الفصل 154
⟢ الفصلُ 154 ⟢
أجابني على الفور، وكأنّه لا يفهم سبب سؤالي عن أمر كهذا.
ما إن سمعتُ إجابته حتى شعرتُ بالذهول، وراودني في الوقت نفسه سؤال.
‘مِنذ متى رآني أصلًا؟’
لم أكن أعرف على أيّ أساس يتحدّث بكلّ تلك الثقة.
كنتُ أظنّ أنّه ربما رآني منذ أن كنتُ محترفًا في ألعاب الفيديو.
فبعد اعتزالي، تلقّيتُ طلبًا لإجراء مقابلة من سا غون يون.
لكنّني كنتُ إنسانًا بوضوح في ذلك الوقت.
وكنتُ قادرًا على الحكم بوضوح، لأنّني أعرف طبيعة الكائن الذي يُسمّى حاكمًا.
وبصراحة، لم أستطع أن أرى كلام السيد ذو الكتل السوداء إلا هراءً.
فهو كائن قادر على أن يكذب عليَّ ويضلّلني متى شاء إذا اقتضى الأمر، ولذلك لم أكن أجد في كلامه كثيرًا من المصداقية.
ومع ذلك، احتفظتُ بكلامه في ذهني.
فلعلّ الأمر لا يعدو كونه اختلافًا في وجهات النظر.
فالسيد ذو الكتل السوداء أيضًا حاكم قديم.
وربما كان يتحدّث عن الأمر بإحساس مختلف تمامًا عمّا أفهمه أنا بصفتي إنسانًا.
تمامًا كما عبّر دومينيك عن فقدانه جزءًا من كيانه بعبارة فقدان الذاكرة، بما يتناسب مع فهمي البشري.
“هل تقصد أنّني كنتُ حاكمًا منذ البداية؟”
ألقيتُ الطُّعم برفق، محاولًا الحصول على ولو قدرٍ ضئيل من المعلومات الإضافية، لكنّ السيد ذو الكتل السوداء لم يلتقطه.
فبدلًا من الإجابة، اكتفى بالضحك ضحكةً مكتومة.
أعدتُ السؤال، وأنا أفكّر في الطريقة التي قد تجعل السيد ذو الكتل السوداء يمنحني الإجابة التي أريدها.
“إذًا، ألا توجد طريقة للحفاظ على إنسانيّتي؟”
— أوريـون يانغ. الحاكم كائن كامل لا يشوبه نقص. المعاناة، والتعلّق، والحزن، والذكريات العابرة… كلّ تلك الأشياء ليست للحاكم سوى شوائب ينبغي التخلّي عنها! إنّ نهاية الإنسانيّة أمرٌ حتميّ تمامًا، كما أنّ الإنسان لا يستطيع مقاومة الكوارث الطبيعيّة.
همس السيد ذو الكتل السوداء إليَّ، وكأنّه يُطلعني على سرّ بالغ الخفاء.
— لكن، لعلّ الأمر ممكن إذا كانت هناك مرساة راسخة لا تجرفها أمواج المدّ!
‘هل يريدني أن أبحث عن شيءٍ يمكنه الحفاظ على إنسانيّتي؟’
كنتُ أشكّ في وجود شيء كهذا في العالم أصلًا.
وكعادته، شرع السيد ذو الكتل السوداء في إلقاء تحيّته الأخيرة من تلقاء نفسه.
— أوريـون يانغ، يا نجمي! لنتواصل مجدّدًا. سأظلّ أراقبك باستمرار بصفتي أحد معجبيك. حسنًا، إلى اللقاء….
وقبل أن أجد فرصةً لاستبقائه، انتهى الاتصال من طرفه وحده.
أخذتُ أستعيد كلام السيد ذو الكتل السوداء في ذهني، وأنا أشعر بالعجز.
مرساة تصمد أمام كارثةٍ تُسمّى حاكمًا، وتجذبني إلى الأسفل وتثبّتني بإحكام.
وبينما كنتُ أفكّر في ذلك المفهوم الغامض، التفتُّ إلى دومينيك.
“شكرًا لك على مساعدتي.”
كان قد ظلّ على المكتب حتى تلك اللحظة، ثم قفز بخفّة وصعد إلى كتفي.
صحيح… لقد وعدتُ أمام دومينيك بأنّني سأبرم عقدًا مع السيد ذو الكتل السوداء.
