الفصل 348: قتال قرد الثلج
كان "تشن يان" قد أسرّ لـ "شون لونغ" سلفاً بأن "قرد الثلج" الذي طارد فرقتهم في المرة الغابرة كان يقبع في بدايات الرتبة الخامسة، غير أن القرد الآخر الذي اكتفى بالظهور عند ذروة القمة الجبلية ولم يشارك في المطاردة، ظل مجهول البأس ولم يُتيقن ما إذا كان يوازيه قوةً أم لا؛
ولما كانت فرقتهم على مسافة شاسعة حينها، عجزوا عن استجلاء حقيقة قوة قرد الثلج الثاني، مكتفين بالتخمين والترجيح بأنه في بدايات الرتبة الخامسة بدوره؛
غير أن معاينة ذلك الكاسر الباطش — الذي يقتفي أثرهما الآن — وهو يتربع فعلياً في منتصف الرتبة الخامسة، جعلت فؤاد تشن يان ينقبض رعباً وهلعاً؛
وفي التوقيت عينه، غمرت الصدمة ملامح خبير ذروة المستوى التاسع من عالم الروح حين تفطن إلى أن زراعة شون لونغ تقبع في حقيقة الأمر عند منتصف المستوى الرابع من عالم الروح فحسب!
فذاك الفتى الذي حسبه خبيراً أو سيد سموم من الرتبة الذهبية، لم يكن في واقعه سوى ممارس في المراحل المتوسطة لعالم الروح!
ومع ذلك، وبمجرد أن استرجع تشن يان هول ذلك السم الفتاك الذي يحمله شون لونغ بين يديه، لم يجرؤ قط على استصغاره أو التقليل من شأنه في قرارة نفسه؛
ومع تدفق تلك الهواجس في عقل خبير ذروة المستوى التاسع، تجسد قرد الثلج الآخر من الرتبة الخامسة عند قمة الجبل، شاخصاً بنظرات قارسة كالصقيع نحو شون لونغ وتشن يان؛
وبدا هذا القرد متردداً في خوض المطاردة والنزول خلفهما، فاستقر رأيه في نهاية المطاف على المرابطة وحراسة القمة من علٍ؛
وشون لونغ — الذي التفت برأسه مستطلعاً الموقف خلفه — كان قد توقع هذه النتيجة سلفاً في حساباته؛
فهو يعلم يقيناً أن قردة الثلج كائناتٌ سحرية تحوز قدراً غير يسير من الذكاء والدهاء الفطري؛
ولما كانت قردة الثلج تدرك أن غاية البشر من غزو هذا الموضع هي انتزاع «عشب روح رقاقات الجليد»، فمستحيل أن تترك ساقي العشب دون حراسة مشددة ترعاهما؛
وبينما كان شون لونغ وتشن يان يهبطان منحدرين عن سفح الجبل، رمق تشن يان شون لونغ وهمّ بالحديث، حين تجلى مشهدٌ صاعق أمام ناظريه حبس أنفاسه في صدره؛
إذ انبثق جيشٌ جرار من الهياكل العظمية اليشمية البيضاء الشاهرة لسيوف عظمية كريستالية، يتقدمهم اثنا عشر فارساً عملاقاً يتدرعون بأردية فولاذية سوداء حالكة، وهم يصعدون الجبل كطوفان عسكري كاسر لا يقف في وجهه عائق، منقضين صوب موقعهم!
وسرى الرعب في أوصال تشن يان إثر معاينة هذا الزحف المخيف الماثل أمامه؛
فرغم أن هالة الهياكل العظمية وفرسان الدروع السوداء بدت ضئيلة وضعيفة في ميزان بأسه، إلا أنه لئن أهدر وقته في مجابهة هذه المخلوقات، فإن قرد الثلج القابع في منتصف الرتبة الخامسة سيدركه ويسحقه حتماً؛
فقرد الثلج كان يطوي المسافات ويقلص الفارق بينهم بسرعة مرعبة خلال هذه اللحظات؛
أما بشأن شون لونغ، فرغم إدراك تشن يان لهول سمه، إلا أنه حتى لو أثر في هذه المسوخ الكالحة، فلن يتبقى في جعبته في نهاية المطاف سوى بضع قوارير معدودة؛
ورؤيةً لليأس والوجوم اللذين خيما على عيني تشن يان، صوّب شون لونغ بصره نحوه ونطق بنبرة هادئة ورزينة:
«إياك ومقاتلتهم… دعهم وشأنهم»؛
وانعقدت الحيرة في مآقي خبير ذروة المستوى التاسع، غير أنه وأمام السكينة المطلقة التي تغلف محيا الشاب ذي الرداء الأزرق بجواره، جز على أضراسه وأومأ برأسه خاضعاً؛
وحين انغمس شون لونغ وتشن يان في خضم جيش الموتى العابر، بدا وكأن فرسان ليو مي وهياكلها العظمية لا تبصر الفتيين على الإطلاق، متجاوزين إياهما لتواصل الجحافل تقدمها الهادر صَوب قرد الثلج العملاق!
