الفصل 172
⟢ الفصلُ 172 ⟢
ارتفعت المحادثةُ بسرعةٍ كبيرةٍ جعلتْ قراءتَها أمرًا صعبًا.
راقبَ الحاكم الصغيرُ الشاشةَ في صمتٍ والابتسامةُ تعلو وجهَه.
وفي وسطِ تعالي الصيحاتِ والجميعُ يتسابقون ليكونوا رعاته، لم يقل الحاكم الصغيرُ أيَّ شيءٍ.
بدأ المشاهدونَ يتشاجرون فيما بينهم، ثم انتهى بهم المطافُ إلى وضعِ قواعدَ.
كان تطبيقُ إم تيوب يدعمُ ميزةَ التبرعاتِ التي تُتيحُ إرسالَ أموالِ الدعمِ إلى صانعي المحتوى إم تيوبر الذين يُجرون البثَّ.
وكانت الفكرةُ أن الشخصَ الذي يُرسلُ أكبرَ قدرٍ من شظايا النجومِ عبرَ التبرعاتِ يُصبحُ الراعي الرسميَّ.
راقبَ الحاكم الصغيرُ المتشاجرينَ في نافذةِ المحادثةِ وكأن الأمرَ يروقُ له.
استمتعَ بمشاهدةِ أولئك الذين يُحاولون جاهلين الوصولَ إليه، لكنه توقفَ فجأةً وتيبّسَ في مكانه.
“…آه.”
أطلقَ الحاكم الصغيرُ أنينًا قصيرًا، ثم بدأ يتحدثُ بنبرةٍ أكثرَ هدوءًا واستقرارًا.
“قبلَ قليلٍ… كانت تلك تحيةً بمناسبةِ بدءِ البثِّ.”
بدتْ عليه ملامحُ وسلوكياتٌ مختلفةٌ تمامًا عما قبلُ، وكأنه أصبحَ حاكمًا آخرَ.
وعلى غيرِ العادةِ في بثِّه الأولِ، واصلَ الحاكم الصغيرُ كلامَه بهدوءٍ وثباتٍ.
“بدايةً، أودُّ أن أشكرَكم على حضورِكم لمشاهدةِ البثِّ. وكما قلتُ سابقًا، أنا أبحثُ عن شخصٍ يعقدُ معي عقدَ رعايةٍ رسميًّا.”
ارتفعتْ جملٌ وعباراتٌ شتى في نافذةِ المحادثةِ.
كانت تلك لحظةً صبَّ فيها جمعٌ غفيرٌ من الناسِ اهتمامَهم نحو شخصٍ واحدٍ في وقتٍ واحدٍ.
ورغمَ أن الأمرَ كان يدعو للارتباكِ، إلا أن الحاكم الصغيرَ قرأ المحادثاتِ واحدةً تلو الأخرى وأجابَ عليها.
“لا أنوي فتحَ بابِ التبرعاتِ بعدُ. فبثُّ اليومِ مجردُ بثٍّ مؤقتٍ أيضًا. وأيضًا….”
منذُ بدايةِ البثِّ، كان هناك العديدُ من الأشخاصِ الذين يملأونَ الشاشةَ باستمرارٍ بعباراتٍ تدّعي أن عينيه الذهبيتينِ مجردُ خدعةٍ وتزييفٍ.
“هناك من يقولُ إنني مزيفٌ.”
توقفَ الحاكم الصغيرُ عن الكلامِ لبرهةٍ. ومرةً أخرى، انقلبت الأجواءُ بحدةٍ.
وبينما كان يحدّق في الشاشة بهدوء بنظراتٍ هادئةٍ، اقتربَ فجأةً من الكاميرا.
انخفضتْ سرعةُ المحادثةِ لبرهةٍ حينَ امتلأت الشاشةُ بعينيه الذهبيتينِ.
أمالَ الحاكم الصغيرُ رأسَه يمينًا وشمالاً وتمتمَ بمفرده.
“هل تتضحُ الرؤيةُ أفضلَ هكذا؟”
مسحَ على غُرَّتِه بيده ليُزيحَ الشعرَ، وعرضَ عينيه الذهبيتينِ من زوايا متعددةٍ لتكونا واضحتينِ جليًّا.
رفعَ طرفَ شفتيهِ بزاويةٍ مائلةٍ وسألَ:
“هل أَبدو مزيفًا حتى بعدَ هذا؟”
أولئك الذين كانوا يثيرون الضجةَ ويدّعون أنه مزيفٌ سكتوا تمامًا.
سحبَ الحاكم الصغيرُ وجهَه إلى الخلفِ. ثم مسحَ وجهَه بيده فجأةً.
