الفصل 179
⟢ الفصلُ 179 ⟢
ما إن ألقيتُ كلماتي حتى جاءني اعتراضٌ حادٌّ من كلا الطرفين.
لم يُعجب هذا التكتيكُ الحاكم الصغيرَ ولا الرئيسَ تشا.
لكن لم يكن هناك مفرٌّ من ذلك.
ففي الوضع الحالي، كانت المساحةُ التي يمكننا التحركُ فيها ضيقةً جدًا.
على الرغم من أنني أخرجتُ بوصلة البلوط، إلا أننا لم نكن في وضعٍ يسمحُ لنا بفعلِ أي شيء.
وبختُ الحاكم الصغير قائلًا إن أتباعَهُ بانتظاره، فكيف لا يستطيعُ تحمُّلَ أمرٍ بسيطٍ كهذا؟
وبعد أن أقنعتُ الحاكم الصغير قسرًا، شرحتُ للرئيس تشا مدى فاعلية هذه الخطّة.
كانت الخطةُ تقضي بإخفاء قوة الحاكم لديه مؤقتًا، ثم إظهارها في مكانٍ بعيدٍ عن قاعة المأدبة.
إذا تسربت قوة الحاكم الصغير، فسيحتشد الحكام نحو ذلك الاتجاه، وفي هذه الأثناء، كنتُ أخططُ لتعقب السيد ذو الكتل السوداء.
وحتى لو هرب فور إظهار قوته لوهلة، إلا أنه كان يتوجب عليه مواجهة الحكام.
كانت عمليةً صعبةً، لكنني شعرتُ أن الرئيس تشا قادرٌ على فعلها.
‘تمامًا كما حدث في حادثة الكائن الفضائي ذي العيون.’
نظرتُ إليه بنظرةٍ تحملُ بعض التطلّع.
ثم أدركتُ الأمر فورًا.
أنني في كل مرة كهذه، أنتظرُ ردة فعلٍ شبیهة بالتي في الألعاب من كائنٍ في الواقع.
لكنني اعتقدتُ أن للرئيس تشا ذنبًا في هذا أيضًا.
أليس هو من بدأ يتصرفُ بشكلٍ غريبٍ أولاً؟
“كيف نفعلُ ذلك؟”
بهذه الطريقة تمامًا.
لأنه أظهر موقفًا يوحي بأنه سيلبي كل ما أقوله، وجدتُني أتصرفُ دون وعي كما كنت أتصرفُ في الماضي.
تذكرتُ ذكريات فُديبو وقلتُ:
“كلُّ ما عليك هو أن تتقبلَها.”
كان ذلك يعني ألا يرفض القوة، لكن الرئيس تشا أومأ برأسه دون كلام.
جعلتني إيماءتُهُ التي تحثني على البدء أضيّقُ عينيّ دون أن أشعر.
دون أن يدري ما الذي قد أقدم على فعله…
يبدو وكأن إنعدام ثقته بالبشر لا ينطبق عليّ أنا بالذات.
حدقتُ في الرئيس تشا بهدوء.
لم تكن المقاعد في الشرفة المكونة من مساحةٍ مستقلةٍ ومنفصلةٍ واسعةً جدًا.
ولأن الضوء لم يكن ساطعًا، كانت الظلالُ المنعكسةُ على قناعه الأبيض داكنةً.
مددتُ ذراعي ووضعتُ كفّي على صدر الرئيس تشا.
لامست راحة يدي جسده. وشعرتُ بنبضات قلبه الخافقة أسفل منها بالكامل.
“…….”
راودتني رغبةٌ مفاجئةٌ في إدخال يدي هكذا والقبض على قلبه.
شعرتُ أنه سيكون من الممتع رؤيةُ هذا البشري الوقح وهو يتعذب.
لحسن الحظ، لم تكن الرغبةُ قويةً، لذا استطعتُ تجاهلَها بسهولة.
على الرغم من أن الحاكم الصغير تذمر، إلا أن إنقاذ أتباعه كان أمرًا عاجلاً، فلم يستمر في عناده واستسلم بهدوء.