وبينما كنتُ أتفقّد ردّة فعل دومينيك متأخّرًا، بادرني بكلامٍ غير متوقّع.
“سيكون ذلك الكائن مفيدًا لك في المستقبل أيضًا.”
كان كلامًا يوحي بأنّه يعرف السيد ذو الكتل السوداء معرفةً جيدة.
لم أتوقّع أن يقترح عليَّ الاستفادة من السيد ذو الكتل السوداء.
كنتُ أظنّه سيقصي أي حاكم غيره.
وكعادته، كان من الصعب تخمين ما يدور في خلد دومينيك.
على أيّ حال، كان من حسن الحظّ أنّني وجدتُ وسيلةً لكسب شظايا النجوم.
لم أكن أعرف كم من المال سيدخل إلى حسابي، لكنّني ظننتُ أنّه لا بدّ أن يكون أفضل من لا شيء.
‘أريد أن أرفع تجميد حسابي بسرعة قبل أن يصلني المال.’
عندها سمعتُ طرقًا على الباب.
كنتُ جالسًا على الكرسي، فنهضتُ من مكاني فجأة.
لقد وصل المدرّب الذي سيتولّى تعليمي تدريب المجنّدين.
لكنّ الشخص الذي دخل غرفة الاجتماعات كان غير متوقّع.
“…النقيبة مو؟”
فقد دخلت مو هاي إن، التي كانت قد غادرت لإنجاز بعض الأعمال على عجل، وهي تحتضن جهازًا لوحيًّا.
وقالت وهي تغلق باب غرفة الاجتماعات:
“تركتُ بعض العمل للنقيب غواك وجئتُ.”
كان من المقرّر أن يتولّى جنديٌّ آخر تدريبي، لكنّ مو هاي إن جاءت بدلًا منه.
كما قالت إنّ وون تاي بوم سيكون المدرّب عندما أتلقّى التدريب مع بقيّة المتدربين.
“لقد وعدتُك بأن أعلّمك كيف تؤدّي التحيّة العسكريّة، أليس كذلك أيّها المتدرب؟”
فما كان منّي إلا أن نظرتُ إلى مو هاي إن بعينين تملؤهما التأثّر.
فضحكتْ ضحكةً خفيفة وهي تنظر إليَّ.
جرت حصّة مو هاي إن الخاصّة بسرعة، ومن دون أيّ حشو، إذ ركّزت على الأمور الضروريّة وحدها.
وبما أنّني كنتُ أعرف كثيرًا من الأجزاء أصلًا، فقد انتهى التدريب النظريّ بسهولة.
لكنّ أداء التحيّة العسكريّة باليد كان أصعب قليلًا ممّا توقّعت.
فمع أنّني كنتُ أنتبه إلى زاوية حافّة اليد، وموضع الأصابع، وشكل الذراع، ظلّ هناك شعورٌ غريبٌ بعض الشيء.
لم أستطع أن أؤدّيها بالهيئة الرائعة نفسها التي تؤدّيها بها مو هاي إن.
ومع ذلك، تمكّنتُ في النهاية من الوصول إلى مستوى جعل مو هاي إن راضيةً عن أدائي.
‘يجب أن أريها أيضًا للمقدّم جي والنقيب غواك.’
تذكّرتُ كيف أدّيتُ التحيّة العسكريّة أمام جي هيون وو، فتلقّيتُ منه علامة استفهام، وعزمتُ على استعادة شرف المتدرب.
وبعد أن انتهيتُ من جميع التدريبات.
كنتُ قد تعلّمتُ كلّ شيء، من الدروس الخاصّة إلى طريقة أداء التحيّة العسكريّة، لكنّ مو هاي إن لم تُعلن انتهاء الحصّة.
وكأنّه لا يزال هناك ما ينبغي فعله.
انتظرتُها بهدوء.
وبدا أنّ مو هاي إن أدركتْ أيضًا أنّني أنتظرها، فتردّدت قليلًا قبل أن تفتح فمها.
“لا داعي لأن تشغل بالك بما قاله المدير جانغ.”
كانت تقصد ما فعله جانغ سوك يون حين استغلّ ظروفها الشخصيّة ليحاول إبقائي إلى جانبه.
وتذكّرتُ النيزك الورديّ المغروس في بطن مو هاي إن، فأدركتُ أنّ هذه هي اللحظة المناسبة للحديث.
