الأسود عن الارتداد والفرار بالسرعة الكافية حالما استشعر الخطر الماحق، لتكون النتيجة بتر كلتا يديه من عند المعصمين؛
وتلك الصدمة الذهنية الشديدة ألقت بأفكار الشيخ في لجة من التشتت والذهول، عاجزاً عن استيعاب ما جرى لتوّه؛
وبطبيعة الحال، لم يكن شون لونغ ليدع هذه السانحة تفلت من بين يديه، لا سيما وخصمه في أقصى درجات الضعف ودون أي مسرب للتراجع؛
ومسخراً تقنية «الوميض»، تجسد شون لونغ في لمح البصر قبالة وجه الشيخ المتلفع بالسواد، وأرجح سيف الرتبة النجمية في حركة أفقية قاطعة، حاصداً رأس خبير ذروة المرتبة الثالثة بضربة واحدة حاسمة!
تضافرت كل تلك العوامل معاً لتمنح شون لونغ القدرة على إزهاق روح ممارس في قمة المرتبة الثالثة بحركة واحدة خاطفة، غير أن وقع المشهد كان صاعقاً بصورة لا تُصدق!
وسواء أكانت الشابة ذات الرداء الأسود، أم الفتى صاحب الرداء الذهبي الأخ الأكبر تشيونغ، أم أولئك الممارسون الأربعة في منتصف المرتبة الثالثة المنخرطون في قتال بعضهم بعضاً، شخص الجميع نحو شون لونغ بأعين امتلأت بالذهول والإنكار المطلق؛
ففي نهاية الأمر، كان ذلك العجوز خبيراً حقيقياً في ذروة المرتبة الثالثة لعالم الروح الوليدة!
وحتى إن كانت مهاراته تميل لأساليب الاغتيال والغدر عوضاً عن المواجهة المباشرة، فما كان له أن يسقط صريعاً بتلك السهولة على يد فتى يرابط في بدايات المرتبة الأولى مثل شون لونغ!
غير أن شون لونغ لم يكترث لتلك النظرات المشدوهة، وواصل تثبيت بصره نحو الفتاة ذات الرداء الأسود التي كست سحنتها ملامح قاتمة وقبيحة؛
ففي غياب الشيخ الذي كان يسندها، بات من المشكوك فيه قدرتها على مجالدة الشاب ذي الرداء الذهبي بمفردها؛
وإن أضيف إلى ذلك وجود شون لونغ المفاجئ في ساحة الصدام، فإن فرص نجاتها تدنت لتلامس الصفر عملياً!
ودون أدنى تردد، بسطت الشابة ذات الرداء الأسود ذراعيها في الهواء، لتتفجر عاصفةٌ رملية هوجاء وهائلة حول بنيانها، مغلفةً سائر المقاتلين في ساحة المعركة في طرفة عين؛
وسواء أكان شون لونغ، أم الأخ الأكبر تشيونغ، أم ممارسي منتصف المرتبة الثالثة الأربعة، سقط الجميع أسرى في قلب تلك العاصفة الرملية الكثيفة التي حجبت الرؤية بالكامل؛
وأطلق الأخ الأكبر تشيونغ همهمة حانقة إثر معاينة هذا المشهد، مستوعباً على الفور أن تلك الشابة تستميت للفرار بجلدها؛ واشتعل بدنه فجأة بضياءٍ أحمر قانٍ شديد التوهج؛
وكانت تلك أعتى ضربة في جعبته، مهارة قتالية من الرتبة المقدسة المنخفضة قادرة على إحالة سائر ما يحيط به إلى رمادٍ تذروه الرياح؛
فحتى عتاة ذروة المرتبة الثالثة سيتجرعون جراحاً فادحة إن حوصروا في نطاق هذه المهارة؛
ولولا حذره الشديد وتوجسه من غدر الشيخ العجوز له لحظة إطلاقها سابقاً، لبادر الأخ الأكبر تشيونغ إلى تسخيرها منذ وقت طويل للإطاحة بتلك الشابة واقتناص رمز الطائفة المقدسة من جثتها؛
وفي خضم العاصفة الرملية العمياء، أضاء جسده كالشمس الساطعة في كبد السماء، مستقطباً أنظار الجميع، بينما أخذت حبات الرمال المحيطة به تحترق سريعاً مستحيلةً إلى رماد؛
وكان جلياً أنها مسألة ثوانٍ معدودات حتى يفك الشاب الذهبي وثاق تلك العاصفة ويتحرر منها بالكامل؛
غير أنه وفي التوقيت عينه، انفرج ثغر شون لونغ عن ابتسامة وادعة رغم حصاره في أتون العاصفة، والتمعت عيناه الذهبيتان بضياءٍ أزرق ساطع أخذ يتمدد بهيبة ليغمر كامل بدنه؛
وشاخصاً بنظراته نحو الأفق الممتد أمامه، تمتم شون لونغ بصوتٍ خفيض لكنه مفعم بالجبروت والسيادة، كأنه عاهلٌ يحكم هذا الفضاء:
«الـنَّـفْـيُ الأَبَـدِي!»؛
وما إن نطق بها، حتى طفقت كرة التشي اليتيمة المستقرة في باطن «ساعة العاهل الرملية» تضطرب وتغلي، بينما ازداد الضياء الأزرق الملتف حول جسده بهاءً وتوهجاً فاق سابقه؛
وفي تلك اللحظة، بدت نظرات شون لونغ كنظرات ملكٍ قاهر يتأهب للفصل في أمر الحياة والموت لكل ما يدب حوله؛
وحيثما استقر بصره، وبمجرد أن طالعت عيناه جدران العاصفة الرملية المحيطة به، مُحيت ذرات الرمال وتلاشت من الوجود قبيل أن تلامس رداءه حتى!