وسرعان ما بدأتُ بضخ القوة. تدفقت طاقةٌ ذهبيةٌ عبر يدي إلى جسده.
في اللحظة التي لمس فيها الضوءُ جسده، حبس أنفاسه. واستطعت معرفة ذلك من جسده الذي تصلب بتصلّبٍ تام.
لقد كان الرئيس تشا يكبح نفوره حتى تلك اللحظة.
كتم مشاعره تجاه الحاكم الصغير ووجّه اهتمامه نحو مجاراتي.
لكن في اللحظة التي لمسته فيها الطاقة بشكلٍ مباشر، لم يستطع إخفاء ما بداخل نفسه.
وفي الوقت الذي شعرتُ فيه برفضه الشديد، فكرتُ،
لماذا يستمرُّ في رفضي؟
استطعتُ تخمين ما كان يفكر فيه الرئيس تشا.
كان يريد فصل الحاكم الصغير عني.
ما زال غير قادرٍ على تقبلي، وكان يبحث عن طريقةٍ لإبعاد الحاكم الصغير.
حدقتُ في الرئيس تشا القابع وسط الضوء الذهبي المتماوج.
إذا ضخختُ فيه المزيد من قوة الحاكم…
ألن يجد مفرًا من الاعتراف بي؟
“…….”
فجأةً، شعرتُ بنظرةٍ تُصوَّبُ نحوي.
تجمّدتُ فزعةً حين التقت عيناي بتلك النظرة الشاخصة من خلف القناع الأبيض.
واجتاحني شعورٌ بالغربة متأخرًا.
كنتُ أتحكم بقوة الحاكم وكأن الأمر بديهيٌّ تمامًا.
على الرغم من أن دومينيك لم يعلمني هذه الطريقة قط.
كنتُ أفعلُ ذلك بطبيعيةٍ كالغريزة، ولم أدرك الغرابة إلا قبل أن أتسبب في حادثةٍ للرئيس تشا بقليل.
وبينما سارعتُ بتقديم اللوم للحاكم الصغير، بدت ردةُ فعله غريبةً لسببٍ ما.
إذ ثار غاضبًا وسألني لماذا أصبُّ غضبي عليه وحده.
‘وهل أنا من فعل هذا إذن؟’
حذرتُ الحاكم الصغير مرةً أخرى أن يلتزم الهدوء، وسحبتُ القوة بتأنٍّ.
تلاشى الضوءُ الذهبي، وعاد الظلام إلى مقاعد الشرفة.
خفض الرئيس تشا نظره لبرهةٍ متبعًا يدي المبتعدة، ثم نظر إليّ.
“ماذا هناك.”
حثني صوته الآلي متظاهرًا بعدم الاكتراث.
“لِمَ لا تواصل؟”
أجبتُ ببطءٍ قليل:
“…لقد انتهيت.”
رؤيته يتقبل قوتي بأسلوبٍ مطيعٍ جعلتني أفكّر أن مضايقته قليلاً قد تجعله مطاعًا… صحيح أنه لن يصبح كذلك، لكنني أضفتُ عذرًا واهيًا على أي حال:
“أنا بخير، وما زلتُ بكامل قواي العقلية.”
وبدلاً من الجواب، عادت إليّ ضحكةٌ ساخرةٌ قصيرة.
مسح الرئيس تشا على مقبض داي إيل يوراي كعادته.
وعلى الفور اختفت هيئته؛ لقد رفع مستوى خفض الإدراك إلى 100%.
قال لي الشخصُ الذي لم يعد مرئيًا:
“أنتَ تبذل جهدًا كبيرًا، يا هان غو يو.”
لم أعرف بماذا أجيبُ على تلك الكلمات التي أُلقيت بعفوية.
ولأنني لم أكن أدركُ أين يوجدُ بالتحديد، رفعتُ رأسي أنظرُ نحو الفضاءِ الفارغِ بحيرة، حينها فُتحَ بابُ مقاعدِ الشرفةِ ثم أُغلق.