وبعد تلك الحركةِ التي بدت مشوبة بقليل من الإرهاقِ، تبعتْها أسلوبُ حديثٍ محايدٌ وهادئٌ.
“…كما رأيتم، أنا حقيقيٌ. وإذا كنتم تعتقدون أنني مزيفٌ حتى بعدَ هذا، فلا حيلةَ لي في ذلك.”
واصَلَ الحاكم الصغيرُ قراءةَ بعضِ الرسائلِ في المحادثةِ بعدَ ذلك أيضًا.
“إحداثياتُ الكوكبِ الذي أقيم فيه؟ إنها سرٌ. هديّةٌ عبارةٌ عن مجرةٍ؟ إذن قُدّموها فورًا…، همم، لا، ليس كذلك. لقد زلَّ لساني قبلَ قليلٍ. سأكتفي بمشاعرِكم الطيبةِ.”
“يسألُ الكثيرون عن سببِ حبّي الشديدِ للتابعينَ، أليسَ الغريبُ هو أن أكرهَهم؟ لا تطمعوا جميعُكم في أتباعي! لا، سأكونُ شاكرًا إن لم تطمعوا فيهم. أنا لم أعتبرْهم ألعابًا قط.”
كانت المحادثاتُ ترتفعُ بسرعةٍ يصعبُ متابعتها بالعينِ، لكن الحاكم الصغيرَ انتقى بدقةٍ الأسئلةَ التي تهمُّ المشاهدينَ وأجابَ عليها.
بدا التعاملُ مع المشاهدينَ أمرًا مألوفًا للغايةِ بالنسبةِ له.
ومنذُ لحظةٍ معينةٍ، أصبحتْ نافذةُ المحادثةِ تتحركُ وفقًا لكلماتِ الحاكم الصغيرِ.
في تلك اللحظةِ، اتجهت نظراتُ الحاكم الصغيرِ إلى خارجِ الشاشةِ.
وكأن شخصًا ما كان معه، تبادلَ التواصلَ بالإيماءاتِ والأعينِ، ثم أعلنَ عن نهايةِ البثِّ.
“سأنتهي عندَ هذا الحدِّ اليومَ.”
انهالتْ الكلماتُ والأسئلةُ التي تسألُ عن عقدِ الرعايةِ في نافذةِ المحادثةِ.
تصفحَ الحاكم الصغيرُ نافذةَ المحادثةِ وواصلَ كلامَه:
“سأتحدثُ عن عقدِ الرعايةِ بالتفصيلِ في البثِّ القادمِ. لأنني أردتُ اليومَ فقط التأكدَ مما إذا كان هناك من يرغبُ في أن يكونَ الراعي لي. لذا….”
توقفَ الحاكم الصغيرُ لبرهةٍ، ثم ابتسمَ ابتسامة عريضة.
“يرجى الحضورُ لمشاهدةِ البثِّ القادمِ أيضًا.”
ومع تلك الكلماتِ، تحولت الشاشةُ إلى اللونِ الأسودِ.
* * *
تحققتُ من إنهاءِ البثِّ وزفرتُ نَفَسًا خفيفًا.
كان الأمرُ مربكًا بسببِ ظهورِ الحاكم الصغيرِ بينَ الحينِ والآخرِ، لكن بدا أن الأمورَ سارت على ما يرامَ بطريقةٍ ما.
ولسببٍ ما، شعرتُ أن المشاهدينَ أُعجبوا أكثرَ بتصرفاتي المضطربةِ والعشوائيةِ.
سألتني مو هاي إن التي كانت تراقبُ بجانبي بعيونٍ متفاجئةٍ:
“هل قمتَ بإجراءِ بثٍّ من قبلُ؟”
أجبتُها بشيءٍ من الخجلِ وهي تقولُ إنني بدوتُ ماهرًا ومتمكنًا للغايةِ:
“في الماضي، عندما كنتُ أمارسُ حياتي كلاعبٍ، جربتُ البثَّ لفترةٍ قصيرةٍ.”
كانت هناك بندٌ في عقدِ اللاعبينَ يتضمنُ إجراءَ بثٍّ شخصيٍّ لعدةِ ساعاتٍ شهريًا على الأقلِ.
ورغمَ أنه كان عملًا إجباريًا يتوجبُ عليّ فعلُه، إلا أنني استمتعتُ بالبثِّ إلى حدٍ كبيرٍ.
لقد كان وقتًا للتواصلِ مع المعجبينَ أثناءَ لعبِ العديدِ من الألعابِ.
على الرغمِ من وجودِ بعضِ الأشخاصِ الذين كانوا يتحدثونَ بأشياءَ غريبةٍ، إلا أن الكلماتِ الطيبةَ التي كان يُوجهُها لي المعجبونَ كانت أكثرَ قيمةً وأهميةً بكثيرٍ.
