الفصل 119: تشان شينغتشانغ
الفصل 119: تشان شينغتشانغ
مقر الحاكم.
كان بانغ يوكون يراجع التقارير الواردة من مختلف المقاطعات.
تم القضاء على مسلحي عائلة سون بالكامل، وفي صباح اليوم التالي، في السوق الشرقية لمدينة تشينغتشو، نُفذ حكم الإعدام علناً بحق كل المشاركين في التمرد. كان الحشد الذي تجمع لمشاهدة الحدث كبيراً جداً حتى ضاقت به ساحة الإعدام، فقد جاء الناس ليروا هذا المشهد الاستثنائي بأعينهم.
وبعد أن عانى عامة الناس من ظلم النبلاء لسنوات طويلة، رأوا أخيراً سقوط هذه العائلات المتسلطة. وحين سِيق سون يوان تشي إلى منصة الإعدام، رمى عليه عدد لا يحصى من الناس الحجارة والخضروات الفاسدة، في مشهد يعكس بوضوح حجم الغضب والكره الدفين الذي يحمله الشعب تجاه الظلم الذي تجرعوه.
ومع ذلك، بينما كان شياو مينغ يرتاح ويتعافى من إصابته، لم يجد بانغ يوكون أي وقت للراحة؛ فمن جهة كان عليه التعامل مع مشكلة عائلات النبلاء المتبقية وأقاربهم، ومن جهة أخرى كان هناك ملف أكاديمية بووين.
وبعد أن أوكل شياو مينغ هاتين المهمتين إليه، بدا وكأنه رفع يده عن الأمر تماماً، تاركاً بانغ يوكون يغرق في كل تلك التفاصيل بينما ذهب هو لينافس الطبيب سون في الطب!
نظر بانغ يوكون إلى كومة المعاملات الرسمية على مكتبه وشعر بصداع يداهمه؛ فأمير تشي هذا يكون في غاية الجدية والصرامة أحياناً، وفي أحيان أخرى يبدو غير مبالٍ تماماً.
"كبير الأمناء بانغ، هذه قائمة المسجلين لاختبارات أكاديمية بووين."
دخل شاب طويل أبيض البشرة إلى الغرفة. كان يرتدي رداءً رسمياً أخضر، على عكس رداء بانغ يوكون الأرجواني.
وفي إمبراطورية دا يو، كان لون رداء المسؤول يعكس رتبته؛ فالمسؤولون من الرتبة الثالثة فما فوق يرتدون اللون الأرجواني، والرتبتان الرابعة والخامسة يرتدون القرمزي، والرتبتان السادسة والسابعة يرتدون الأخضر، بينما يرتدي أصحاب الرتبتين الثامنة والتاسعة اللون الأزرق.
وبالإضافة إلى ذلك، كانت حلية الأحزمة تُصنع من اليشم أو الذهب أو الفضة أو النحاس لتمييز المراتب بدقة.
نظر بانغ يوكون إلى الشاب وابتسم: "شينغتشانغ، لقد مر شهر منذ وصولك إلى تشينغتشو؛ كيف تجد المكان؟"
هذا الشاب، واسمه تشان شينغتشانغ، كان من العاصمة تشانغآن، وكان بانغ يوكون قد لاحظ موهبته وذكاءه حين كان هناك.
وعندما احتاجت تشينغتشو إلى عدد كبير من أصحاب الكفاءات لملء المناصب الرسمية الشاغرة، كتب بانغ يوكون رسالة إلى تشانغآن، فجاء تشان شينغتشانغ قبل شهر، وعينه بانغ يوكون في منصب سيما (مسؤول إداري متوسط الرتبة) في تشينغتشو.
فكر تشان شينغتشانغ قليلاً ثم قال: "تشينغتشو مختلفة حقاً عن بقية الأماكن، وأمير تشي يختلف أيضاً عن بقية الأمراء."
أراد بانغ يوكون اختبار تفكيره، فسأله: "ما هو وجه الاختلاف بالضبط؟ أخبرني."