لقد خرجَ الرئيسُ تشا إلى الخارج.
وبعد أن بقيتُ وحدي، نظرتُ بأسفلَ نحو قاعةِ المأدبة.
كانت لا تزالُ مليئةً بوسائط الإعلام التابعة الحاكم الصغير. وفي أثناءِ تلك الفيديوهات، كانت صورتي تتداخلُ بين الحينِ والآخر.
وكأنما يثبتُ أنه كان يراقبني منذ زمنٍ طويلٍ جدًا، كان هناك فيديو قديمٌ يظهرُ فيه وأنا أرتدي زيَّ اللاعبين يُعرضُ أيضًا.
كنتُ هناك، في الماضي، أركزُ على اللعبةِ بملامحَ خاليةٍ من التعابير.
وبعد أن فزتُ في المباراة، خلعتُ سماعةَ الرأسِ وابتسمتُ بثقة.
ربما بسببِ إضاءةِ الملعب، بدا مظهري وكأنه يتألقُ لوهلة.
حولتُ نظري بهدوء نحو فيديو آخر.
قضيتُ بعضَ الوقتِ وأنا أشاهدُ الفيديوهاتِ التي تعرض الحاكم الصغير.
لم تكن سوى بضعِ دقائقَ فقط، لكن بسببِ التوتر، شعرتُ وكأنها أطولُ من ذلك بكثير.
انتظرتُ وأنا أنظرُ نحو الاتجاهِ الذي يُرجحُ أن الرئيسَ تشا قد اتجهَ إليه.
وعندما انقضى الوقتُ المحددُ بالظبط، أظهرتُ القوةَ التي أودعتُها لدى الرئيسِ تشا.
وفي مكانٍ بعيد، أشرقتْ طاقتُي لوهلة.
كـيـيـيـيـك!
في تلك اللحظة، صدرَ ضجيجٌ حادٌّ من الكمانِ السيبرانيِّ الذي كان يعزفُ السيمفونية.
وأعقبَ ذلك انقطاعُ الصوتِ في قاعةِ المأدبةِ بأكملها.
كلُّ الضيوفِ الذين كانوا يرتدون ملابسَ فاخرةً ويتصرفون بأناقةٍ توقفوا عن الحركةِ في وقتٍ واحد.
حتى الأيدي التي كانت تميلُ الكؤوس، والأحاديثُ التي كانت تدورُ بهدوء، كلها توقفت.
أدارَ الجميعُ رؤوسَهم نحو الاتجاهِ نفسه.
صمتٌ تامٌّ يكتمُ الأنفاس.
وحينها رأيتُ.
تمددَ الزمن، وسال المكان متساقطًا.
انسلخت القشرة التي كان الضيوفُ يرتدونها كغلافِ هدايا جميل.
وكانت الأشياءُ التي ظهرتْ ذاتَ أشكالٍ لا يمكنُ للعقلِ البشريِّ حتى الجرأةُ على شرحها.
اهتزّ قناعُ السيدِ الوقور، وتشقق جلد الوجهِ المخفي تحته طوليًا وعرضيًا.
وانفتح المريءُ الذي غُرستْ فيها أنيابٌ ملتويةٌ على طبقاتٍ متعددةٍ كما تفتحُ الزهرةُ المتفتحة.
أغشيةٌ مخاطيةٌ تنفثُ مخاطًا مائلاً للزرقة، وجلدٌ يغلي بأسودادٍ تنبعثُ منه رائحة الكبريت، وعشراتُ الأرجلِ ذاتِ المفاصلِ المغطاة بقشورٍ، وأجنحةٌ ملتويّةٌ بزوايا مستحيلة، وظلامٌ يتلاطم بعنف، وأحداقُ عيون لا تُحصى!
عيون! عيون! عيون! عيون! عيون! عيون! عيون! عيون! عيون! عيون! عيون! عيون! عيون!