وحتى من غيرِ معجبيّ، كان هناك الكثيرُ ممن يأتونَ لمشاهدةِ شروحاتِ الألعابِ والاستراتيجياتِ، لذا كان عددُ المشاهدينَ في بثي دائمًا كبيرًا إلى حدٍ ما.
وبفضلِ تلك الخبرةِ في ذلك الوقتِ، لم يكن التعاملُ مع الكائناتِ الفضائيةِ صعبًا للغايةِ.
وبدتِ المحادثاتُ مسالمةً وعاديةً إلى حدٍ ما أيضًا. غيرَ أنه كانت هناك محادثةٌ واحدةٌ علقتْ في ذهني.
تذكرتُ محادثةً واحدةً مرتْ خاطفةً أمامَ عيني.
— أطفئِ البثَّ فورًا.
كانت رسالةً بارزةً ومختلفةً عن الجميعِ وسطَ فضائيينَ لا يفعلونَ شيئًا سوى قولِ ما يحلو لهم فقط.
وحتى الفضائيينَ الذين أرسلوا لي رسائلَ عدائيةً لم يطلبوا مني إطفاءَ البثِّ.
ومع حرصِ الجميعِ وافتتانِهم بالمرغوباتِ والمشاهدِ المثيرةِ، فإن اتخاذَ هذا الشخصِ لمسارٍ مختلفٍ بمفرده جعلني مهتمًا وأفكرُ فيه.
يا ترى أيُّ نوعٍ من الفضائيينَ يكونُ؟
كيفَ يجرؤُ على أَمْري، يا لهُ من فضائيٌ مغرورٌ… بل ليس فضائيًا فقط….
شعرتُ أنه يجبُ عليّ التحققُ مما إذا كان سَيُرْسِلُ محتوى مماثلاً في البثِّ القادمِ أيضًا.
على أيّةِ حالٍ، إن تمكني من إجراءِ هذا البثِّ كان يعودُ الفضلُ فيه كليًا إلى المدير.
‘شكرا لكَ أيها المدير.
تعلمتُ منه على عجلٍ كيفيةَ استخدامِ إم تيوب الخاصِ بـ أكاشا ثم شغلتُ البثَّ.
وبعدَ تعلمِ كيفيةِ إنشاءِ القناةِ فقط، استطعتُ التصرفَ بمفردي بعدَ ذلك، حيثُ كانت بنيتُه مشابهةً جداً لـ إم تيوب الخاصِ بالأرضِ.
وبفضلِ ذلك، استنتجتُ حقيقةً جديدةً.
إن البثَّ الذي شاهدتُه للمُطور في الماضي ربما كان….
‘ربما كان إم تيوب الخاصَ بـ أكاشا.’
إذن، هذا يُفسرُ السببَ الذي جعلَ سامرا لا يُدركُ بثَّ المُنطور بشكلٍ صحيحٍ.
فلو كان الأمرُ قد حدثَ في أكاشا، فمن الطبيعي ألا يترك أي أثرٍ يُذكر على كوكب الأرض.
لكن علاماتِ الاستفهامِ كانت لا تزالُ قائمةً.
[تهانينا! أصبحتْ الأرضُ عضوًا في أكاشا.]
إن نافذةَ النظامِ التي ظهرتْ عندما حققتُ نسبةَ شهرة بلغتْ 10% كانت تعني أن الأرضَ لم تكن تابعةً لـ أكاشا قبلَ ذلك.
ولم يكن بمقدورِ الأرض استخدامُ حضارةِ أكاشا، فكيفَ استطاعَ المُطور استخدامَ إم تيوب الخاصِ بـ أكاشا لإجراءِ البثِّ؟
لم أشعرْ أن المُطور كائنٌ من خارجِ كوكبِ الأرضِ.
فقد أخذَ 666 شخصًا وجعلَهم يلعبونَ اللعبةَ، بل وجعلني حاكمًا للأرضِ أيضًا.
وبينما استغرقتُ في التفكيرِ لبرهةٍ، سألني غواك هان موك وهو يوضبُ الكاميرا:
“لن تعقدَ عقدَ رعايةٍ، أليسَ كذلك؟”
لقد أشرفَ على إعدادِ المعداتِ بينما كان يتابعُ البثَّ برفقةِ مو هاي إن.
“أجل. هذا ما أنوي فعلَه.”
أطلقتُ إعلانًا هامًا مفادُه أنني أبحثُ عن راعي، لكنني في الواقعِ لم أكن أنوي عقدَ أيِّ عقدِ رعايةٍ على الإطلاقِ.
