الفصل 170
⟢ الفصلُ 170 ⟢
‘ما هذا؟’
نظرتُ بعينينِ متفاجئتينِ إلى الكائنِ الذي أمامي.
الكائنُ الذي يحملُ نفسَ مظهري تمامًا كان الحاكم الصغيرَ.
‘لماذا خرجَ هذا إلى الخارجِ؟’
في اللحظةِ التي التقتْ فيها أعينُنا، أصبحتِ الذكرى الأخيرةُ التي كانت ضبابيةً واضحةً.
لقد استخدمتُ قوّتي للبحثِ عن السيد ذوِ الكتل السوداء.
وفي اللحظةِ التي استوليتُ على جميعِ شاشاتِ هايبر إيدن، كنتُ قد حدّدتُ فيها موقعَ السيد ذوِ الكتل السوداء.
ورغمَ تحقيقي للهدفِ، إلا أنّي ما زلتُ أشعرُ بالنقصِ.
أردتُ استخدامَ المزيدِ من القوةِ.
أردتُ تحويلَ هايبر إيدن بأكملِها إلى منطقتي.
لكنّ جسدي لم يستطعْ التحمّلَ.
وقبلَ أن أتبعَ دافعي، انقطعَ وعيي فجأةً.
وبعدَ ذلك، عندما فتحتُ عينيَّ مجددًا، وجدتُ نفسي في هذا الوضعُ.
بصراحةٍ، لم أستطعْ التفكيرَ إلا في أنّ هذا أشبهُ بحلمٍ سخيف.
وكان ذلك طبيعيًا، إذ إنّ المشهدَ المحيطَ بي من الأساسِ لم يكن طبيعيًا.
كان المكانُ مليئًا بآلاتٍ قديمةٍ لم أرَها في حياتي الواقعيةِ قطّ.
وفي وسطِ ذلك، كانت هناك آلاتٌ حديثةٌ الطرازِ مختلطةً معها، مما زادَ من إرباكي.
وبعدَ أن تفقّدتُ ما حولي، نظرتُ مجددًا إلى الحاكم الصغيرِ.
أمالَ الحاكم الصغيرُ رأسهُ بتساؤلٍ.
بدَا وكأنّي أعرِفُ ما يفكرُ فيهِ الآنَ.
كان الحاكم الصغيرُ يستغربُ من كوني أتفقّدُ ما حولي وأتجاهلُ وجودَهُ أمامي.
كان شعورُه كأنّه يقول، ‘كيف تتشتّتُ وتتركني هكذا؟’.
‘إنه بحقٍ شخصٌ غيرُ متكيف اجتماعيًا.’
كانت طريقةُ تفكيرٍ لا يمكنني مجاراتُها على الإطلاقِ.
وبينما كنتُ أنظرُ إليهِ دونَ أن أستطيعَ قولَ أيِّ شيءٍ، سحبَ الحاكم الصغيرُ معصمي واستحثّني قائلاً:
“هَيّا بنا سريعًا لنقتلَ السيد ذوِ الكتل السوداءَ.”
نظرتُ إلى الحاكم الصغيرِ من جديدٍ.
كانت عيناهُ الذهبيتانِ اللتانِ تحويانِ حدقتينِ حمراوينِ كالدّمِ مليئتينِ بالثقةِ في أنهُ يستطيعُ فعلَ أيِّ شيءٍ يرغبُ فيهِ.
وكأنّهُ يستطيعُ قتلَ السيد ذو الكتل السوداءِ في هذه اللحظةِ بالذاتِ.
وعندما لم أستجبْ، سحبَ معصمي مرارًا وتكرارًا وكأنّهُ مستعجلٌ.
“تابعي سيكونُ بانتظاري.”
كان هذا أمرًا أعرِفُهُ أنا أيضًا.
وكانت رغبتي في استعادةِ من يكرهُ الانتظارَ بأسرعِ وقتٍ ممكنٍ تماثلُ رغبةَ الإلهِ الصغيرِ.
فتحتُ فمي لأوّلِ مرةٍ وقلتُ:
“قبلَ كلِّ شيءٍ، علينا الخروجُ من هنا.”