صوّبت أحداقٌ لا تُحصى نظراتها الجشعة نحو المكان ذاته…
أيًّا كان من يقع تحت تلك النظرات الساحقة، لكان قد أنسحق وهُشّم تمامًا. دون أن يترك أثرًا لجسده، ودون أن يدرك حتى حقيقة أنه قد مُحي من العالم.
وفجأةً، استمرَّ عزفُ الكمانِ مجددًا.
وعادتِ المساحةُ التي سالتْ إلى مكانها، وتلاشتْ الحقيقةُ الكابوسيةُ كالسراب.
وعادتْ قاعةُ المأدبةِ إلى مظهرها السابقِ وكأن شيئًا لم يكن.
ارتدى الضيوفُ غلافَهم النبيلَ مرةً أخرى.
لكنَّ نشوةً لا يمكنُ إخفاؤها حتى بالأقنعةِ كانت تغطي قاعةَ المأدبة.
تحركوا بحركاتٍ مشوهة وغريبة.
وكأنهم نسوا الشكلَ الذي كانت عليه أجسادُهم الخارجيّة، فكانت خطواتُهم تنثني فيها المفاصلُ بالعكسِ وتتداخلُ فيها اتساعاتُ الخطوات.
كان مشهدُ وهم يندفعون متداخلين نحو المكانِ الذي أشرقتْ فيه قوةُ الحاكم الصغير غير واقعي على الإطلاق.
فيما كنتُ أراقب المشهد بذهول، استعدتُ وعيي فجأةً وكأنني تلقيتُ صفعةً من ماءٍ بارد.
كان قلبي ينبضُ بسرعةٍ شديدة. ضغطتُ على صدري بيدي وابتلعتُ ريقي الجاف.
‘سيسيليا….’
وحينها فهمت.
ما الذي حدثَ عندما حاولتُ صعودَ البرجِ مع سيسيليا في اللعبة.
أثناءَ لعبي لـ <مدينة الإطار>، صنعتُ لنفسي اسمًا كأشهرِ صحفي ميداني بعدما كنتُ مجرد صحفي حر ( سترينغر ) في قاع الأحياء الفقيرة.
وبعد أن وثقتُ بأنه لم يتبقَّ سوى النهايةِ الحقيقية، أعلنتُ أن تغطيتي الأخيرةَ ستكون بالدخولِ إلى داخلِ البرج.
خافتْ سيسيليا، لكنها لم تستطعْ التخلي عن رغبتها في أن تكون أولَ من يغطي البرج صحفيًا.
وفي النهاية، اتجهتْ معي نحو البرج.
وعندما وصلنا إلى هناك.
كيففعلتُذلك؟آه!منفتحَالباب؟من؟من؟منكان؟من؟منفتحَليالباب؟لماذاجعلنيأنظرُإلىالداخل؟لماذا؟لماذا؟لماذا؟لماذا؟لماذا؟لماذا؟لماذا؟
لم نضعْ قدمًا واحدةً في الداخل.
بمجردِ أن نظرتْ سيسيليا إلى داخلِ البرج، ذابت.
بالمعنى الحرفي، لم تستطعْ الحفاظَ على شكلها وسالت، ولم أستطعْ سوى سحبِ مقلةِ عينِ سيسيليا المتبقيةِ والهرب.
كانت هزيمةً نكراء.
وبعد أن نجوتُ بصعوبة، كرستُ كلَّ ثروتي التي جمعتُها من عملي كـ سترينغر لشراءِ حزمةِ تجديدِ الجسد.
في مدينة الإطار، طالما بقيتْ العينُ أو القلب، يمكنُ إحياءُ الميت.
لكنَّ ذلك التصرفَ لم يكن مسموحًا به للطبقةِ العاملة.
لم أُسجنْ ولم أُعدم، لكن كان عليَّ دفعُ الثمن.
وعندما عادتْ سيسيليا للحياة، بكتْ بمجردِ أن رأتني.
【”لماذا فعلتَ ذلك! لماذا…!”】
لأن مستواي العمالي الذي رفعته إلى المستوى S قد هبطَ إلى المستوى F.