أوضح تشان شينغتشانغ: "منذ العصور القديمة، كانت الزراعة دائماً هي أساس الدولة. ورغم أن سموه يهتم بالإنتاج الزراعي، إلا أنه يبدو وكأنه يركز بشكل أكبر على أرباح التجارة. وأرباح التجارة رغم أنها تجلب ثراءً سريعاً، إلا أنها مثل نبات طافٍ بلا جذور؛ فإن اندلعت حرب ونقصت المؤن وانقطعت طرق القوافل، فسيعتمد أهل الإمارة في النهاية على الحبوب والزراعة للبقاء على قيد الحياة."
وتابع بهدوء: "أضف إلى ذلك أن التجار يركضون خلف المكاسب مثلما يتبع البدو العشب والماء؛ فأينما وُجد الربح ذهب التجار، ولا يستقرون في مكان واحد، ويفتقرون إلى الشعور بالمسؤولية تجاه الوطن والناس. بل إن بعضهم يرشو المسؤولين لمصالحه الخاصة فيضر البلاد والعباد. ورغم أن التجار ليسوا قوة ضخمة حالياً ويمكن ضبطهم، إلا أنهم إن زاد نفوذهم كثيراً في المستقبل، فقد يضاهي خطرهم خطر العائلات الإقطاعية."
نظر بانغ يوكون إليه بدهشة وفرح: "أفكارك قريبة جداً مما يراه سمو الأمير!"
تفاجأ تشان شينغتشانغ: "هل قال سموه الكلام نفسه؟"
أومأ بانغ يوكون برأسه: "قال سموه إن الزراعة هي أساس الدولة، والتجارة أساس الثروة، والصناعة أساس القوة؛ ولا يمكن إهمال أيٍّ من هذه الثلاثة. ورغم أن التجار يسعون خلف الربح، فما دامت الدولة تسيطر على القطاعات الحيوية التي تمس أمن البلاد ومعيشة الناس، فلن يتمكنوا من إثارة أي فوضى."
قال تشان شينغتشانغ: "ما دام سموه يملك هذه النظرة البعيدة، فلا داعي للقلق."
ضحك بانغ يوكون بارتياح: "يا شينغتشانغ، قطعتَ آلاف الأميال لتأتي إلى هنا، ثم عينتكُ في منصب سيما فقط؛ ألا ترى في ذلك تقليلاً من شأنك؟"
انحنى تشان شينغتشانغ باحترام: "كيف أشتكي من ذلك؟ كنتُ في السابق جالساً في داري بانتظار فرصة عمل رسمي، والآن لدي وظيفة أخدم بها سمو الأمير، وهذا يكفيني تماماً."
قال بانغ يوكون: "أحسنت؛ فقدرتك على التماسك والهدوء أمام الرفعة أو الضعة هي أحد أسباب تقديري لك. أنا أتولى منصب حاكم تشينغتشو إلى جانب مسؤولياتي الأخرى، ومنصب السيما وُجد لمعاونة الحاكم في تسيير الشؤون الإدارية. وحين يحين الوقت وتثبت قدرتك، سأرشحك لسمو الأمير لتتولى منصب الحاكم بنفسك."
لم تتغير ملامح تشان شينغتشانغ ولم يُظهر أي انفعال، وقال: "إن أصبحتُ حاكماً لتشينغتشو بمجرد تزكية منك، فكم مسؤولاً هنا سيحترمني بصدق؟ أنا أفضل أن أثبت نفسي من خلال عملي وقدراتي فقط."
اتسعت ابتسامة بانغ يوكون: "أعرف طبعك جيداً، لكن حتى أصحاب الكفاءة يحتاجون لمن يفتح لهم الباب. ما رأيك في هذا: لدي مهمة لا أستطيع إنجازها بمفردي الآن، وأنا بطبيعتي لا أحب متابعة قضايا مصادرة الأملاك وملاحقة العائلات؛ لذا سأترك ملف ما تبقى من العائلات النبيلة لتتولاه أنت. وهذه فرصة مناسبة ليطلع سمو الأمير على كفاءتك."