وقبلَ أن أسألهُ عمّا إذا كان يعرِف طريقَ الخروجِ، جاءَ الجوابُ دونَ ترددٍ:
“أجل. لنخرجْ.”
نظرَ إليَّ الحاكم الصغيرُ. كانت نظراتُه توحي بأنهُ يعتقدُ أنّي أعرِفُ كيفيةَ الخروجِ إلى الخارجِ.
جعلتُ الحاكم الصغيرَ يدرِكُ الواقعَ قائلاً:
“أنا لا أعرِفُ كيفيةَ الخروجِ.”
“لماذا؟”
أقترب الحاكم الصغيرُ بوجهَهُ مباشرةً وقالَ:
“هذا المكانُ هو ما صنعتَهُ أنتَ!”
“….؟”
لم أستطعْ إجراءَ حوارٍ معه لأنهُ لم يقلْ سوى كلامٍ غيرِ مفهومٍ.
وفي الوقتِ الذي شعرتُ فيهِ وكأنّي أتعاملُ مع طفلٍ لم يلتحقْ بالروضةِ بعدُ، بدأَ القلقُ يساورُني تدريجيًا.
شعرتُ أنهُ لا ينبغي إخراجُ هذا الشيءِ إلى الخارجِ، لكنّي لم أكن أعرِفُ كيفيةَ إعادتهِ إلى داخلي مجددًا.
ولأجلِ العثورِ على طريقةٍ للخروجِ أولاً، نظرتُ حولَ المكانِ.
كانت مساحةً تختلطُ فيها آلاتٌ من أزمنةٍ مختلفةٍ.
مرّ جهازُ ألعابٍ محمولٌ مسطّحٌ بجانبي.
التقطتُ جهازَ الألعابِ وحاولتُ تشغيلَهُ.
لكنّ كلمةَ ‘START’ هي فقط ما ظهرتْ، ولم ينتقلْ إلى الشاشةِ التاليةِ.
وبما أنّهُ كان هناك هاتفٌ ذو قرصٍ دوّارٍ قديمٌ جدًا قبالتي، أحضرتُهُ هو الآخرُ.
وضعتُ سماعةَ الهاتفِ العتيقِ ذي الهيكلِ الخشبيّ والإطارِ النحاسيّ على أذني.
ورغمَ أنّي لم أدِرِ القرصَ، إلا أنّ صوتَ الاتصالِ المنتظمَ كان يرنُّ في السماعةِ.
ومع ذلك، لم يأتِ أيَّ ردٍّ في النهايةِ، واستمرَّ صوتُ الاتصالِ بلا نهايةٍ.
حاولتُ تشغيلَ تلفازٍ قديمٍ أيضًا، لكن لم تظهرْ سوى شاشةٍ أبيضَ وأسودَ مشوّشةٍ تتطايَرُ فيها النقاطُ كحبيباتِ الرملِ.
ومهما انتظرتُ، لم يبدأ البثُّ.
يبدو أنّي لن أستطيعَ العثورَ على طريقةٍ للهروبِ باستخدامِ هذه الأشياءِ.
وكنتُ على وشكِ أن أطلبَ من الحاكم الصغيرِ أن يفعلَ شيئًا هو الآخرُ، عندما استنشقَ الحاكم الصغيرُ الهواءَ فجأةً وابتقَدَ عنّي بقفزةٍ.
ثمّ اختبأَ فورًا خلفَ التلفازِ الموضوعِ بالجوارِ.
أحقًا يعتقدُ أنهُ يستطيعُ الاختباءَ هناكَ؟
مع أنّي لا أعرِفُ سببَ تصرفهِ المفاجئِ هذا على أيِّ حالٍ.
وبينما كنتُ أنظرُ إليهِ بذهولٍ، امتدَّ شيءٌ ما من خلفِ ظهري.
في اللحظةِ التي رأيتُ فيها ذلكَ الشيءَ يمرُّ محاذيًا لخدّي، تجمّدتُ في مكاني تمامًا.
هيأةٌ سوداءُ مُرصّعةٌ بعيونٍ لا تُحصى قَبَضَتْ على الحاكم الصغيرِ الهاربِ.