“أيتها النقيبة مو، أنا….”
“هان غو يو.”
كانت تلك المرّة الأولى التي تناديني فيها باسمي.
وقبل أن أتمكّن من الردّ من شدّة المفاجأة، قالت:
“سأكون صريحة معك. أنا أيضًا أتمنّى أن تغلق المحنة المغروسة في بطني. لكنّني لا أريد أن أطلب ذلك من متدرب التحق بالجيش حديثًا.”
إذًا، هل يكفي ألّا أكون متدربًا؟
كنتُ أميل إلى إظهار ملامح لطيفة قدر الإمكان أمام النقباء، لأنّ وجهي يبدو حادًّا قليلًا حين أكون بلا تعبير.
لكنّني هذه المرّة لم أتجنّب عيني مو هاي إن، بل واجهتُهما مباشرةً.
“أظنّ أنّها محنة من تصنيف ستّ نجوم، لكنّ خروجي منها بعد إتمامها كان محض حظّ… وحتى لو دخل فريق المهام الخاصّة وأغلقها.”
حرّكتْ شفتيها وهي تنظر إليَّ بهدوء.
“قد لا أتمكّن من إخراج أختي.”
كان كلامًا غريبًا.
فما لم تكن قد ماتت، فإنّ إغلاق المحنة وحده كفيلٌ بإخراج الأشخاص العالقين فيها إلى الخارج.
بل إنّ العدوى تعود أيضًا إلى حالتها الأصليّة.
وفوق ذلك، كانت مو هاي إن تملك خبرةً في إنقاذ عددٍ من الأشخاص الذين أصبحوا موظّفين في مصنع الألعاب، بعدما أغلقتُ معها محنة هاسباك بالنهاية الحقيقيّة.
كنتُ أرغب في دحض كلامها فورًا، فهي أكثر من يعرف ذلك، لكنّني كتمتُ رغبتي.
لأنّني شعرتُ أنّها لم تُنهِ كلامها بعد.
قالت وهي تنظر إليَّ بعينين توحيان بأنّها ترى شخصًا آخر من خلالي:
“أخـتي… إنّها شخصية زعيم غير لاعبة.”
كنتُ قبل لحظات فقط مفعمًا بالثقة، ومصمّمًا على إغلاق المحنة مهما كلّف الأمر، لكنّني عجزتُ عن قول أيّ شيء.
كنتُ قد سمعتُ من قبل عن تحوّل بعض المتوافقين إلى شخصيّات غير لاعبة داخل المحن.
لكنّني لم أسمع في حياتي عن أحدٍ أصبح وحش زعيم.
لم أستطع حتّى أن أتخيّل ما الذي مرّت به مو هاي إن داخل المحنة.
وفي الوقت نفسه، أدركتُ تمامًا.
أدركتُ لماذا كانت تشعر بالنفور حين تراني أتعامل بودّ مع الشخصيّات غير اللاعبة.
وفجأة، ضحكتْ مو هاي إن بصوتٍ مسموع.
“أيّها التدرب، لقد فقدتَ ثقتك بنفسك فجأةً، أليس كذلك؟”
نظرتُ إليها وهي تتحدّث بنبرةٍ مازحة، ثمّ سألتُها ببطء:
“ألا يمكنكِ أن تخبريني أيّ محنة هي؟”
“لا. أخبرني بعد أن تتخلّص، على الأقل، من لقب المتدرب.”
قالت مو هاي إن، وعلى وجهها بقيةٌ من ابتسامتها:
“لكن، بدلًا من ذلك، سأريك صورة أختي.”
وأخرجتْ صورةً من الجيب الداخليّ لزيّها العسكريّ، ومدّتها إليَّ وكأنّ الأمر لا يعني لها شيئًا.
كانت الصورة مقسّمةً إلى أربعة إطارات، وفيها امرأتان تبتسمان وهما تتّخذان وضعيّاتٍ مختلفة.
“إنّها لا تشبهني كثيرًا. لا في ملامحها، ولا في شخصيّتها.”
كانت المرأة الطويلة تضحك بمرح، وقد وضعت ذراعها حول كتفي مو هاي إن.
كانت ابتسامةً مشرقةً حتى ليخيّل إليك أنّك ستسمع صوت ضحكتها في أيّ لحظة.
أما مو هاي إن في الصورة… فكان شعرها طويلًا.