وكان المستوى F يعني أنني نفاياتٌ فاشلةٌ في هايبر إيـدن.
كان هذا مستوًى لا يمكنُ فيه ممارسةُ أيِّ نشاطٍ داخلَ المدينة، وكان يُفترضُ أن يُنظرَ إلى الأمرِ على أنه لم يتبقَّ سوى طردي إلى الضواحي المنسية لتلقى حتفك هناك كبقايا قمامةٍ لا قيمة لها.
تدبرتْ سيسيليا بشدةٍ سفينةَ نقلٍ وأرسلتني إلى كوكبٍ آخر.
أما السترينغر الذي فشل في تغطيته الأخيرة، فقد غادر هايبر إيـدن وهو يتعهدُ بأنه سيكشفُ حقيقةَ البرجِ يومًا ما.
وتنتهي اللعبةُ بمشهدٍ أخيرةٍ يُظهرُ مشاهدةَ منظرِ المدينةِ الليلةِ الساحرِ من داخلِ سفينةِ النقل.
كانت هذه هي النهايةُ الحقيقيةُ لـ سيوف.
في ذلك الوقت، ظننتُ أن الأمرَ حدثَ فقط لأننا دخلنا منطقةً محظورة.
وآمنتُ أنه لو صدرتْ سيوف 2، فسنتمكنُ حينها من الدخولِ إلى داخلِ البرجِ برفقةِ سيسيليا.
لكنني الآن أظنُّ أنني فهمت.
لا بد أن سيسيليا قد واجهتْ حاكمًا في البرج.
‘ربما رأتِ السيد ذو الكتل السوداء.’
ولهذا السببِ ذابت.
تحسستُ محيطَ عينَيَّ بيدي.
إن اللحظةَ التي كشفَ فيها الحكام عن جوهرِهم لم تتجاوزْ جزءًا من الثانية.
ورغم أنها كانت مدةً كافيةً جدًا للذوبان، إلا أنني صمدتُ ونجوت.
لم يكن السببُ فقط لأن الحكام الصغيرَ كان يمتزجُ بي.
بل يبدو أنني استطعتُ حمايةَ نفسي لأنني رأيتُ دومينيك يتحولُ إلى هيئاتٍ غيرِ بشريةٍ لمراتٍ عديدة.
تفقدتُ قاعةَ المأدبةِ التي غادرها الحكام.
كانوا الخدم الذين ذابوا يظهرون هنا وهناك على الأرضِ كأنهم قاذورات.
حتى بعضُ الضيوفِ الذين لم يكونوا حكام كانوا قد استحالوا إلى بركٍ جارية.
ومن تلك المادةِ الهلامية، كانت الأخطاء البرمجيةُ تومضُ بصوتِ طقطقةٍ كبياناتٍ معطوبة.
وعلى عكسِ الخدم الذين ذابوا دون أن يتبقى منهم أثرٌ لشكلهم، كان الضيوفُ قد احتفظوا بأجزاءٍ من أجسادِهم على الأقل.
دخل أندرويد الأمنِ وخدم آخرون إلى قاعةِ المأدبةِ الفارغةِ لتنظيفِ المكان.
قاموا بمعالجةِ الخدم الذائبين بشكلٍ عابرٍ ورميهم كنفايات، بينما احتفظوا بأحداقِ عيونِ أولئك الذين كانوا ضيوفًا.
ربما كان الضيوفُ سيعودون للحياةِ باستخدامِ حزمةِ تجديدِ الجسدِ في هايبر إيدن.
تفقدتُ قاعةَ المأدبةِ عدةَ مرات، لكنني لم أَرَّ أحدًا يُعتقدُ أنه أحد النقيبين أو سيسيليا.
لحسنِ الحظ، يبدو أنهم لم يكونوا في قاعةِ المأدبة.
وفي حين شعرتُ بالارتياح، انتابني القلقُ على الرئيسِ تشا.