التفّتْ حولَ معصمهِ بإحكامٍ وكأنّها تمسكُ بطفلٍ يثيرُ المتاعبَ.
تجمّدَ الحاكم الصغيرُ في مكانهِ عاجزًا دونَ أن يستطيعَ الصراخَ حتى.
وجاءَ صوتٌ من خلفي:
“غونبام.”
كان صوتًا ذو نبرةٍ منخفضةٍ ورائعةٍ كالعادةِ.
لكنّني… لم أستطعْ الالتفاتَ إلى الخلفِ.
“من الصعبِ في هذا المكانِ اتخاذُ الشكلِ الصغيرِ الذي يحبّهُ غونبام، أو حتى هيأةٍ تحاكي البشرَ.”
العيونُ المُرصّعةُ في ذلكَ الشيءِ الأسودِ الذي قَبَضَ على الحاكم الصغيرِ نظرتْ إليَّ جميعُها في وقتٍ واحدٍ.
انغرزتْ نظراتٌ لا تُحصى فيَّ كالسهام.
“لا داعيَ للخوفِ كثيرًا. إنّ شكلي مختلفٌ قليلًا فحسب.”
استمرَّ الصوتُ الحنونُ الذي أعرِفُهُ في التهدئةِ من روعي وملاطفتي.
أخذتُ أستنشقُ الهواءَ وأخرِجُهُ ببطءٍ شديدٍ دونَ أن أدرِكَ أني كنتُ أحبسُ أنفاسي.
لا بدَّ أنّ وجهي كان قد شَحَبَ تمامًا بالفعلِ.
شعرتُ بالوجودِ غيرِ المحدّدِ الشكلِ يتحرّكُ خلفَ ظهري، لكنّي لم أملكْ الشجاعةَ للالتفاتِ إلى الخلفِ على الإطلاقِ.
من منظورهِ، لم يكن الأمرُ سوى إزالةِ غلافٍ واهٍ واحدٍ.
لكنّ بالنسبةِ لي، كان أمرًا لا يمكنني تحمّلُهُ.
عندما لم أكن أعرِفُ أيَّ شيءٍ، كان بإمكاني النظرُ إليهِ دونَ تفكيرٍ.
فقد كنتُ أعتبرُ ذلكَ مجردَ شكلٍ مقززٍ.
لكنّ الآنَ وقد أصبحتُ أرى أكثرَ مما كنت أراه من قبلُ، صِرتُ خائفًا.
لقد رأيتُ الصراخَ.
كانت صرخاتِ الكائناتِ التي أخذت تتلاشى تدريجيًا تتجسّد أمام عينيّ في هيئة مرئية.
≪< لا! ليستْ صرخاتٍ! بل بهجةُ أولئك الذينَ يحظونَ بشرفِ الاندماجِ مع سيادته!
لم أكن أرغبُ في أن أصبحَ جزءًا منهُ واشاركه الفرحةَ.
وعندما استجمعتُ وعيي بشدةٍ، شعرتُ بشيء يتلوّى ببطءٍ حولَ خصري.
“إذا كان الالتفاتُ إلى الخلفِ يخيفُكِ، فلا بأسَ بتبادلِ الحديثِ هكذا.”
خفَضتُ نظري لأسفلَ وأنا متصلّبٌ.
وعلى عكسِ الصوتِ الذي كان يلاطفُني، فإنّ ذلكَ الشيءَ الملتفَّ حولَ خصري كان يمسكُ بي بإحكامٍ كي لا أتمكّنَ من الهروبِ بعشوائيةٍ.
أصدرَ ذلكَ الشيءُ صوتَ “همم”، مظهرًا عدمَ رضاهُ.
“لا ينبغي أن تفصل بينكما بهذه الطريقةِ يا غونبام. أليستْ هذه الفترةَ التي يجبُ أن تنمي فيها بشكلٍ كاملٍ؟”
حذّرني بصرامةٍ من أنّ هذا الوضعَ الحاليَّ ليس جيدًا.
ومن خلالِ التوبيخِ المتواصلِ، استطعتُ معرفةَ ما حدثَ تقريبًا.
عندما استخدمتُ قوةً كبيرةً لحظيًا، طغتْ عليَّ ذاتُ الحاكم الصغيرِ.