وبعد أن ظللتُ أحدّق في الصورة، نقلتُ نظري إلى مو هاي إن الواقفة أمامي.
إلى شعرها القصير ذي القصّة المستقيمة.
إلى تابعتي التي كانت عيناها تنطقان بالألم.
غضبتُ.
“…آسف. أمهليني لحظة.”
رفعتُ يدي على عجل لأغطي عينيّ، وتراجعتُ إلى الخلف. خشيتُ أن يتغيّر لون عينيّ.
عندها أمسكت يدٌ صغيرة بمعصمي.
“…..!”
ارتجف جسدي من المفاجأة، لكنّ اليد التي أمسكت بي لم تتركني.
كان في مقدوري أن أحرّر معصمي لو أردتُ، ومع ذلك لم أستطع التحرّك.
وببطء، زادت مو هاي إن ضغطها وسحبت يدي إلى الأسفل.
نظرتُ إليها بعينين ذهبيّتين.
رفعت مو هاي إن عينيها إليَّ بهدوء، ثم فتحت شفتيها.
“في الحقيقة، لقد بحثتُ عنك.”
فهمتُ ما تعنيه فورًا.
لقد نبشت في ماضيَّ.
لكنّ كلامها التالي كان غير متوقّع.
“لأنّني لا أعرف الكثير عنك، وأردتُ أن أعرف. لقد كنتَ مذهلًا.”
“…….”
لم أعرف كيف ينبغي أن أجيب، فاكتفيتُ بالوقوف متجمّدًا.
ولم يكن السبب مجرّد الإطراء الصادق.
فلم أتوقّع أن ترغب مو هاي إن أيضًا في معرفتي، كما كنتُ أرغب أنا في معرفتها.
“شعرتُ أنّ من الظلم أن أكون أنا الوحيدة التي تعرف عنك، لذلك أخبرتك اليوم عن نفسي، أيّها المتدرب.”
ثمّ أطلقت معصمي.
“لذلك لا تشغل بالك بالأمر من دون داعٍ.”
لم أجبها.
كنتُ أعرف أنّ صمتي ليس من الأدب مع نقيبة أعلى رتبةً منّي، لكن لم يكن بوسعي فعل شيء.
فقد شعرتُ أنّني ما إن أفتح فمي حتى أقول إنّني سأغلق المحنة حتمًا.
وبالطبع، كان ذلك صعبًا في الوقت الراهن.
كان عليَّ أولًا أن أترقّى من رتبة متدرب.
كما أنّنا سنتحرّك ضمن فريق، لذا كنتُ بحاجة إلى استعدادٍ شامل، وقبل أيّ شيء آخر، كان عليَّ أن أتأكّد من إمكانيّة إخراج الشخص العالق إلى خارج المحنة حتى لو أصبح زعيمًا.
لكنّني كنتُ أرغب في إغلاق محنتها بنفسي مهما كلّف الأمر.
ظلّت مو هاي إن تنظر إليَّ بصمت.
وبعد أن حدّقت طويلًا في عينيّ الذهبيّتين، نادتني.
“أيّها المتدرب.”
ثمّ عادت إلى مو هاي إن المعتادة، وكأنّها لم تكن قد تحدّثت عن أمورٍ شخصيّة قبل لحظات.
“لِنؤدِّ التحيّة العسكريّة مرّةً أخيرة.”
* * *
بعد انتهاء التدريب، استخدمتُ فورًا قدرتي الجديدة، التفتّح.
لكن لم يظهر أمامي سوى إشعار يفيد بعدم إمكانيّة استخدامها.
[هذه قدرة لا يمكن استخدامها.]
ربّما كان عليَّ استيفاء شرطٍ معيّن، كما حدث عند استخدام قدرة الإحياء.
في ذلك الوقت، حطّمتُ نفسي كي أتمكّن من استخدام القدرة.
لكن لا ينبغي لي أن أفعل ذلك الآن. فوضعي خطير بما يكفي، إذ إنّ ذاتي تتراجع أصلًا، وسيكون الأمر بالغ الخطورة.
يبدو أنّ عليَّ أن أجرّب استخدام«التفتّح مجدّدًا عندما أدخل المحنة مع فريق المهام الخاصّة لاحقًا.
أُقيمت حفلةٌ بمناسبة الانتقال إلى المنزل الجديد في وقتٍ متأخّر قليلًا.