لم أكن شجاعًا بما يكفي لـأفعلَ شيئًا كهذا دونَ إذنٍ من دومينيك.
إذن، لماذا أثرتُ بـما يُسمى بـ’إثارة الجدل’؟
كان عقدُ الرعايةِ بكلمةٍ واحدةٍ مجردَ طُعْمٍ لاستدراجِ السيد ذو الكتل السوداء.
‘لأن هذا أكثرُ ما يرغبُ فيه السيد ذو الكتل السوداء.’
لقد أرادَ منذُ البدايةِ الحصولَ على موقعِ الراعي للحاكم الصغيرِ.
وإذا وصلَ الأمرُ إلى مرحلةِ أنني على وشكِ إبرام عقدِ رعايةٍ مع فضائيٍ آخرَ، فإنه لن يتحملَ وسيظهر على الفور.
‘سيكونُ من الأفضلِ لو اقتربَ فضائيٌ بقوةِ السيد ذو الكتل السوداء نفسه.’
في هذا الكونِ الفسيحِ، لا بدَّ من وجودِ هدفٍ واحدٍ على الأقلِ يُثيرُ حذرَ السيد ذو الكتل السوداء وقلقَه.
وكان من الأفضلِ لو وقعَ دومينيك أيضًا في هذا الطُعْمِ إن أمكنَ، لكن بدا أنه لن يتحركَ بسبب شيء بهذا المستوى.
على أيّةِ حالٍ، لقد ألقيتُ الصنارةَ، ولم يبقَ سوى الانتظارِ.
وبينما كنتُ أحاولُ فيه تخمينَ متى سيردُّ السيد ذو الكتل السوداء.
“آه، وأيضًا أيها النقيبانِ.”
ترددتُ قليلاً قبلَ أن أبدأَ كلامي.
“كلمةُ ألعابٍ… لا تشغلا بالَكما بها. إنهم فضائيونَ، ولذا أظنُ أن مفاهيمَهم مختلفةٌ قليلاً عنا.”
إن استيعابَ أمورٍ مثلِ حاكم وتوابعَ في حدِ ذاتِه أمرٌ صعبٌ، وقد ظهرَ الفضائيونَ فجأةً وبأعدادٍ كبيرةٍ.
ولا بدَّ أن غواك هان موك ومو هاي إت يشعرانِ بالارتباكِ من نواحٍ عديدةٍ.
بل إنهما سمعا بالكاملِ التصريحاتِ التي تُعاملُ التابعينَ على أنهم ألعابٌ.
ولذا حرصتُ على طمأنةِ تابعيّ تمامًا حتى لا يشعرا بالقلقِ.
“سأحميكُما، لذا لا تقلقا، أعني… لا داعيَ لأن تقلقا.”
وبينما كنتُ أشرحُ أنه لا داعيَ لسكانِ الأرضِ لاتباعِ المنطقِ السائدِ لدى الفضائيينَ، وضعَ غواك هان موك يديه على صدرِه وقالَ:
“وهل أنتَ بخيرٍ؟”
“عفوًا؟”
“لقد أصبحتَ في خطرٍ أكبرَ.”
لم أفهمْ فورًا ما الذي يقصدُه بكوني في خطرٍ أكبرَ، ثم أدركتُ الأمرَ متأخرًا.
كان يتحدثُ عن الاهتمامِ الجنونيِّ الموجهِ نحوي.
لقد أخبرتُ النقيبينِ بكلِ شيءٍ عن السيد ذو الكتل السوداء، وبدا أن ذلك جعلَهما يشعرانِ بقلقٍ أكبرَ.
وعندما شرحتُ أن الوضعَ الآنَ أكثرَ أمانًا، قطّبَ غواك هان موك حاجبيهِ وسألَ:
“أليسَ لديكَ شيءٌ آخرُ لتقولَه؟”
“…أجل، ليس لديّ.”
شعرتُ ببعضِ تأنيبِ الضميرِ، لكنني قلتُ إنه لا يوجدُ شيءٌ آخرُ.
لم يكن هناك بدٌ من ذلك.
لقد أخبرتُهما عن المهمةِ الملحميةِ، وتحدثتُ بصراحةٍ عن أمورٍ كثيرةٍ غيرِها.
غيرَ أنه كان هناك شيءٌ واحدٌ لم أستطع القولَ عنه حتى النهايةِ.
إنه دومينيك.
فالتحدثُ عن كارثةٍ لا يمكنُ حلُّها لن يجلبَ سوى المزيدِ من القلقِ والاضطرابِ.
سألتْ مو هاي إن التي كانت تستمعُ إلى الحوارِ في هدوءٍ:
“ذلك الحاكم الموجودُ في البرجِ، يختلفُ كثيرًا عن المتدربِ، أليسَ كذلك؟ طريقةُ تفكيرِه وما إلى ذلك.”