وعندها، وخوفًا من فقدانِ إنسانيتي، فصلتُ الحاكم الصغيرَ عنّي.
لقد كان تصرّفًا حدثَ دونَ وعيٍ منّي.
وبعدَ أن استمعتُ للتوبيخِ في صمتٍ، حرّكتُ شفتَيَّ بصعوبةٍ وسألتُ:
“أين… نحن؟”
وعندَ سؤالي، فكّرَ ذلكَ الشيءُ لبرهةٍ ثمّ أجابَ:
“إنهُ عالمُ غونبام الذهني.”
لم يبدُ تعبيرًا دقيقًا تمامًا، بل كان مجردَ تجميعٍ للكلماتِ التي يمكنني فهمُها.
مدَّ ذلكَ الشيءُ جزءًا من شكِلهِ.
وعندما لمسَ التلفازَ المشوّشَ بخفةٍ، تحوّلتْ الشاشةُ التي كانت تغلي بالضوضاءِ إلى اللونِ الأبيضِ.
وكان هناك حيوانٌ صغيرٌ يركضُ بسرعةٍ داخلَ الشاشةِ.
كان حملًا صغيرًا.
بصوتٍ يحملُ فضولًا واهتمامًا خفيفينِ، قالَ لي:
“داخلُ غونبام يبدو هكذا إذًا.”
بالنسبةِ لي، لم أستطعْ تصديقَ ذلكَ. فلكي يكونَ هذا داخلي، كان مليئًا بأشياءَ لا أعرِفُها جيّدًا حتى.
وبينما كنتُ أنظرُ إلى الحملِ الصغيرِ الذي أخذ يقفز هنا وهناك.
“لا تفعلْ!”
صرخَ الحاكم الصغيرُ الذي كان مبتعدًا، وسُحِبَ بقوةٍ إلى أمامي مباشرةً.
على ما يبدو، فقد حاولَ فكَّ ذلكَ الشيءِ الملتفِّ حولَ معصمهِ والهروبَ، فتمَّ القبضُ عليهِ.
والآن وقد أُصْبِحَ مربوطًا حتى خصرهِ، قالَ لي الحاكم الصغيرُ بوجهٍ كاد البكاء أن يغلبه:
“لنفكَّ هذا… أنا أكرهُ الألمَ….”
عندما أطعمني دومينيك عينَ ■■■، رفضتُ النومَ وعانيتُ من الألمِ كاملاً.
وبسببِ ذلكَ، يبدو أنّ الحاكم الصغيرَ قد خافَ أكثرَ. وكان على وشكِ البكاءِ وهو ينتحبُ.
بما أنهُ وجهي أنا، فقد كان الشعورُ غريبًا بعضَ الشيءِ.
وبينما كنتُ أنظرُ إليهِ بشعورٍ غيرِ واقعيٍ، قامَ ذلكَ الشيءُ بتهدئةِ الحاكم الصغيرِ.
“لا أنوي إيذاءَك.”
“كاذب.”
يبدو أنّ الثقةَ قد هبطتْ إلى القاعِ، فلم تكن لديهِ أيُّ نيةٍ للتصديقِ على الإطلاقِ.
عندها، مدَّ ذلكَ الشيءُ جزءًا منهُ أمامَ عينَي الحاكم الصغيرِ وقالَ:
“إذا لم تبكِ، فسأعطيكَ هديةً.”
“… هدية؟”
“تفضّلْ، سأعطيكَ واحدةً ممّا تريدُ، فاخترْ.”
كان يعني أنهُ سيعطيهِ إحدى العيونِ المغروسة فيهِ.
فكّرتُ في نفسي ما هذا الكلامُ المجنونُ، لكنّ الحاكم الصغيرُ أظهرَ اهتمامًا خفيًا.
“أحقًا ستعطيني؟ هل يمكنني اختيارُ أيِّ شيءٍ؟”
“بالتأكيدِ. وإذا تصرّفتَ بنضجٍ أثناءَ العلاجِ، قد أعطيكَ واحدةً أخرى أيضًا.”
كان ذلكَ الكيان يداعبُ العيونَ الكثيرةَ المُرصّعةَ فيهِ لتلوحَ كالجواهرِ.