فقد كنتُ أنتظر خروج جي هيون وو من المحنة، لكنّه ما إن خرج حتى دخل محنةً أخرى مباشرةً.
ولم يبدُ غواك هان موك، الذي نقل إليَّ الخبر، متفاجئًا على الإطلاق.
“وقت المقدّم جي ثمينٌ فعلًا.”
كان هناك عددٌ هائل من الجهات التي ترغب في إيفاده إليها.
فلم يكن جي هيون وو يكاد يجد وقتًا للراحة، وكان ذلك أيضًا ما يريده هو بنفسه.
فحتى النوم لم يكن ضروريًّا لجي هيون وو، بوصفه كائنًا مصابًا بالعدوى.
ولهذا كان ذهابه معي إلى بارسونغ في المرّة السابقة أمرًا استثنائيًّا حقًّا.
لكنّني كنتُ أعرف الآن أنّه ليس كائنًا مصابًا بالعدوى.
‘ألا ينبغي له أن يستريح ولو قليلًا؟’
فحتى لو لم يكن جسده يتعب، فلا بدّ أنّ الإرهاق النفسي الذي يعانيه هائل.
ظلّ الأمر يشغل بالي ويؤرّقني، فأرسلتُ إليه رسالةً على الأقل.
[ايها المقدّم جي، عُد سالمًا. سأشتري لك كعكةً عندما تعود.]
وبعد أن أرسلتُ الرسالة، شعرتُ مجدّدًا بشيءٍ من الأسف.
وكان سامرا أيضًا سيغيب عن الحفلة.
فهو كذلك نادرًا ما يغادر خارج هيئة الاستجابة للمحن، ولم يكن بوسعه فعل شيءٍ حيال ذلك.
فإنّ نقل جسد سامرا الأصليّ من أجل حفلة الانتقال كان أمرًا غير واردٍ تمامًا في هيئة الاستجابة للمحن.
لكنّ سامرا وعدني بأن يحضر عبر اتصالٍ مرئيّ، ولو لفترةٍ قصيرة.
وفي النهاية، اجتمعنا نحن الثلاثة، أنا والنقيبان، في المنزل.
وبما أنّ الحفلة لم تكن تتعدّى طلب طعامٍ جاهز وتناوله معًا، قرّرنا أن نُلقي نظرةً سريعة على المنزل ثمّ نختار قائمة الطعام.
كانت مو هاي إن، التي ارتدت ملابس مريحة، تتفقّد أرجاء المنزل بنظراتٍ يغلب عليها الفضول.
كنت أظن انّها زارت هذا السكن العكسريّ ولو لمرّةً واحدةً من قبل، لا سيما وأنه يقع في المبنى ذاته وكان غواك هان موك يسكن فيه أصلا، غير أن ملامحها أظهرت عكس ذلك تماما.
وبالتفكير في بساطة أثاثه المفرطة، أدركتُ أنّه لم تكن هناك مناسبة أصلًا لدعوة أحدٍ إلى المنزل.
اتّسعت عينا مو هاي إن حين رأت خزانة العرض الزجاجيّة.
كنتُ قد فكّرتُ في تغطيتها مجدّدًا بقطعة قماش.
لكنّ غواك هان موك سألني لماذا أغطيها، فانتهى بي الأمر إلى تركها مكشوفة.
وبينما كانت مو هاي إن تنظر إليها بإعجاب، قال غواك هان موك، عاقدًا ذراعيه:
“أيتها النقيب مو، أليس غو يو هيونغ يستحقّ الاحترام حقًّا؟ أن نحظى بشرف أن يكون هذا الشخص متدربًا لدينا.”
ثمّ التفت إليَّ وابتسم ابتسامةً ماكرة.
“أنتَ مذهل يا هيونغ.”
فشعرتُ بحرارةٍ تسري في وجهي من الخجل. فضربت مو هاي إن ساعد غواك هان موك بخفّة بمرفقها.
وحين أخذ غواك هان موك يتصرّف وكأنّه تلقّى ضربةً موجعة، وهو يصرخ “آآآه!”، رمقته بنظرةٍ مستنكرة.
“أيّها النقيب غواك، لا تُضايق المجنّد.”
ثمّ التفتت إليَّ وقالت بجدّية:
“أعتقد حقًّا أنّك رائع.”