تردد تشان شينغتشانغ: "كبير الأمناء بانغ، هذه مسألة حساسة ومهمة جداً، أنا…"
قاطعه بانغ يوكون بجدية: "لو كانت مسألة بسيطة لما طلبتها منك! اعتبرها جزءاً من واجباتك الرسمية، وعليك إنجازها على أكمل وجه!"
وأمام إصرار بانغ يوكون، لم يجد تشان شينغتشانغ بداً من الموافقة.
وبعد حسم هذا الموضوع، انتقل الاثنان للحديث عن أكاديمية بووين. وكان كلاهما يتوقع إقبال الطلاب والدارسين في المقاطعات الست بكثافة على التسجيل في قسم التاريخ والسياسة.
قال بانغ يوكون بأسف: "من المؤسف أن مقصد سموه لا يُفهم كما يجب؛ أليس الهدف من طلب العلم هو اجتياز الاختبارات الإمبراطورية والوصول إلى النجاح والمناصب؟" كان تفكير بانغ يوكون مثل بقية الدارسين في هذا الشأن.
سكت تشان شينغتشانغ. فمنذ قدومه إلى تشينغتشو، راقب الأوضاع والتقاليد بدقة، ودرس المراسيم والقرارات الغريبة التي أصدرها أمير تشي، ليصل في النهاية إلى استنتاج يصعب تصديقه.
وهو أن أمير تشي لا يرى أن الهدف الوحيد من الدراسة هو أن يصبح المرء مسؤولاً حكومياً. فمنذ القدم، كان تقسيم المراتب يضع الدارسين في القمة، يليهم الفلاحون ثم الحرفيون وأخيراً التجار؛ وكانت خطوة واحدة داخل السلك الرسمي كفيلة برفع الإنسان فوق آلاف البشر.
كما أن أمير تشي بدا وكأنه لا يولي اهتماماً كبيراً لتعاليم الكونفوشيوسية التقليدية، إذ لا يوجد بين أتباعه المقربين عالم كونفوشيوسي واحد.
وكانت أراضي تشي ولو القديمة هي موطن كونفوشيوس نفسه، وكانت عائلة كونغ في تشوفو محترمة ومقدرة عبر الأجيال بين أوساط الدارسين.
ومع ذلك، ورغم كثرة المناصب الشاغرة في المقاطعات الست، لم يُبدِ أمير تشي أي نية لاستدعاء أو تفضيل أحد من عائلة كونغ.
وبدلاً من ذلك، أنشأ أكاديميته الخاصة ليختار بنفسه من يصلح لإدارة شؤون الإقليم، في أسلوب فريد تماماً.
قال تشان شينغتشانغ بابتسامة خفيفة: "طريقة هذا الأمير في التعامل تختلف تماماً عن المألوف؛ فلو كان كغيره من الحكام، لما كان أمير تشي، ولبقيت المقاطعات الست تحت رحمة العائلات الكبيرة حتى اليوم."
تفاجأ بانغ يوكون للحظة، ثم ابتسم باعتراف ضمني.
كان تشان شينغتشانغ محقاً؛ فلو اتبع أمير تشي الطرق القديمة، لما شهدت تشينغتشو هذه التغيرات الكبيرة.
فالظروف تصنع الرجال، ولعل هذا الأمير عبقري يملك أسلوبه الخاص.
وفي تلك اللحظة بالذات، داخل العيادة الطبية، عطس شياو مينغ فجأة وهو يناقش الأساليب الطبية مع الطبيب سون.
مزح الطبيب سون: "يا صاحب السمو، هل هناك من يذكرك بسوء في غيابك؟"
أجاب شياو مينغ: "ربما هو كبير الأمناء بانغ؛ فلسانه حاد دائماً، وكلما رأيته وددتُ لو أتجنبه!"
وكان الطبيب سون يقترب من السبعين من عمره، ويملك خبرة واسعة في معرفة الناس، فقال: "كبير الأمناء بانغ قد يكون حاد الطباع وسريع الغضب أحياناً، لكن أهل المدينة يكنون له احتراماً كبيراً. ومع ذلك، يبدو أن السيما الجديد في دار الحكومة شاب موهوب ولديه كفاءة عالية أيضاً."
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.