وفي هذه الأثناءِ، نسِيَ الحاكم الصغيرُ خوفهُ ونحيبهُ، وأبدى اهتمامًا بتلكَ العيونِ.
“هَاي، انتظرْ لحظةً.”
سألتُ الحاكم الصغيرَ الذي كان يتسوّقُ العيونَ أمامي جاعِدًا حواحبي:
“أنتَ لن تختارَ حقًا، أليسَ كذلكَ؟”
“لماذا؟ إنها جميلةٌ.”
“… لا، هاه.”
كان الأمرُ مشبوهًا بوضوحٍ، لكنه كان متحمّسًا للهديةِ ويحاولُ التقاطَها بلهفةٍ.
لم يكن يختلفُ عن طفلٍ حقيقيٍ. كتمتُ رغبتي في ضربهِ على رأسهِ، وقلتُ لذلكَ الكيان:
“سيد دومينيك. أنا ممتنٌ لكَ، لكن حتى لو أخذناها فلا يوجدُ مكانٌ لنحفظَها فيهِ….”
“سأحتفظُ بها أنا!”
في النهايةِ، صرختُ في وجهِ الحاكم الصغيرِ الذي قاطعني بوقاحةٍ:
“هَاي!”
وعندها ردَّ عليَّ الحاكم الصغيرُ دونَ أن يستسلمَ:
“لماذا! أنتَ أيضًا تحبُّ الأشياءَ اللطيفةَ والجميلةَ!”
وكنتُ على وشكِ أن أردَّ عليهِ متسائلًا عن هذه التُرهاتِ، لكنّي تذكّرتُ كيفَ كنتُ أزيّنُ سلايم البودينغ بالعديدِ من الحليّ لأشبعَ رغبتي الشخصيةَ.
شعرتُ بنظراتِ ذلكَ الكيان من خلفِ ظهري وهو يتابعُ الشجارَ بيني وبينَ الحاكم الصغيرِ.
سعلتُ بسرعةٍ متظاهرًا لأتجاوزَ الجزءَ الذي ليس في صالحي، وانتهزتُ الفرصةَ لأوجّهَ توبيخ حادّ للحاكم الصغيرِ:
“أتستمرُّ في التصرفِ بهذه الطريقةِ؟ أتتصرفُ على هواكَ دونَ الاتفاقِ معي؟ كما حدثَ في المرةِ السابقةِ عندما حاولتَ قلعَ عينَي النقيبِ غواك.”
كانت نيتي أن ألقّنَهُ درسًا في السلوكِ بهذه الفرصةِ.
فإذا تذكّرتُ الأمورَ الشاقةَ التي مررتُ بها بسببِ الحاكم الصغيرِ حتى الآنَ، فإنّ بضعَ ضرباتٍ خفيفةٍ على رأسهِ لن تكونَ كافيةً.
لكنّ الحاكم الصغيرَ اتسعَتْ عيناهُ بمجردِ أن سمعَ كلامي.
“لقد فعلنا ذلكَ معًا.”
“… ماذا؟”
نظرَ إليَّ الحاكم الصغيرُ بتمعّنٍ ثمّ قالَ:
“في المستقبلِ، ابقَ أنتَ في الداخلِ. أنا من سيتكفّلُ بالأمرِ.”
إنقاذُ التابعِ، وقتلُ السيد ذو الكتل السوداء، أعلنَ الحاكم الصغيرُ عن طموحهِ بكلِّ ثقةٍ قائلاً إنهُ سيفعلُ كلَّ ذلكَ بنفسهِ.
كان كلامه أشبه بالهراء، لا سيما أنه لم يكن يعرف حتى كيف يخرج من هذا المكان.
“على أيِّ حالٍ، الجميعُ يحبّونني أكثرَ.”
مدَّ الحاكم الصغيرُ يدهُ نحوي. وأمسكَ بخدّي وهو يبتسمُ ويقولُ:
“أنتَ أيضًا تحبّني على أي حال”
ولأنّهُ كان يفعلُ ذلكَ بوجهي أنا، لم أستطعْ التحمّلَ أكثرَ.
في النهايةِ، وجهتُ لهُ ضربةً على رأسهِ.