روووووووور!!
وانفجر قرد الثلج في زئير هادر طفح بالحنق والغيظ وهو يثب للأمام، ليرتطم هابطاً في قلب جيش موتى ليو مي الزاحف؛
ودون أدنى مفاجأة، شق الكاسر القابع في منتصف الرتبة الخامسة صفوف الجيش التي اعترضت سبيله بسلاسة مطلقة، كعملاق جبار يلوح بذراعيه الضخمتين، ساحقاً العشرات من الخصوم مع كل ضربة خاطفة؛
ولم يكن ثمة فارق لديه بين فرسان الموتى ذوي الأمتار الثلاثة أو الهياكل اليشمية البيضاء الواقفة في دربه؛ إذ تهشمت قاطبة تحت وطأة قبضتي الوحش وأقدامه الثقيلة الواحدة تلو الأخرى؛
وأخذ القرد البالغ طوله سبعة أمتار يلوّح بأطرافه المديدة ويدمر كل ما تجرأ على الانتصاب في وجهه، مواصلاً مطاردته الشرسة لشون لونغ وتشن يان؛
فقد كان جلياً أن قرد الثلج قد استبان هوية تشن يان وتعرف عليه، ولن يسمح له بالإفلات والنجاة لمرة ثانية!
غير أنه، وفي اللحظة ذاتها التي هوت فيها الذراع اليسرى للقرد محطمةً أحد فرسان الدروع السوداء، بادر ذلك الفارس الموشك على الفناء — والذي كان يقبض في كفه على قارورة مترعة بسائل أرجواني داكن — بقذفها مباشرة صوب صدر القرد، قبيل أن ينسحق بدنه كلياً تحت وطأة الضربة!
وداهم قردَ الثلج هاجسُ خطر داهم وخاطف فور رؤية السائل الأرجواني الداكن يندفع محلقاً نحوه، إذ صرخت غرائز وحش منتصف الرتبة الخامسة في أعماقه محذرة إياه من ملامسة تلك القارورة؛
ووثب الكاسر العاتي جانباً بسرعة خاطفة، متفادياً القارورة المفعمة بالسائل الأرجواني في اللحظة الأخيرة، لتهوي بعيداً عنه ببضع عشرات من الأمتار وتتحطم فوق الثرى؛
غير أنه وقبيل أن تسنح للقرد فرصة اتخاذ خطوته التالية، تجسد فارسٌ مدرع آخر خلف ظهره في غفلة منه، وقذف قارورة ثانية مطابقة نحو رأس القرد مباشرة!
ولم يتبقَّ لقرد الثلج أي منفذ للمراوغة هذه المرة؛ إذ لم تكد قدماه تلامسان أديم الأرض حين فاجأته القارورة الثانية تشق الهواء نحوه، فما كان منه إلا أن لوّح بذراعه اليمنى الطويلة ليلطم القارورة مرتدةً صوب الفارس المدرع بالسواد؛
غير أنه وفور ملامستها لذراع القرد، انفجرت القارورة لتستحيل إلى شظايا لا حصر لها، ليتطاير السائل الأرجواني الداكن ويرش فوق فرائه الناصع البياض بغزارة!
غـروووووووووور!!
وتحت الأنظار الشاخصة لشون لونغ وتشن يان، تفجرت من حنجرة قرد الثلج صرخات عذاب وألم ممزقة، إذ باشر ذلك السم المرعب في الفتك بكيانه وسبر روحه في لمح البصر؛
وانتاب القرد هياجٌ وجنونٌ هستيري من فرط العذاب، وأخذ يتخبط ويلوح بذراعيه وساقيه في حركات عشوائية طائشة، ساحقاً العشرات من الهياكل العظمية من حوله في غمرة تخبطه؛
أما تشن يان — الذي كان يرابط على بعد بضعة أمتار من شون لونغ — فقد باعد المسافة بينهما لا إرادياً وتراجع بوجل، وهو يحدق في ذلك الوحش الكاسر في منتصف الرتبة الخامسة وهو يتلوى ويتمزق من وطأة الألم بذهول طمس معالم عقله!
وفي التوقيت عينه، طرق زئير الألم مسامع قرد الثلج الآخر المرابط عند قمة الجبل، وعقب تردد وجيز، انحدر بدوره يركض هابطاً صوب سفح الجبل لنجدة قرينه؛
غير أنه، ولم تكد تنصرم دقيقتان اثنتان، حتى أخذت صرخات قرد الثلج في منتصف الرتبة الخامسة تخفت وتتلاشى رويداً رويداً… قبيل أن يهوي جسده الطود العملاق ليرتطم بالأرض جثة هامدة لا حراك بها!
شاركونا توقعاتكم في التعليقات! 💬🍿
ترجمة
ثراندويل
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.