الفصل 403: هوا فنغيو
الفصل أربعمائة واثنان: هوا فنغيو
استشعر "شون لونغ" موجةً جديدة من الذكريات تستفيق على مهل في باطن عقله، ليجد نفسه في كنف غرفة بسيطة وفسيحة خلت من مظاهر الزخرف والرياش؛
ورأى نفسه يجلس متربعاً فوق وسادة فضية صغيرة استقرت فوق الأرض، بينما انتصبت قبالته آلةٌ وترية سوداء ذات سبعة أوتار لا أرجل تسندها؛
ولم يكن شون لونغ بحاجة لأكثر من لمحة عابرة ليميز في التو آلة الحكماء والأولياء: الـغـوتـشـيـن (Guqin)؛
وفي ذلك المنعطف، تدفقت أمواجٌ أعتى من الذكريات لتغمر عقله، قبيل أن يرى نفسه يرفع يمناه بتؤدة طفيفة، ليضع كفه فوق تلك الآلة ذات الأوتار السبعة؛
وبينما كانت يده معلقة فوق الغوتشين، لم يكن يدري أن عينيه تشعان بسكينة مطلقة تشبه صفحة بحيرة راكدة يعجز أي ريح عن إحداث أدنى موجة في مائها، قبيل أن تنقر سبابته برفق وتداعب وتراً يتيماً؛
بـيـنـغ~
وانبعث رنينٌ أخّاذ بالغ العذوبة والجمال ليرتد صداه في أرجاء الغرفة الشاسعة، فاحشاً في صدر شون لونغ طوفاناً من المشاعر المتلاطمة كالعاصفة الهوجاء؛
هذا هو الغوتشين!
تلك الآلة الموسيقية التي عزف على أوتارها لمرات لا حصر لها في سالف دهره؛ سواء حين كان يروم تهدئة روعه وتسكين خواطره، أو عند اقتناص أوقات فراغه والاسترواح بها؛
ورغم ندرة من يعلمون بهذا السر خارج حدود «فيلق ساحق السماوات»، إلا أن براعة "شون لونغ" في العزف على الغوتشين لم يكن ليجاريها إنسٌ ولا جان؛
فأنغامه إبان ملامسته لتلك الأوتار كانت كفيلة بأن تفتح للمرء أبواب الاستنارة بنغمة يتيمة، أو أن تـحـصـد أرواح الـخـالـديـن بنقرة وتر واحدة!
ذلك هو سلطان من بلغ الذروة المطلقة في تطويع آلة وترية!
ولم تتوقف أنامل شون لونغ؛ وبحركات متمرسة وحاذقة، داعب وتراً ثانياً قبيل أن يتبدد لحن الأول في فضاء الغرفة؛
بـيـنـغ~
وواصلت أصابعه حركتها ببراعة فائقة دون أدنى عجلة، لتنساب تلك الألحان الساكنة التي تهز شغاف الروح وتتجاوز جدران الغرفة الفسيحة لترتحل بعيداً؛
ومحدقاً في كفيه وهما تداعبان أوتار الغوتشين، استشعر شون لونغ روحه الباطنية وكأنها تُغسل وتتطهر في خضم هذا العزف، بينما تدفقت سكينةٌ وطمأنينة لا توصف لتملأ حنايا فؤاده!
وعقب بضع دقائق معدودات، نقرت كفه الوتر الأخير من الغوتشين معلناً ختام المقطوعة، قبيل أن يرفع هامته ليرمق الشخص الجالس قبالته؛
وكانت شابة حسناء تسحر الألباب تتدثر بدرع حربي أسود، ينسدل شعرها الأسود الطويل في ضفيرة متدلية كذيل الفرس، وتشع عيناها بضياء بنفسجي ساحر وخلاب؛
واعتلت ملامح تلك الفاتنة تعابيرُ هيام وافتتان مطلق، بينما كانت نظراتها الشاخصة نحو "شون لونغ" لا تختلف عن نظرة من يطالع كونه وعالمه بأسره، متجاهلةً سائر ما يحيط بها في هذا الوجود؛
وتدافعت مشاعر لا حصر لها في فؤاد شون لونغ فور معاينته لتلك الحسناء الباهرة الماثلة أمامه، والتي لم تكن لتنقص فتنةً عن "ليو مي" بأي مقياس، بينما التمع اسمٌ يتيم في سويداء عقله في اللحظة عينها:
«هــوا فـنـغـيـو (Hua Fengyu)!»؛
لقد كانت هذه هي القائدة الثالثة لفيلق ساحق السماوات!