وبدا المشهد وكأن تلك الرمال تُنفى قسراً إلى بُعدٍ مجهول وعالمٍ آخر، عاجزةً كلياً عن مقاومة بأس ذلك الضياء الأزرق المنبعث من كيان شون لونغ ولو لكسرٍ من الثانية!
ومع انقشاع العاصفة الرملية أمام ناظري شون لونغ وتلاشي كثافتها، التقطت عيناه خيال الشابة ذات الرداء الأسود وهي تشق عنان السماء هاربةً بأقصى سرعتها خارج ساحة المعركة؛
وقابضاً على سيفه الأسود بيمناه، رفع شون لونغ يسراه في الهواء، وبنظرة ثاقبة ومركزة، شق الفضاء أمامه بنصل طاقته… ليفتح صدعاً وشقاً مكانياً متوسط الحجم في نسيج الفراغ!
وفي تلك اللحظة بالذات، بدت الشابة ذات الرداء الأسود وكأنها استشعرت خطراً داهماً، فارتجف جسدها واجتاحتها رعدة الموت!
وأدارت رأسها مذعورة، لترى شقاً مكانياً أسود ينفرج خلف ظهرها من العدم، قبيل أن يخرج من باطنه فتى وسيم تتدلى أرديته الزرقاء الفاتحة بمهابة وسكون؛
واتسعت حدقتا الفتاة هلعاً حين عاينت شون لونغ يمزق نسيج الفضاء بأريحية تامة ويبرز خلفها مباشرة، فسارعت بالالتفاف محاولةً مضاعفة سرعتها والفرار لأبعد مدى؛
ولم تستوعب كيف تمكن شون لونغ من التملص من عاصفتها بتلك السهولة المطلقة، غير أنها كانت توقن بعجزها عن مجابهته وجهاً لوجه الآن!
فطاقتها قد استُنزفت بشدة جراء تشكيل تلك العاصفة الهائلة، مما جعل شبح الفزع يلمع في عينيها؛
ولم يكن أمامها من سبيل سوى استدراج شون لونغ نحو موضع ممارسي ذروة المرتبة الثالثة الآخرين في المدينة، ليتحدوا جميعاً في استئصال شأفته!
ولعلمه التام بافتقارها للقدرة على مقارعه نداً لند، لم يكن شون لونغ ليمنح الفتاة ذات الرداء الأسود أي فرصة للمناورة أو الإفلات؛
ومستخدماً تقنية «الوميض» للمرة الثانية، تجسد شون لونغ في التو واللحظة خلف ظهرها، ودون أن يفسح لها ثانية واحدة للفرار، أرجح سيف الرتبة النجمية الأسود بكلتا يديه بقوة غاشمة!
وفي اللحظة ذاتها التي أفلح فيها "الأخ الأكبر تشيونغ" في اختراق جحيم العاصفة الرملية والتحرر منها، تجلى أمام ناظريه مشهدٌ عجز عقله عن تصديقه أو استيعابه:
فمع أرجحة شون لونغ لسيفه الأسود في حركة أفقية قاطعة، انهمر وابلٌ من الدماء القانية ليملأ عنان السماء…
حين انشطر جسد الفتاة ذات الرداء الأسود — الخبيرة في ذروة المرتبة الثالثة للروح الوليدة — إلى نصفين في طرفة عين !!
شاركونا توقعاتكم في التعليقات! 💬🍿
ترجمة
ثراندويل
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.