الفصل 230: دخول الخلوة
غير أن السيدة المسنة، "جين وينلينغ"، هزت رأسها نفياً وهي ترمق "تشاو لان"، وقالت بنبرة يعلوها الوقار والدهاء:
«أخي الأكبر، أرى أنه لا يزال بحاجة إلى مزيد من الوقت للتروي واستيعاب مجريات الأمور؛ هيهي، لقد اقترحتُ عليه أيضاً أن يقصد "دار التصنيفات" ليعاين الأجواء هناك ويلتقي بوجوه جديدة؛
فمع كل أولئك العباقرة والنوابغ الذين يتقاطرون على المدينة، أنا على يقين تام بأنه سيدرك الفارق الشاسع بينه وبين صفوة مواهب القارة الحقيقيين، وحينها لن يتردد أو يعترض على أن يغدو تابعاً لأحدهم».
وأومأ تشاو لان برأسه موافقاً، ورمق جين وينلينغ بابتسامة عريضة وقال:
«هاهاها، أحسنتِ صُنعاً يا وينلينغ!
ففي نهاية المطاف، من الطبيعي جداً أن يستبد الكبرياء بالخيميائيين ويرفضوا الانضواء تحت لواء غيرهم؛ غير أنه وما إن يعاين الفجوة الساحقة بينه وبين العباقرة الفعليين بأم عينيه، فلن يجد مناصاً من الرضوخ والموافقة في نهاية الأمر!».
ورؤيةً لأسارير تشاو لان المنفرجة بغبطة بالغة، لم يتمالك أحد شيوخ الرتبة الذهبية الجالسين بجواره نفسه، وسأل بنبرة يغمرها الفضول:
«أخي الأكبر تشاو، أتبلغ أهمية هذا الفتى ذلك الحد الذي يجعلك تستبشر وتتهلل هكذا؟! أفلسنا نمتلك بالفعل كلاً من هان نيانزو وتساي وينكيان؟ لا تخبرني أنه يرقى لمجاراة مستواهما القتالي والخيميائي؟!».
وهز تشاو لان رأسه نافياً لسماع هذا السؤال، والتفت بابتسامة هادئة نحو الشيخ الجالس بجواره قائلاً:
«آه، يا غاو تشانغمينغ، أنت لا تدرك حقيقة الأمر… فرغم أن نيانزو ووينكيان يُعدان من نوابغ الخيميائيين في الرتبة الثالثة الفضية، إلا أنهما لم يبلغا بعد المستوى الذي يقف عليه ذلك الفتى الصغير».
وما إن أتم كلماته، حتى سحب تشاو لان قارورة حبوب من خاتمه المكاني وناولها للشيخ المدعو "غاو تشانغمينغ"؛
وعاين غاو تشانغمينغ القارورة ليجد ست حبات ترقد في قاعها، وما إن نزع سدادتها، حتى فاح شذى عطر دوائي زكي ومكثف صدم أنفه، فهتف الشيخ المسن برضا وذهول:
«حبوب "شفاء الشمس" من الرتبة الرابعة والدرجة القصوى!».
وأومأ غاو تشانغمينغ برأسه بعدما تفحص نقاء الحبوب، والتفت نحو تشاو لان متسائلاً:
«أخي الأكبر تشاو، أهذه هي الحبوب التي صقلها ذلك الفتى؟! ورغم إقراري بأن نجاح خيميائي في الرتبة الثالثة الفضية في صقل حبوب من الرتبة الرابعة بالدرجة القصوى يعد إنجازاً مبهراً، إلا أن نيانزو قادر على صقل حبوب مماثلة أيضاً».
غير أن تشاو لان هز رأسه نافياً وهو يرمق الشيخ أمامه، وسحب خنجراً دقيقاً ليقشط به شخصياً جزءاً ضئيلاً للغاية من قشرة إحدى الحبوب، ثم قدم مسحوقها إلى غاو تشانغمينغ؛
ودفعه الفضول لتناول الخنجر من يد تشاو لان، ولمس بأصابعه ذلك المسحوق الدوائي ثم وضعه فوق طرف لسانه ليتذوقه؛
وابتسم تشاو لان وهو يرى تبدل قسمات غاو تشانغمينغ رويداً رويداً، بينما شخصت أعين سائر الحاضرين في الغرفة — باستثناء جين وينلينغ — نحوه في ترقب وذهول؛
ولم يقوَ الرجل الأربعيني، "كونغ يان"، على كبح فضوله أكثر وهو يعاين الصدمة المطبقة على وجه غاو تشانغمينغ، فبادر بالسؤال:
«كبيري غاو، ما الخطب؟!».
وبطبيعة الحال، لم يكن كونغ يان ولا غيره يشعرون بأدنى قلق على سلامة غاو تشانغمينغ؛
فطالما أن تشاو لان هو من ناوله إياها، فمن البديهي أنها خالية من أي شائبة أو ضرر؛
واستغرق غاو تشانغمينغ قرابة عشرة أنفاس كاملة حتى أفاق من شروده وصدمته، بينما لمعت عيناه ببريق جارف من الإثارة وهو يحدق في قارورة الحبوب المستقرة بين يديه؛
ورمقه تشاو لان بابتسامة عارفة وسأله:
«أأدركتَ كنه الأمر الآن؟ إن حبوب "شفاء الشمس" الخاصة بهذا الفتى تفوق في فاعليتها وتأثيرها أي حبة علاجية أخرى من الرتبة الرابعة والدرجة القصوى بأكثر من خمسين بالمائة! بل إن جودتها تكاد تطاول بعض الحبوب العلاجية متوسطة الدرجة من الرتبة الخامسة!