وفجأة، تحطم المشهد الماثل أمام ناظري شون لونغ واستحال إلى شظايا، بينما راحت أمواج الذكريات تندمج وتلتحم بضراوة في باطن عقله، ليجد شون لونغ نفسه يعود أدراجه إلى أرض الواقع… في جوف تلك الحاضرة الصغيرة حيث يستعر وطيس اختبار الطائفة المقدسة!
ومع استمرار تدفق شظايا المشاهد والصور المتباينة في ساحات وعيه الواحدة تلو الأخرى، لم يستغرق شون لونغ سوى لمحة بصر ليفك شفرة ما يجري، لينبثق خاطرٌ حاسم في خلده:
«هـذه… هـذه كـلـهـا ذكـريـاتـي أنـا»؛
وفي ذلك المنعطف، رفع شون لونغ رأسه دون وعي منه ليرنو شطر السماء من فوقه، ليطالع ثلاث كرات من طاقة الـ تشي تطفو وتتوهج في الشطر العلوي من «ساعة الملك الرملية»؛
واستشعر سيولاً عاتية من التشي تختزنها الكرات الثلاث، في حين تبدل لونها كلياً؛ إذ خلعت عنها بياضها القديم لتسطع بـ لونٍ فضي وهاج وخاطف للأبصار!
ولم يتطلب الأمر سوى برهة وجيزة ليدرك شون لونغ أنه قد انزلق دون إرادة منه إلى كنف حالة من الاستنارة، بادئاً مخاض ارتقائه نحو عالم الروح الوليدة على نحو مباغت!
وفي اللحظة ذاتها، تفصدت حبات العرق البارد فوق جبينه فور إدراكه للمدى الفلكي للخطر الداهم الذي يكتنف خوض هذا الاختراق في هذا الموضع تحديداً؛
ففي نهاية المطاف، سيعجز بالكلية عن القتال أو الذود عن نفسه إن باغتته أي غارة في هذه اللحظة، مما سيقوده حتماً لتجرع الفشل في ارتقائه وتعريض روحه الباطنية لإصابة مميتة؛
ومع ذلك، كان شون لونغ يوقن بعجزه المطبق عن كبح هذا الاختراق أو لجمه في هذا المنعطف حتى لو رغب في ذلك؛
ولم يكن أمامه من خيار سوى الاستماتة لحسم هذا المخاض بأقصى وتيرة مستطاعة!
وواصلت تلك الدوامة السوداء العملاقة فوق هامته التهام وامتصاص طاقة التشي من أرجاء الحاضرة قاطبة كأنها ثقب أسود كاسر، ممدةً شون لونغ بكميات هائلة من التشي النقي؛
ورغم أن نقاء هذا التشي لم يكن ليدنو من صفاء طاقة «كرمة ابتلاع السماوات»، إلا أن شون لونغ لم يكن بحاجة لصقله في روحه، بل كان جل مراده تسخيره كوقود لصهر كرات التشي الثلاث المتبقية ودمجها في كرة يتيمة؛
وطوال هذا الوقت، ورغم انقطاع تلك المشاهد الحية المتجسدة كسابقاتها، استمرت شظايا الذكريات تتدافع وتومض في باطن عقله الواحدة تلو الأخرى، مما جعل كسر قيود الروح الوليدة أشد عسراً ومكابدة!
وأحس شون لونغ وكأنه يسير فوق حبل مشدود وسط هوة سحيقة، مجاهداً بضراوة للاحتفاظ بصفاء ذهنه ووعيه، حارماً نفسه من الاستسلام للسبات أو الغرق في لجة تلك الذكريات؛
وعقب انصرام نصف ساعة كاملة، وإثر امتصاص مقادير فلكية من طاقة التشي، انصهرت كرات التشي الثلاث لتستحيل إلى كـرة فـضـيـة يـتـيـمـة وبـاهـرة تنفث كميات مهولة من التشي؛
لقد كان هذا هو المستخلص والذروة العظمى لكرات التشي الإحدى والثمانين المنحدرة من قمة عالم الروح، وقد انصهرت وتكثفت جميعاً في جوهر واحد!
ومستجمعاً نفساً عميقاً، أغمض شون لونغ جفنيه لبرهة خاطفة…
قبيل أن يلوح بيده، لتتجلى قارورة خيميائية تحوي حبة دواء يتيمة تطفو قبالته!!
شاركونا توقعاتكم في التعليقات! 💬🍿
ترجمة
ثراندويل
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.