صرخَ الحاكم الصغيرُ متألمًا. ثمّ هجمَ عليَّ فجأةً وأخذَ يلوّحُ بلمساتهِ بعشوائيةٍ.
كانت لكماتٍ مثيرةً للشفقةِ. فتصديتُ ليدَي الحاكم الصغيرِ بخفةٍ.
عندها ازدادَ الحاكم الصغيرُ عنادًا وأخذَ يحاولُ ضربي بكلِّ قوّتهِ.
وكانت رؤيةُ ذلكَ المشهدِ تجعلُ قلبي ينقبضُ تلقائيًا.
مرّتْ بذهني اللحظاتُ العصيبةُ التي عانيتُ فيها بسببِ الحاكم الصغيرِ حتى الآنَ.
ولكم تمنيّتُ لو كان بإمكاني التخلصُ منهُ تمامًا في مراتٍ عديدةٍ.
لكنّ الآنَ وهو يتجسّدُ أمامي هكذا….
‘أريدُ أن أضربَهُ ضربةً واحدةً أخرى فقط.’
لكنّي تحمّلتُ بقلبِ شخصٍ بالغٍ.
وبينما كنتُ أصبرُ جيّدًا، ارتكبَ الحاكم الصغيرُ تصرفًا مجنونًا فجأةً.
عندما لم تنجحْ لكماتُهُ، عضَّ معصمي.
‘هذا الفتى حقًا….’
ضربتُهُ على رأسهِ بقوةٍ أشدَّ قليلًا من المرةِ السابقةِ.
أنَّ الحاكم الصغيرُ الذي كان يعضّني بجدٍّ متألمًا وأمسكَ برأسهِ بيديهِ.
“هذا يؤلمُ….”
تلاشى غضبي أمامَ صوتهِ المُنكسِرِ. لم يكن سوى طفلٍ بجسدٍ كبيرٍ. وشعرتُ بتفاهةِ ما أفعلُهُ.
في تلكَ اللحظةِ، سُمِعَ صوتُ تنهيدةٍ خفيفةٍ.
“يبدو أنّ كليكما يحتاجُ إلى بعضِ العقابِ.”
في اللحظةِ التي انخفضتْ فيها تلكَ النبرةُ الصارمةُ، امتلأَ المكانُ حولنا بذلكَ الكيان.
عيونٌ لا تُحصى كانت تنظرُ إلينا.
عيونٌ! عيونٌ! عيونٌ! عيونٌ! عيونٌ! عيونٌ! عيونٌ! عيونٌ! عيونٌ! عيونٌ! عيونٌ! عيونٌ! عيونٌ! عيونٌ! عيونٌ!
انسحقنا أنا والحاكم الصغيرُ معًا تحتَ ثقلهِ.
وإلى جانبِ الضغطِ الخانقِ الذي كادَ ينسحقُنا، هزَّ صوتُهُ دماغي بحدةٍ:
“إذا تركتُكما أكثرَ من هذا، فقد تنفصلانِ تمامًا، لذا سأدمجُكما قسرًا.”
صرخَ الحاكم الصغيرُ متألمًا.
أنا أيضًا صرختُ. لم أكن متأكدًا. فـحتى الصراخُ الذي كنتُ أطلقهُ بدا وكأنّ ذلكَ الكيان يمتصُّهُ بالكاملِ.
≪< دخلَ ذلكَ الكيان إلى داخلي. ثارَ الغثيانُ في داخلي بسببِ الشعورِ الذي كان يتدفقُ بلا نهايةٍ. لكنّي لم أستطعْ التقيؤَ. لم يكن ينبغي لي التقيؤُ. كان عليَّ فقط القبولُ. كما يشاءُ ذلك الوجود!
“لا تبكِ. حتى لو لم تكن العيونَ، فسأعطيكَ لعبةً أخرى.”
كان من الغامضِ ما إذا كان هذا الكلامُ موجهًا للحاكم الصغيرِ أم لي.
ربما كان موجهًا لكلينا.
وبينما كان ذلك الكيان يتغلغل فينا شيئًا فشيئًا، شعرت فجأة بدفء لطيف وناعم.