مع أنني أعلمُ أنه سيتدبرُ أمره جيدًا بنفسه، إلا أن الشكوكَ والتوجسَ كانا يسيطران عليَّ حتمًا.
ولكن حتى لو ذهبتُ للبحثِ عن الرئيسِ تشا الآن، فاستحالُ الأمرُ إلا إلى موتِ كلينا.
كان عليَّ تعقبُ السيد ذو الكتل السوداء كما تقضي الخطةُ الأصلية.
في تلك اللحظة، صدر اهتزازٌ خفيفٌ من البوصلةِ البلوطِية القابعةِ في يدي.
“…..!”
كانت الإبرةُ تدور.
توقفتِ الإبرةُ فجأةً بعد أن كانت تدورُ بدورا جنوني.
وعلى الفور، حاولتُ الاتجاهَ نحو المسارِ الذي تشيرُ إليه البوصلةُ البلوطية.
غير أنني بمجردِ أن فتحتُ بابَ مقاعدِ الشرفة، رأيتُ الفضائيَّ ذي العيونِ يجوبُ الطابقَ الثاني.
وعلى عكسِ الفضائيين الآخرين الذين اندفعوا نحو الرئيسِ تشا، كان الفضائيُّ ذو العيونِ يتجولُ هنا بمفرده.
ومن بين العيونِ الستِ المطبوعةِ على قناعه، كانت ثلاثٌ منها تنظرُ نحو الاتجاهِ الذي يُفترضُ وجودُ الرئيسِ تشا فيه.
بدأ الفضائيُّ ذو العيونِ يفتحُ أبوابَ مقاعدِ الشرفةِ واحدًا تلو الآخر. وسرعان ما سيصلُ إلى المكانِ الذي أتواجدُ فيه.
كان عليَّ تعقبُ السيد ذو الكتل السوداء بأقصى سرعةٍ لإيجادِ تابعي….
علاوةً على ذلك، كان كائنًا مزعجًا حقًا.
أصرَّ الحاكم الصغيرُ على ضرورةِ إعطاءِ هذا الوغد درسًا قاسيًا، لكنني رفضتُ طلبه.
لو استخدمتُ القوةَ بصخبٍ هنا، لسحبتُ الانتباهَ فورًا، وكأنني ألقي بنفسي في الفخِّ بيدي.
وبدلاً من ذلك، قررتُ استخدامَ الممرِّ السريِّ لمقاعدِ الشرفة.
لقد كان مجرى لرمي النفاياتِ، لكن لم يعد يُستخدمُ حاليًا.
وما إن أزحتُ اللوح المعدني المدمج أسفل لوح جهاز التحكم في زاوية المكان، ظهر ممرٌّ يتسعُ لزحفِ شخصٍ واحدٍ بشدة.
حشرتُ جسدي داخل المجرى. وما إن أغلقتُ اللوحَ المعدني، حتى فُتحَ بابُ مقاعدِ الشرفة.
توقفتُ عن الزحفِ داخلِ المجرى وثبتُّ في مكاني دون حراك.
طَق، طَق، طَق….
كانت أصواتُ الخطواتِ القادمةِ نحو الداخلِ ثقيلة.
طَق، اهتزَّ ما فوق رأسي تمامًا اهتزازًا خفيفًا. لقد وطئت قدمُهُ اللوحَ المعدنيَّ بالتحديد.
كتمتُ حتى أنفاسي.
وقفَ الفضائيُّ ذو العيونِ هناك ساكنًا لبعض الوقت.
وفيمَا كان يقفُ لبرهةٍ وكأنه يقدّرُ المكانَ الذي أتواجدُ فيه، تسربَ ضوءٌ ذو لونٍ مقززٍ عبر الفجوةِ في اللوحِ المعدني.
وعندما لامسَ الضوءُ خدي، انتفض الحاكم الصغير، لكنني كبحته بقوة.
وبينما كنتُ أنتظرُ دون إبداءِ أيِّ ردةِ فعل، وردَ صوتُ ضجيجٍ من ناحيةِ قاعةِ المأدبة.
