الفصل 298: حَبْس
الفصل مائتان وسبعة وتسعون: حَبْس
انبثق نمطٌ فريدٌ من الطاقة يشبه الحس الروحي من عيني "تشونغ تشيو"، لينفذ متسللاً إلى باطن جسد "شون لونغ"؛
غير أنه، وفي اللحظة التي حاولت فيها تلك الهالة البيضاء الاقتراب من الحيز الروحي لشون لونغ، أطلق "حجر الزمان" رداً صاعقاً؛ إذ توهج بنور أزرق ساطع انقضّ متتبعاً ذلك "الحس الروحي" كوحش سحري هائج استُبيح عرينه؛
ولم يكن تشونغ تشيو قد تمكن حتى من ملامسة عتبة الحيز الروحي، حين دهم فؤاده شعورٌ مفاجئ بخطر مميت ساحق؛
وكخبير يقف في قمم عليا تفوق الخيال، كان أثمن ما يثق به طوال مسيرته هو غريزته الفطرية؛
ودون أدنى تردد، سارع بسحب حسه الروحي مرتداً به نحو جسده في التو واللحظة؛
ومع ذلك، كان متأخراً بمقدار نصف خطوة قاتلة؛ إذ نجح ذلك الضياء الأزرق الباهر في ملامسة جزء ضئيل من حسه الروحي قبيل أن يكتمل انسحابه؛
وتحت النظرات المذعورة للحارسين المدرعين بالفضة، هوى تشونغ تشيو على ركبتيه وهو يمسك بصدره، قبيل أن يتقيأ جرعة من الدماء القانية؛
فلم يسبق للحارسين قط أن عاينا إصابة تشونغ تشيو في نزال، فكيف به اليوم يُصاب وينزف بمجرد محاولة تفتيش روح فتى فاقد للوعي؟!
أيعقل أن يكون مثل هذا الأمر ممكناً أصلاً في هذا الوجود؟!
وبطبيعة الحال، لم يكد الحارسان يرفعان رأسيهما لبرهة مذهولة حتى سارعا بنكسهما مجدداً نحو التراب في هلع مطبق؛
أما تشونغ تشيو، فلم يلقِ بالاً لوجود الحارسين أصلاً، بل تسمرت عيناه نحو دمائه المسفوكة فوق الأرض بملامح تنضح بإنكار تام وعدم تصديق؛
«كيف يُعقل هذا بحق السماء؟»؛
وتمتم الرجل الأربعيني المتشح بالأردية الفضية بصوت خافت وخانق، بينما راحت نظراته تتنقل بين دمائه الملطخة للتراب وشون لونغ الملقى بلا حراك؛
وراودته غريزته بمعاودة تفتيش روح ذلك الفتى مرة أخرى، غير أن الإصابة التي حاقت به لم تكن بالهينة على الإطلاق؛
ورغم كونها غير مميتة، إلا أن تشونغ تشيو كان يعلم يقيناً أن روحه قد أصابها شرخٌ وعطب؛
وفوق ذلك، لم يقتصر إخفاقه على العجز عن اقتحام بحر روح الفتى فحسب، بل تجرع رعباً فتاكاً كاد يسلب حياته، وانتهى به المطاف جريح الروح بفعل قوة باطشة ومروعة؛
ولو لم يُبادر بسحب حسه الروحي في تلك الثانية الخاطفة، لعجز عن تخمين المدى الكارثي الذي كانت لتنتهي إليه جراحه!
ورمش وميضٌ من الحيرة يمتزج برهبة مكتومة في مآقيه وهو يحدق بشون لونغ؛
وغريزياً، رفع تشونغ تشيو يده كأنه يروم إزهاق روح الفتى بلكمة ساحقة واحدة، غير أنه تذكر فجأة أنه لم يقف بعد على سر وصوله إلى هذا المكان؛
فالحراس الفضيون يجهلون بدورهم كنه ما جرى؛
وعقب لحظات من التروي الحذر، قبض تشونغ تشيو على جسد شون لونغ، وتلاشى من قبالة الحارسين الجاثيين في لمح البصر؛
وبعد بضع دقائق وجيزة، عاود تشونغ تشيو الظهور في أقصى أعماق القصر الأحمر المهيب، حيث ينبثق عمود الضياء الأرجواني نحو السماء؛
واتسعت عينا الشيخ العجوز المتدثر بالذهب — اللتان كانتا نصف مغمضتين — بنزر يسير وهو يرمق تشونغ تشيو الواصل لتوه، وسأل بنبرة جاهدت لمواراة دهشته:
«أأُصيبت روحك بالعطب؟»؛
وأومأ تشونغ تشيو برأسه مجيباً بتبجيل:
«رداً على الشيخ الأكبر، ليست إصابة بالغة الخطورة؛ وما إن أتناول قرص "شفاء الروح الذهبي"، حتى أستعيد عافيتي بالكامل في غضون أقل من عام؛
غير أن المفاجأة المروعة… هي أن إصابتي وقعت إبان محاولة تفتيش الروح!