لم أستطع حتّى أن ألتقي عينيها من شدّة الخجل، واكتفيتُ بالإجابة:
“شكرًا لك.”
بعد ذلك، أعددنا نحن الثلاثة مائدةً عامرةً بالطعام، وأخذنا نتبادل الأحاديث في شتّى الأمور.
ثمّ أخبرتهما أنّني لم أشرب الكحول قطّ، ففوجئ كلاهما.
“…هل تقول إنّ ألـبام لم يجرّب الشرب من قبل؟”
فمنذ أن أصبحتُ بالغًا، كنتُ ملازمًا لغرفةٍ صغيرةٍ مستأجرة، ولم تكن هناك فرصةٌ لذلك.
ولم يكن لديّ اهتمامٌ خاصّ بالأمر، لذلك لم أجرّبه وحدي أيضًا.
وما إن سمع غواك هان موك ذلك حتى نهض من مكانه فجأةً، وأعلن بوقار:
“سأجعل ألـبام رجلًا بالغًا حقيقيًّا الليلة.”
ثمّ خرج مسرعًا، واشترى الكحول بالصناديق.
— …….
ظهر سامرا متأخّرًا، عارضًا شاشةً في الهواء، فوجد أمامه مائدةً تعجّ بزجاجات الكحول، ونقيبَيْن منطرحَيْن على الطاولة، ومتدربًا واحدًا يحتسي من كأسه على مهل.
كانت مو هاي إن قد فقدت القدرة على الكلام بالفعل، أمّا غواك هان موك فرفع رأسه فجأةً وصاح في وجه سامرا:
“سامرا…! ذلك الألبام خطيرٌ جدًّا، تبًّا…!”
ثمّ أعاد وجهه إلى الطاولة.
وأنا أفرغتُ ما تبقّى في كأسي، وفكّرتُ:
‘لا طعم له.’
لم يكن لذيذًا أصلًا، ولم أفهم لماذا يشرب الناس شيئًا كهذا. ومع ذلك، بعد أن شربتُ إلى هذا الحدّ، بدأتُ أشعر بدوارٍ خفيف.
— أنصح السيد هان غو يو أيضًا بالتوقّف عن شرب الكحول.
وبعد أن تلقّيتُ نصيحة سامرا، نهضتُ من مكاني ووقفتُ قبالته مباشرةً.
عندها تحرّكت حدقتا سامرا كأنّهما فتحة عدسة كاميرا.
وبدا أنّه يجمع معلوماتٍ حيويّةً جديدة، إذ لعلّه يرى مظهري بعد شرب الكحول للمرّة الأولى.
فنظرتُ إليه وقلتُ:
“أشعر بالفراغ لأنّك لستَ هنا.”
* أنا موجودٌ أمام السيد هان غو يو الآن.
“لكنّ هذا مجرّد فيديو.”
مددتُ يدي نحوه، وبالطبع لم ألمس شيئًا، بل مرّت يدي عبر سامرا.
ابتسمتُ ابتسامةً عريضة.
“قلتُ ذلك لأنّني أشعر بالأسف فحسب.”
ولسببٍ ما، لم يقل سامرا شيئًا، واكتفى بمراقبتي.
لقد شربت القهوة من قبل أيضًا، فلعلّ بإمكانه شرب الكحول كذلك. لا بدّ أنّ الأندرويد لا يتأثّر بالكحول، أليس كذلك؟
وأنا شاردٌ في أفكاري، رتّبتُ المنزل على نحوٍ عشوائيّ تحت مراقبة سامرا.
وبعد أن أسندتُ غواك هان موك الثقيل بصعوبةٍ وأدخلتُه إلى غرفة نومه، فكّرتُ قليلًا، ثمّ نقلتُ مو هاي إن إلى غرفة نومي.
كان منزل مو هاي إن في المبنى نفسه، لكنّني قرّرتُ أن أوصلها إلى منزلها بعد أن يزول تأثير الكحول عنها قليلًا، تحسّبًا لأيّ طارئ.
لم يُنهِ سامرا الاتصال إلا بعد أن انتهيتُ من ترتيب المنزل.
وقفتُ في وسط غرفة المعيشة التي أصبحت نظيفة، وتفقّدتُ هاتفي.
وبعد أن أرسلتُ ردًّا قصيرًا على الرسالة التي وصلتني، اتّجهتُ إلى النافذة.