استجابَ الفضائيُّ ذو العيونِ للصوتِ واستدارَ مغادرًا.
ولم أبدأ بالزحفِ داخل المجرى إلا بعد أن سمعتُ خطواتِهِ وهي تتجهُ نحو قاعةِ المأدبة.
كان المجرى الضيقُ والمكتومُ يحتوي على بقايا نفاياتٍ قديمةٍ متناثرةٍ هنا وهناك.
وكان معظمُها يبدو كقطعِ غيارٍ لأندرويد.
واصلتُ الزحفَ رويدًا رويدًا وأنا أتحققُ من اتجاهِ البوصلة.
وبعد أن تقدمتُ لبعضِ الوقتِ وأنا محشور داخل المجرى، أصغيتُ السمعَ لما حولي.
وعندما تأكدتُ من عدمِ وجودِ أحد، خرجتُ من المجرى.
دفعتُ اللوحَ المعدنيَّ وصعدتُ، فإذا بمكانٍ أراه لأولِ مرةٍ يمتدُّ أمام عينَيَّ بدلاً من مقاعدِ الشرفة.
〈غرفة التحكم〉
كانت البوصلةُ البلوطِية تشيرُ بالضبطِ نحو غرفةِ التحكم.
‘أبالفعل يوجدُ السيد ذو الكتل السوداء هنا؟’
كنتُ أظنُّ أنه سيكون مع دومينيك في منطقةِ كبارِ الشخصيات.
وضعتُ يدي على بابِ غرفةِ التحكم. وعندها ظهرتْ نافذةُ النظام.
【الرجاء إدخال كلمة المرور!】
【■■ ■■■
تلميح: مالك هايبر إيدن.】
يبدو أن كلمةَ المرورِ لغرفةِ التحكمِ هي اسمُ السيد ذو الكتل السوداء.
حدقتُ بنظرةٍ ثاقبةٍ في نافذةِ النظام.
رغم أنني شعرتُ أنها ستكون إجابةً خاطئة، إلا أنني نطقْتُ بالاسمِ الذي أعرفه أولاً.
“ماد ميسيا؟”
بيـبيب، ظهرتْ نافذةُ النظامِ مع صوتِ تنبيه.
【إجابة خاطئة. (الفرص المتبقية: 1)】
ماذا، لم تتبقَّ سوى فرصةٍ واحدة؟
أليس من المفترضِ في العادةِ إعطاءُ 3 فرصٍ على الأقل؟
ارتبكتُ أمام الإشعارِ الذي أعلنَ فجأةً عن الفرصةِ الأخيرة، وسارعتُ بالتفكيرِ والتحليل.
كان السيد ذو الكتل السوداء يعلمُ أنني أحاولُ إجراءَ تغطية صحفيةٍ معه.
وربما كان ذلك يعني أنه لن يسمحَ لي بالاقترابِ منه إلا إذا اكتشفتُ اسمه على الأقل.
غرقتُ في التفكير.
مدينةُ الإعلام المثيرةِ هايبر إيدن. ومالكُها السيد ذو الكتل السوداء.
وطريقة التهجئةُ الغريبةُ لـ Mad Messia.
لا بد من وجودِ سببٍ واضحٍ لحذف حرفِ h الأخير.
أثناء إقامتي في هايبر إيدن، عرفتُ المزيدَ عنه وفهمتُ الأمر.
وفي اللحظةِ التي التقطتُ فيها الأفكارَ العائمةَ وجمعتُها معًا.
أُعيدَ تركيبُ تهجئةِ Mad Messia في رأسي.
ونطقتُ باسمِ السيد ذو الكتل السوداء وكأنني مأخوذ بسحر فريب:
“ماس ميديا (Mass media).”
وانطلقتْ معزوفةُ انتصارٍ صاخبةٍ بينما ظهرتْ نافذةُ النظام.
【إجابة صحيحة! ماد ميسايا وفي الوقت نفسه مـااااس ميديا!
هذا هو بالضبط سيد هايبر إيدن!!!】
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.