“الفارقُ بينهما كالفارقِ بين أهلِ الأرضِ والفضائيينَ.”
أجابَها غواك هان موك نيابةً عني، وفي تلك اللحظةِ فُتحَ البابُ القديمُ للملجأِ بمُحيطٍ صاخبٍ.
كانت سيسيليا هي التي دخلتْ وهي تُحني رأسَها كي لا تصطدمَ بإطارِ البابِ.
وبمجردِ عودتِها إلى الملجأِ، نظرتْ إليّ أولاً.
ثم نقلتْ بصرَها نحو غواك هان موك ومو هاي إن، قبلَ أن تعودَ لتنظرَ إليّ مجددًا.
“…….”
سادَ الصمتُ.
نظرتُ إليها بعينيّ اللتينِ لا تزالانِ باللونِ الذهبيِّ، وفكرتُ فجأةً.
أنه من لحسنِ الحظِ أنني امتزجتُ مع الحاكم الصغيرِ إلى النصف.
فلو كان الحاكم الصغيرُ هو المسيطر والمستوليَ، لربما كان سيعاملُها بفظاظةٍ وقسوةٍ وهو لا يرى سوى التابعينَ.
بالطبعِ، كان هناك جانبٌ يجعلني أمنحُ الأولويةَ للتابعينَ حتى الآنَ.
فليس هناك مفرٌ من ذلك لأن تابعيّ جميلونَ ولطفاءُ.
ومع ذلك، في هذه الحالةِ، لم أكن منشغل الذهنِ كليًا نحو التابعينَ فحسب، بل كان بإمكاني التفكيرُ في سيسيليا أيضًا.
وبعدَ أن تبادلنا النظراتِ لفترةٍ طويلةٍ، ناديتُ سيسيليا.
“أختي.”
في اللحظةِ التي ناديتُها فيها، ظهرتْ علاماتُ الراحةِ الجليةُ على وجهِ سيسيليا.
وفي تلك اللحظةِ، أدركتُ أن سيسيليا كانت تحملُ القلقَ نفسَه الذي حملتُه.
كانت تخشى أن أنظرَ إليها وكأنها كائنٌ ضئيلٌ لا قيمةَ له بعدَ أن أصبحتُ حاكمًا بالكاملِ.
فتحتُ فمي وتحدثتُ إليها بتمهلٍ:
“سأصعدُ إلى البرجِ.”
“…غونبـام.”
“أنا آسفٌ. لكن يتوجبُ عليّ الصعودُ حتمًا.”
تذكرتُ الوعدَ الذي قطعتُه مع سيسيليا في الماضي.
—”تخلَّ عن البرجِ. ولا تأتِ إلى هايبر إيدن مرةً أخرى.”
كان حلمُ كلِّ سترينغر هو صعودُ البرجِ.
كان الجميعُ يرغبونَ في تغطيةِ ونقلِ أسرارِ هايبر إيدن التي لا يعرفُها أحدٌ، وقد حاولَ العديدُ من الـ سترينغر فعلَ ذلك حقًا.
وكان الأمرُ ذاتُه بالنسبةِ لي.
عندما لعبتُ في اللعبةِ، أردتُ صعودَ البرجِ لـمعرفةِ حقيقةِ المدينةِ.
وقد ساعدتني سيسيليا في ذلك، وقبلَ النهايةِ الحقيقيةِ مباشرةً، وجدتُ طريقةً للتسللِ إلى البرجِ.
لا، بل ظننتُ أنني وجدتُها.
واستُرجِعت في ذهني بوضوحٍ الأحداثُ التي وقعتْ في اللحظةِ التي حاولتُ فيها التسللَ إلى البرجِ.
تذكرتُ تلك الذكرياتِ وقلتُ:
“هذه المرةَ سيكونُ الأمرُ بخيرٍ.”
لأنني سأجعلُ السيد ذو الكتل السوداء، مالكَ البرجِ، يفتحُ البابَ بنفسِه، ولذلك كان من المؤكد أن الأمور ستكون مختلفة هذه المرة.
غيرَ أن سيسيليا لم تتركني وشأني.
“…سنصعدُ معًا.”
قالتْ ذلك وهي تحدق إليّ بعينينِ حادتينِ ولامعتينِ.
“لن أدعَكَ تذهبُ بمفردِك.”
وفي اللحظةِ التي ظننتُ فيها أنني لستُ بمفردي.
“يا أختي الكبرى. لمَ كلُّ هذا القلقِ؟”
وضعَ غواك هان موك ذراعَه حولَ كتفي بصوتِ ارتطامٍ خفيفٍ. ثم نظرَ إلى سيسيليا بمواربةٍ وابتسمَ.