أكنت تحسبني أوليته كل هذا الاهتمام والحرص دون مسوغ وجيه؟! فالأمر لا يقتصر على فرادة الوصفة الطبية فحسب، بل يكمن السر الحقيقي في تلك الكيفية الإعجازية التي امتزجت وتلاحمت بها خلاصات الأعشاب الطبية أثناء عملية الصقل ذاتها، وهي التي أسبغت عليها هذا الأثر الخارق».
ولم يجرؤ أحد على دحض كلمات تشاو لان أو مراجعته، لكونه الخيميائي الأكثر حنكة وبصيرة في أرجاء القاعة قاطبة؛
وتابع تشاو لان حديثه بابتسامة واثقة:
«ولهذا السبب تحديداً أكدتُ أن نيانزو ووينكيان لم يرتقيا لمجاراة هذا الفتى بعد؛
فمع وجود ثلاثة نوابغ شبان في جعبتنا، فإن ازدهار نقابة الخيميائيين بات أمراً محتوماً؛ وفوق هذا، إن استطاع فرد واحد منهم فقط أن يظفر بمرتبة التابع في ركاب أحد العباقرة الذين يلتحقون بـ "الطائفة المقدسة"…».
وفي الوقت عينه الذي دارت فيه فصول هذا الحوار داخل حديقة الأعشاب بنقابة الخيميائيين، كان شون لونغ وليو مي قد بلغا فناء جناحهما الخاص في النزل؛
وبعد أن سدد شون لونغ نفقات إقامة ثلاثة أشهر مقدماً لمدير النزل، دلف هو وليو مي إلى مخدعهما، بينما غط الفهد الأسود في نوم عميق في باحة الفناء الخارجي؛
فرغم أن النوم لم يعد حاجة بيولوجية حتمية للممارسين أو الوحوش السحرية الرفيعة، إلا أنه لا يزال الوسيلة المثلى لتبديد الإرهاق وتصفية الذهن؛
وداخل الغرفة، رمق شون لونغ ليو مي التي بدت وكأنها تقف على أعتاب خطوة واحدة يتيمة تفصلها عن اقتحام المستوى التاسع من مرتبة السماء، وناولها قارورة مفعمة بحبوب «تعزيز الروح» من الرتبة الرابعة، ثم خاطبها بنبرة مشحونة بالجدية والاهتمام:
«مي إير، بمجرد أن تخترقي إلى بدايات المستوى التاسع من مرتبة السماء، احرصي على تناول هذه الحبوب بالقدر الذي تطيقه سعة روحكِ دون توقف؛
فهي ستتكفل بشحذ طاقتكِ الروحية وتقويتها إلى أقصى حد ممكن قبيل الشروع في اقتحام عالم الروح، بما يوافق استيعاب روحكِ الراهن».
وكان شون لونغ قد أوضح لـ ليو مي مسبقاً الأهمية الجوهرية والقصوى للحس الروحي؛ وبعدما رآها تتناول القارورة بإيماءة مطمئنة، أومأ برأسه ودلف بوعيه وجسده إلى الفضاء الضبابي لـ "حجر الزمان"؛
وظل "الأسود الصغير" يراقب سيده بفضول واهتمام، حيث عكف شون لونغ طوال الأيام الثمانية التالية على صقل جذوع «شجرة روح اليشم الذهبية» من الرتبة الرابعة، محولاً إياها إلى ما يزيد على ثلاثمائة حبة من حبوب «تعزيز الروح» ذات الرتبة الرابعة والدرجة القصوى؛
غير أنه في العالم الخارجي، لم يكن قد انصرم حتى يوم كامل في نظر ليو مي حين غادر شون لونغ فضاء الحجر عائداً إلى الغرفة؛
ولما كان جنح الليل قد أسدل ستائره، كانت ليو مي قد شرعت بالفعل في تدوير مهارة «ختم ضوء القمر»، ساحبة خيوط ضياء القمر لتنساب وتتجمع في داخل جسدها؛
وبعد أن وضع أربع قوارير إضافية ملأى بحبوب تعزيز الروح من الدرجة القصوى بجوارها، أغمض شون لونغ عينيه متخيلاً دخوله الفضاء الضبابي لـ "حجر الزمان" مجدداً؛
وتلاشى جسده من أرجاء الغرفة في رمشة عين، ليتجسد مرة أخرى في ذلك البهاء الواسع المحاط بحجب الضباب السرمدي؛
وجلس شون لونغ متربعاً فوق الأرض الصلبة، وقبض على قارورة دواء في يده، ثم ابتلع حبة من حبوب «تعزيز الروح» ذات الرتبة الرابعة والدرجة القصوى، إيذاناً ببدء الخلوة الكبرى.
شاركونا توقعاتكم في التعليقات! 💬🍿
ترجمة
ثراندويل
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.