كانت سماء الليل صافية، فبدا القمر واضحًا. أمّا النجوم، فلم تكن تكاد تُرى بسبب أضواء المدينة…
وبدافعٍ غامض، خرجتُ من الباب الأماميّ على نحوٍ اندفاعيّ.
ثمّ صعدتُ الدرج المعتم متّجهًا إلى السطح.
وما إن فتحتُ باب السطح بعد صعود الدرج، حتى انفرجت شفتاي من دون أن أشعر.
كان رجلٌ أسودُ اللون يقف هناك.
شخصٌ ما كان ينبغي أن يكون هنا الآن.
كان الرجل، وقد جعل أضواء المدينة الليلية خلفه بدلًا من ضوء النجوم الذي لم يكن يُرى، يرفع رأسه وينظر إلى سماء الليل.
ومع أنّه لا بدّ أنّه سمع صوت فتح الباب، لم يلتفت، بل ظلّ ينظر إلى سماء الليل وحدها.
عادت إليَّ ذكرى قديمة.
كانت لحظة لقائي به للمرّة الأولى، على سطح محطة ديزونديل للبثّ.
وكما حدث آنذاك… كان جي هيون وو لا يزال ينتظر شيئًا.
أنا هنا.
أغمضتُ عينيَّ بشدّة على عجل. كاد لون عينيّ يتغيّر، لكنّني تمكّنتُ من مقاومة ذلك بصعوبة.
ثمّ حاولتُ التحقّق من حال جي هيون وو مجدّدًا، فإذا به ينظر إليَّ مباشرةً.
وكان قد خلع نظّارته الواقية بالفعل.
خطا جي هيون وو نحوي.
أغلقتُ باب السطح، ووقفتُ أنظر إلى القادم نحوي.
ولسببٍ غريب، بدا غير مستقرّ.
شعرتُ أنّه لو ترنّح خطوةً واحدةً من هنا، فقد ينتزع جناحيه مرّةً أخرى.
كان بخير عندما رأيتُه آخر مرّة، فلم أكن أعرف ما الذي جعله على هذه الحال.
‘هل كانت المحنة التي دخلها اليوم هي المشكلة؟’
بدا أنّه قد أتمّ المحنة التي دخلها بعد الظهر وخرج منها في لمح البصر.
فجي هيون وو كان أصلًا يميل إلى إتمام المحن في أقصر وقتٍ ممكن.
لكنّه كان سريعًا اليوم إلى درجة أنّه كان من الممكن اعتباره قد حطّم الرقم القياسيّ.
كان من المفترض أن يُنقل إلى المحنة التالية داخل حاوية، لكن يبدو أنّه انفصل عن المسار وجاء إلى هنا.
وبما أنّه لم يكن من الممكن أن تكون هيئة الاستجابة للمحن قد سمحت بهروب كائنٍ مصاب بالعدوى، فلا بدّ أنّ المكان كان يعجّ بالفوضى الآن.
لكنّني لم أشعر بأنّ عليَّ إعادته.
نظرتُ إلى جي هيون وو بقلق، ثمّ بادرتُ إلى قول كلامٍ عاديّ.
“لقد عدتَ سالمًا….”
لكنّني توقّفتُ فجأةً عن الكلام، لأنّ جي هيون وو الذي كان يقترب منّي كان يرتدي قفّاز الغراب في إحدى يديه.
فقد تذكّرتُ كيف ارتطم بي الشجر في سلتوبل، وانتفضتُ بصورةٍ انعكاسيّة.
وفي تلك اللحظة، أخرج من مخزونه غرضًا ومدّه إليَّ.
كانت صحيفة دي نيوز….
اتّسعت عيناي وأنا أنظر إلى الصحيفة الفضائيّة التي تتصدّرها صورةٌ كبيرةٌ لوجهي.
هل حصل عليها من المحنة التي دخلها اليوم؟
هل تُحدَّث الصحيفة في الوقت الفعليّ داخل المحن أيضًا؟
كيف اطّلع جي هيون وو على محتوى المقال؟ لقد أصبحتُ أنا أيضًا قادرًا على رؤيته الآن فحسب.
نظر جي هيون وو إليَّ، وأنا غارقٌ في الحيرة، ثمّ انحنت عيناه كالهلال.
“غو يو.”
ثمّ سألني، وقد قرّب وجهه من وجهي:
“هل نقتل سا غون يون معًا؟”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.