“يوجد هنا شقيقانِ أصغر منكِ.”
كان تصريحه هذا التزامًا مخلصًا بدوره كـ ‘أخ أصغر من دار الأيتام’.
حاولتُ كبح احمرار وجهي من شدة الخجل.
أما الأمرُ المثيرُ للدهشةِ قليلاً فهو أن الذي اقتربَ لم يكن ‘كواك هان موك’ وحده.
بل جاءت مو هاي إن هي الأخرى ووقفتْ إلى جانبي دونَ كلامٍ.
لو كان الأمرُ مجردَ مجاراةٍ للكذبةِ، لما كان هناك داعٍ للتصرفِ بهذه الطريقةِ.
وبينما فكرتُ في أن هذا التصرفَ لا يشبهُ مو هاي إن تمامًا، أطلقتْ سيسيليا ءضحكةً ساخرةً قصيرةً.
وتمتمتْ بتمهلٍ:
“حسنًا، إيها الشقيقانِ الصغيرانِ ….”
وبينما كنتُ أفكرُ لبرهةٍ عما إذا كان اتخاذُ أشقاءِ المأوى كـ تابعينَ أمرًا غريبًا بمقاييسِ الفضائيينَ أم لا، نظرتْ سيسيليا إلى النقيبينِ بتمعنٍ ورفعتْ شفتيها ابتسامًا.
وقالتْ وهي تبتسمُ بعينينِ مضمومتينِ:
“لنصعد جميعًا إلى الأعلى معًا ونرَ.”
ولم أدرك إلا متأخرًا أن ذلك كان بمثابةِ إعلانِ حربٍ.
* * *
وبينما كنتُ أنتظرُ السيد ذو الكتل السوداء كي يفتحَ بابَ البرجِ، كان عليّ إنهاءُ المهماتِ بأسرعِ ما يمكنُ لإغلاقِ المحنة.
ولذا خططتُ لحياةٍ مزدوجةٍ، ‘البثُ كـ حاكم صغيرٍ في النهارِ، والعملُ كـ سترينغر في الليلِ’.
لم تنشرْ دي نيوز إحداثياتِ الأرضِ، كما جرى تعديلُ ومونتاجُ المشاهدِ التي استخدمتُ فيها قوةَ الحاكم في البث المباشرِ.
ولذا لم يبدُ أن قيامي بنشاطِ الـ سترينغر في الليلِ وأنا أرتدي قناعًا سيشكلُ عائقًا.
بل على العكسِ، كنتُ متأكدًا من أن السيد ذو الكتل السوداء سيرغبُ في مشاهدةِ كيفيةِ إنجازي للمهمةِ.
《◆ المهمةُ الرئيسيةُ: تغطيةُ وحشِ المتاجرِ الكبيرةِ.
اعثر عبرَ الخريطة على المتجرِ الكبيرِ في المنطقة الشرقية وتوجّه إليه.
تنبيهٌ! يجب التسلل سرًا بعدَ إغلاقِ المتجرِ.》
المهمةُ السابقةُ الخاصةُ بتصويرِ وحشِ مطعمِ الوجباتِ السريعةِ فشلت بسببِ سحبي إلى صالةِ الألعابِ.
وفقدتُ فرصةَ إجراءِ تغطيةٍ كانت ستكسبني مبلغًا ضخمًا.
ومع ذلك، فإن صوتَ الوحشِ الذي بعتُه لفقرةِ <الأصواتِ المرعبةِ> في الراديو قد جلبَ لي مبلغًا لا بأسَ به، مما منحني بعضَ الأريحيةِ، فاشتريتُ جميعَ معداتِ التصويرِ الأساسيةِ.
لوحةُ الكلاكيتِ، ميكروفونُ الذراعِ، إضاءةٌ واحدةٌ، والكاميرا.
تكفلتُ أنا بالتصويرِ عبرَ الكاميرا، ومو هاي إن بـ لوحةِ الكلاكيتِ، وغواك هان موك بـ ميكروفونِ الذراعِ، و….
تولت سيسيليا الإضاءةَ.
وعلى الرغمِ من محاولاتي المتكررةِ لمنعِها، إلا أن سيسيليا أصرت على المجيءِ لإنجازِ المهمةِ معًا.
ولم يكن أمامي خيارٌ سوى مشاركتِها حالتي التي امتزجتُ فيها مع الحاكم الصغيرِ بالنصفِ، وحذرتُها مسبقًا من أنني قد أقومُ بتصرفاتٍ غريبةٍ بينَ الحينِ والآخرِ.