وضعتُ يديَّ حولَ الدفءِ الوحيدِ كاستجابةٍ شرطيةٍ، وتعرّفتُ على هويتهِ متأخرًا.
كان الحاكم الصغيرَ.
نظرتْ إليَّ العينانِ الذهبيتانِ.
“أنا خائفٌ….”
كان وجهي أنا، لكنّ لونَ عينيهِ فقط هو المختلفُ. نظرتُ إلى ذلكَ الكائنِ أمامي بعينينِ غريبتينِ وغيرِ مألوفتينِ.
“هذا مؤلمٌ ومخيفٌ جدًا.”
قالَ لي الحاكم الصغيرُ وهو ينتحبُ:
“أريدُ رؤيةَ أتباعي….”
في اللحظةِ التي سمعتُ فيها صوتَ الطفلِ المذعورِ جدًا، أدركتُ.
أنا أيضًا كنتُ متألمًا وخائفًا. وكنتُ أفتقدُ فريقَ المهامِ الخاصةِ.
“…….”
كتمتُ تنهيدتي ثم احتضنت الحاكم الصغير، محاولًا إبعاده عن ذلك الكيان قدر استطاعتي، ولو قليلًا.
وعانقني الحاكم الصغيرُ بقوةٍ وكأنهُ كان ينتظرُ ذلكَ.
وبينما كنتُ أحتضنُ جسدهُ المرتعشَ بنحافةٍ، سُمِعَ صوتُ ضحكة ذلك الكيان فجأةً.
وكأنهُ يمتدحُ تصرفي في حمايةِ الحاكم الصغيرِ، مسحَ ذلكَ الشيءُ الذي كان يضغطُ عليَّ على رأسي بلطفٍ.
كان شعورًا يشبهُ المسحَ على الرأسِ تمامًا.
لكنّي لم أشعرْ بالسكينةِ. بل بلعتُ الغثيانَ فقط أمامَ العيونِ التي دُفعت نحوي.
“لا ينبغي لك الإقدام على مثل هذه التصرفاتِ الخطيرة في المستقبلِ. أفهِمتَ؟”
هززتُ رأسي إيجابًا. وعندها تبع ذلكَ همسةٌ لطيفةٌ:
“حتى لو أردتَ فعلَ ذلكَ، فلن تتمكنَ.”
كان ذلكَ قبلَ أن أبدي أيَّ ردّ فعلٍ على تصريحهِ المرعبِ.
قالَ لي ذلكَ الكيان:
“يحتاجُ غونبام إلى المزيد من التدلّلِ. لأنك لا تزالُ صغيرًا. أنا سأساعدكَ.”
ثم شعرت بأن جسدي يُسحق ويسحق معه كل شيء.
* * *
فتحتُ عينيَّ.
شعرتُ بدوارٍ خفيفٍ.
عندما رفعتُ جفنيَّ ببطءٍ، كان أولُ ما دخلَ في نطاقِ رؤيتي هم أتباعي.
رحبَ بي الأتباعُ الذينَ كانوا ينتظرون سيدهم بلهفةٍ وفرحٍ.
“غو يـو…!”
“أيها المتدرب، هل أنتَ بخيرٍ؟”
نظرتُ إلى أولئك الملتصقينَ بجانبِ السريرِ.
لسببٍ ما، بمجردِ أن التقتْ أعينُنا، بدا أنّ الجميعَ قد توقفوا لبرهةٍ.
رفعتُ جسدي ببطءٍ وجلستُ. ثمّ ابتسمتُ ابتسامة خفيفة للنقيبين.
“هل انتظرتما طويلًا؟”
لكن لم يأتِ أيُّ ردٍّ. تساءلتُ عما يحدثُ، ثمّ أدركتُ ما نسيتُهُ.
مددتُ يدي بكلِّ قوتي ومسحتُ على رأسِ غواك هان موك ومو هاي إن، وأثنيتُ عليهما.
وبينما كنتُ أمسحُ على رأسيهما وأبتسمُ….
عادَ إليَّ وعيي.
‘يا للجنون!’
لكنّ يدي وفمي لم يتوقفا. تحرّكَ لساني على هواهُ وقالَ:
“يا لكُما من مطيعان.”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.