بل… لم أكن قد شرعت في سبر غوره حتى تفجرت قوة مرعبة من بحره الروحي!
وأخشى أنه لولا ارتدادي السريع في الوقت المناسب، لكان نصيبي من العذاب والهلاك أعظم بمراحل»؛
وما إن قرعت تلك العبارات مسامع الشيخ ذي الرداء الذهبي، حتى غارت عيناه بعمق سحيق، والتمع بريق ثاقب في مآقيه؛
أما الرجل الأربعيني الآخر، والشاب الوسيم، والفتاة الحسناء خلفهما، فقد ألجمتهم الصدمة وعقدت ألسنتهم؛
«من هذا الكائن الذي يقوى على جرح "الشيخ تشونغ" وهو غائب عن الوعي ومغشيّ عليه؟!»؛
وحوّل الجميع أنظارهم صوب الشيخ العجوز، الذي لا تزال كفاه مستقرتين فوق الكرة البنفسجية المضيئة أمامه؛
ومن برود نظراته السوداوية الخالية من أي مشاعر، عجزوا جميعاً عن سبر أغوار ما يضمره في عقله؛
ورمق الشيخ تشونغ تشيو، ثم تساءل بنبرة حركها الفضول:
«وماذا صنعتَ بهذا الدخيل؟»؛
وقبض تشونغ تشيو على يديه محيياً بوقار، وأجاب وعيناه تقدحان جدية:
«لقد أودعته بيدي في الطبقة السابعة من "سجن الخلود للحبس الأبدي"»؛
وهز الشيخ رأسه موافقاً، ثم عاد ببصره ليركز على الكرة البنفسجية أمامه، ونطق ببرود خالٍ من أي انفعال:
«حسناً فعلت؛ فلتدعه يقبع هناك في الوقت الراهن»؛
وانحنى تشونغ تشيو أمام الشيخ في طاعة تامة، دون أن يضيف كلمة أخرى.
ولم يُدرَ كم انصرم من الزمان، حتى فتح شون لونغ جفنيه أخيراً؛
ورافعاً رأسه، وجد نفسه حبيس موضع غريب يلفه ظلام دامس؛ فلا شمس في سمائه، ولا قمر، ولا نجوم، ومع ذلك كان هناك ضياء خافت يتيح له رؤية ما حوله؛
لقد كان يقبع داخل زنزانة ضيقة، بينما طوقت جسده سلاسل سوداء ثقيلة تتدلى من الجدار الحجري خلف ظهره؛
ونُقشت فوق حلقات السلاسل رقوم بالغة الدقة تنبض بالحياة، بينما استقنت في جوفها طاقة مجهولة وغامضة؛
ولاحظ شون لونغ وجود زنازين أخرى إلى جوار زنزانته، غير أنها فُصلت بتشكيلات مصفوفات خفية حجبت عنه رؤية ما بداخلها تماماً؛
وعقب تفحص محيطه، عقد شون لونغ حاجبيه، مجاهداً لاسترجاع شريط الأحداث المباغتة التي عصفت به؛
«نعم… كان دوران "حجر الزمان" هو البداية، قبيل أن أجد نفسي ثانية قبالة ذلك القصر الأحمر؛ ثم بدا أن أحدهم شن هجوماً ساحقاً على روحي، ومع تضافر ذلك مع آلام دوران حجر الزمان، فقدت وعيي في النهاية»؛
وما إن استجمع ذكرياته، حتى قفز تساؤل حائر آخر في خلده:
«إذن… أين أنا الآن بحق الجحيم؟»؛
وشاخصاً نحو السلاسل السوداء التي كبلت ذراعيه وساقيه، اشتد تقطيب حاجبيه؛
فقد كان يستشعر نوعاً غريباً من الطاقة ينبعث منها، طاقة تكبح حتى قوى «جسد الملك الأبدي» لديه؛
وحتى حين بذل كامل طاقته البدنية لجذب السلاسل، ذهبت جهوده سدى؛ فلم تتزحزح قيد أنملة؛
«ههههههه!»؛
وفجأة، شق صمت المكان صوت هرم ومزعج يخدش الآذان، وبدا وكأن شيخاً عجوزاً يتحدث من داخل الزنزانة الماثلة قبالة شون لونغ مباشرة:
«أيها الصعلوك الصغير، لا جدوى البتة من محاولاتك للهرب! الأجدر بك أن تدخر طاقتك لعلك تحظى بالبقاء على قيد الحياة لبضع سنوات إضافية؛ ففي نهاية المطاف، يستحيل على أي كائن الهروب من "سجن الخلود للحبس الأبدي"!»
شاركونا توقعاتكم في التعليقات! 💬🍿
ترجمة
ثراندويل
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.