ورغمَ أنه كانت هناك أوقاتٌ أنفذُ فيها المهماتِ مع سيسيليا داخلَ اللعبةِ، إلا أن هذه كانت المرةَ الأولى التي تتبعني فيها منذُ البدايةِ هكذا.
عبثتُ قليلًا بنصف القناع الأبيض الذي يغطي وجهي بشيء من الحرج، ثم نظرت إلى الأمام.
كان المتجرُ المغلقُ مطفأ الأنوارِ بالكاملِ، غيرَ أن الضوءَ الأزرقَ الخافتَ المنبعثَ من خزانةِ العرضِ المبردةِ كان لا يزال قائمًا.
وقفتُ أمامَ ركنٍ عُرضت فيه أطعمةٌ مصنعةٌ سريعةٌ مثلُ أنابيبِ الجيلاتي لتعويضِ السعراتِ الحراريةِ وكبسولاتِ الكافيين المركزيةِ، حيثُ كان يقفُ النقيبانِ وسيسيليا.
وبفضلِ انضمامِ سيسيليا، أصبحَ الأمرُ مريحًا للغايةِ.
فقد بدأتْ هي بالتحكمِ في ماكينةِ الدفعِ الذاتيِّ المعتمدةِ على الذكاءِ الاصطناعيِّ من الفئةِ الاقتصاديةِ.
الماكينةُ التي كانت على وشكِ إطلاقِ إنذارٍ بعدَ استشعارِها للاقتحامِ الليليِّ أصدرت صوتًا متقطعًا ثم أطلقت عبارةَ الترحيبِ المخصصةِ للزبائنِ.
“أهلاً بكَ أيها الزبونُ من الفئةِ العماليةِ E. عرضُ 2+1 على قوالبِ البروتينِ العاليةِ السعراتِ مستمرٌ. أصابع اللحم المستنبت 100% تخضعُ لخصمِ 50%.”
تختلفُ عباراتُ الترحيبِ التي تُطلقُها ماكينةُ الدفعِ وفقًا للرتبةِ، وكلما ارتفعتْ سمعتكَ كـ سترينغر، ارتفعتْ معها رتبتُكَ العماليةُ.
أما الآنَ، وبما أنني مجردُ سترينغر مبتدئٍ، فقد حُدّدتْ رتبتي العماليةُ بمستوى منخفضٍ.
شغّلتُ الكاميرا، ثم نظرتُ إلى الشاشةِ للتأكدِ منها وقلتُ:
“تابعتي الجميلة. تعالي إلى هنا…، لا، أعني، هاه. النقيبُة مو. يُرجى الوقوفُ هنا أمامَ الكاميرا لمرةٍ واحدةٍ.
تقدمتْ مو هاي إن وهي تحملُ لوحةَ الكلاكيتِ ووقفتْ مكانَها.
وبينما كنتُ أختبرُ وضوحَ الشاشةِ، قالَ غواك هان موك وهو يوجهُ ميكروفونَ الذراعِ ويتثاءبُ:
“يا آلبام. متى سيظهرُ الوحشُ؟”
“أظنُ أن الأمرَ سيستغرقُ نحو ساعةٍ تقريبًا إن بدأنا البحثَ من الآنَ.”
كان إنسانٌ الظلِ يختبئُ بينَ رفوفِ العرضِ في المتجرِ الكبيرِ.
هذا إنسانٌ الظلِ، الذي لم يكن سوى هيئةٍ سوداءَ غُرستْ فيها عينانِ فقط، كان يستدرجُ الأشخاصَ المارينَ بالقربِ من المتجرِ بعدَ إغلاقِه إلى الداخلِ ليقتَلهم.
وكان يُشكلُ معضلةً وكابوسًا لأنه كان يستهدفُ تحديدًا أولئك الذين يحملونَ رتبًا عماليةً عاليةً.
ولأن إحدى الشخصياتِ الشهيرةِ في هايبر إيدن تعرضتْ للهجومِ من قِبلِ إنسانٌ الظلِ في وقتٍ سابقٍ، فقد ارتفعَ مستوى اهتمامِ الرأي العامِ بهذه القضيةِ.
لذا، إن قمتُ بتصويرِه جيدًا وعرضِه للبيعِ، فسيلقى ذلك تفاعلًا هائلًا… بلا شك….
“…إذن كلما زادَ عددُ الوحوشِ، كان ذلك أفضلَ، أليسَ كذلك؟”
“ماذا؟”
انحرفَ ميكروفونُ الذراعِ من يدِ غواك هان موك لبرهةٍ. نظرتُ إليه وضغطتُ على زرِ التسجيلِ في الكاميرا.
“انظروا إلى هنا.”
صوّرتُ أتباعي عبرَ الكاميرا.
وبعد أن التقطت بالفيديو ما كنت أرغبُ في تصويره أكثر من أي شيء آخر، أصدرتُ أمرًا.
“…..!”
وبعدَ أن اقترفتُ ذلك، استرددتُ وعيي ورشدي. غيرَ أن الوقتَ كان قد فاتَ بالفعلِ.
سحبتْ سيسيليا مسدسَ الليزر بسرعةٍ. وألقتْ مو هاي إن لوحةَ الكلاكيتِ جانباً وسحبتْ النصل الهلالي الأسود.
طقطقةٌ، طقطقاتٌ.
دوتْ أصواتُ تشويشٍ، ثم أضاءَ أحدُ المصابيحِ المطفأةِ في السقفِ فجأةً.
ثم توالتْ الأضواءُ في الاشتعالِ بسرعةٍ وصخبٍ، ليضيءَ المكانُ بأكملِه بلحظةٍ.
ومع تذبذبِ الإضاءةِ التي اشتغلتْ بغيرِ انتظامٍ، انكسرتْ الظلالُ الممتدةُ بينَ رفوفِ العرضِ وتشوهتْ.
وعندما كان الضوء يملأ المكانُ، لم يكن هناك شيء في المساحة الخالية، لكن مع كل انطفاء خاطف كانت تمتلئ بشيء ما بكثافة، ثم تختفي، ويتكرر الأمر مرارًا.
توقفَ صوتُ مبردِ الهواءِ الذي كان يعملُ بانتظامٍ، ليحلَّ محلَه صوتٌ أشبهَ باحتكاكِ وأزيزِ الصفائحِ الحديديةِ.
ورافقَ ذلك صوتُ خطواتٍ رطبةٍ وكأنما تُطأُ الأقدامُ العاريةُ على الطينِ.
حفيفٌ، حفيفٌ….
أسفلَ رفوفِ العرضِ، ومن بينِ شقوقِ بلاطِ البولي يوريثانِ، تفجرتْ مادةٌ هلاميةٌ لزجةٌ وداكنةٌ.
ومع صدورِ أصواتِ تشققٍ حادةٍ، اخترقتْ المجساتُ الجدرانَ وانبثقتْ منها، بينما أخذَ شيءٌ يشبهُ الشعرَ اللزجَ ينسكبُ بلا انقطاعٍ من بينِ أنابيبِ السقفِ.
“أَ، أيها، الـز، الـزبونُ، الـصـ، الـصغيرُ! الـع، الـعملُ، الليـ..ـلـي لا، لا، لا يجوزُ، يـ، يا طفلُ، هيا، إلى النومِ!”
كان ذلك في اللحظةِ نفسها التي أطلقتْ فيها ماكينةُ الدفعِ صوتاً آلياً متقطعاً.
دبدبةٌ، دبدبةٌ-!
بدأ المكانُ بأكملِه يَهتزُ ويَرتجُ.
تكسُرٌ!
تهشمتْ نوافذُ المتجرِ الزجاجيةُ بالكاملِ في وقتٍ واحدٍ، وتدفقَت الهيئاتُ السوداءُ من الخارجِ كالأمواجِ العاتيةِ.
لقد استدعى الحاكم الصغيرُ كلَّ وحوشِ هايبر إيدن إلى داخلِ المتجرِ.
وفي مواجهةِ هذا الوضعِ غيرِ المسبوقِ، أجلستُ الجميعَ أولاً إلى أعلى رفوفِ العرضِ.
“أيها النقيبانِ! سأشرحُ لكم الأمرَ لاحقاً! يجبُ أن نصورَ أولاً!!”
ثم رفعتُ الكاميرا وصصرختُ ببديهيةٍ وعجلِ:
“كلُّ هذا عبارةٌ عن أموالٍ!!”
****
“أهلاً بكَ أيها الزبونُ من الفئةِ العماليةِ E. عرضُ 2+1 على قوالبِ البروتينِ العاليةِ السعراتِ مستمرٌ. أصابع اللحم المستنبت 100% تخضعُ لخصمِ 50%.”
يعني اصابع لحم مصنوعة لي المعامل بدون تدخل اي لحم حيواني.
…..
أسفلَ رفوفِ العرضِ، ومن بينِ شقوقِ بلاطِ البولي يوريثانِ، تفجرتْ مادةٌ هلاميةٌ لزجةٌ وداكنةٌ.
البولي يوريثان مادة مطاطية شائعة في تغطية الارضيات
…
لوحة الكلاكيت هي نفسها اللوحة الي يضربها ويقولو اكششنننن
….
اعتقد الي قال ل غونبام اقفل البث هو نفسه الرئيس تشا
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ Snow 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.