الفصل 1: 1
https://hizomanga.net/wp-content/uploads/2026/08/quality_restoration_20260805181032078.jpg
1
الفصل الأول
غطس!
تسرّبت المياه الباردة إلى جسد هايون كلّه، وأحاطت بها.
ومع شعورها بالأحاسيس الواضحة التي كانت تنفذ إلى أعماقها، أخذت هايون تغرق في الظلام، لم يكن أمام عينيها سوى عتمة حالكة، لا شيء فيها.
وفي تلك اللحظة، اندفع خوفٌ حادّ كالصقيع يطعن جسدهاكلّه،ه خوفٌ من ألّا تتمكّن من ملامسة الضوء مرّةً أخرى، فبدأت هايون تتخبّط غريزيًّا.
طَق!
التفّ شيءٌ باردٌ وثقيل حول كاحلها بإحكام، وضغط عليه.
ظلامٌ يجذبها نحو القاع السحيق، وخيطٌ من الضوء يبتعد عنها شيئًا فشيئًا، وكلّما قاومت أكثر، غرقت أكثر في عتمةٍ لا نهاية لها.
“هاه…!”
أطلقت ريانا كارتر زفرةً حادّة وهي تفتح عينيها فجأة.
وبينما كانت تهدّئ صدرها المتسارع، راحت تحرّك عينيها ببطء لتتفقّد ما حولها، سقفٌ عتيق الطراز، ونافذةٌ زجاجيّة ضخمة، وأثاثٌ أنيق بطرازٍ كلاسيكي.
“هاه… ما زلتُ… داخل الرواية…”
حدّقت ريانا بالسقف في صمت، واسترجعت الحلم الذي رأته للتو، ورغم أنّ تفاصيله تلاشت بسرعة، بدا أنّه تأثّر بذكريات حياتها السابقة حين كانت تعيش باسم هايون، قبل دخولها عالم الرواية.
لم تكن تملك ذكريات حياتها السابقة، كلّ ما كانت تتذكّره هو اسم كيم هايون، وروايةٌ واحدة، وفي تلك الرواية الوحيدة التي تتذكّرها، كانت تؤدّي دور الشخصيّة الثانوية، الدوقة الشابّة ريانا كارتر.
“آه!”
وبينما كانت شاردةً وهي تمرّر يدها بلا مبالاة على عنقها، انتفضت من الألم اللاذع، فسحبت يدها بسرعة ونهضت من مكانها.
غادرت السرير وتوجّهت نحو المرآة.
“…”
انعكس في المرآة ذلك الوجه الذي لم تعتد عليه، رغم مرور أكثر من أسبوع على دخولها عالم الرواية.
امرأةٌ ببشرةٍ بيضاء ناصعة كتمثالٍ رخامي، وشعرٍ أشقر بلاتينيّ بلون الليمون الباهت، وعينين زرقاوين كأنّهما تحتضنان البحر.
أنزلت نظرها إلى عنقها الذي كان يؤلمها، فرأت أثر خدشٍ أحمر على بشرتها البيضاء، بدا أنّها خدشته أثناء نومها.
أطلقت ريانا تنهيدةً منخفضة، ثم شعرت بالصداع الذي هدأ قليلًا يعود ليهاجمها من جديد، فمجرّد تحريك جسدها قليلًا كان كافيًا ليعيدها إلى هذه الحالة.
عادت ريانا إلى السرير، وتناولت الدواء الذي تركه طبيبها الخاص على الطاولة الجانبيّة ثم استلقت مجدّدًا، وبدأت ترتّب في ذهنها ما ينتظرها.
كانت الدوقة الشابّة ريانا كارتر شخصيّةً ثانويّة، اغتصبت مكان خطيبة بطل الرواية، الدوق الأكبر كلود غراي، بعدما ظلّت مهووسةً به وتحبّه من طرفٍ واحد لسنوات لكن ما إن يستعيد كلود غراي إقطاعيّة فيرونا، التابعة سابقًا لدوقيّة غراي، والتي كانت تحت سيطرة دوق كارتر، حتّى يتخلّى عن ريانا كارتر ببرودٍ تام.
وبعد أن تُنبذ بصورةٍ بائسة، تُزوَّج كما لو أنّها بيعت إلى الكونت الثريّ والمسنّ فايسون، وكأنّها تعويضٌ عن خسارة إقطاعيّة فيرونا، وفي النهاية، تلقى حتفها مبكّرًا داخل أسرة الكونت.
ابنة الشرير، عدوّة بطل الرواية اللدود.
قد توجد قصصٌ يقع فيها البطل في حبّ ابنة عدوّه، لكن للأسف، لم يكن في عالم الرواية الذي دخلته هايون مثل هذا الخيال، وكانت تلك المعلومات القليلة وحدها كافية لتجعلها تدرك أنّه لا ينبغي لها أبدًا أن تخطب كلود غراي.
لكن لسوء الحظ، دخلت الرواية في اللحظة التي سقطت فيها عن الدرج، وأفسدت مراسم خطوبتها مع كلود، وأصبحت طريحة الفراش، وقد مرّ أسبوعٌ كامل منذ ذلك الحين.
“هاه… ليتهم يطالبون بفسخ الخطوبة لأنّني أفسدت الحفل…”
حتى بعد مرور أسبوع على انهيار خطيبته، لم يُظهر وجهه ولو مرّة واحدة وربّما كان في ذلك ما يدعو إلى الأمل.
***
استيقظت ريانا ببطء وهي تتبع الضوء، بعد أن غلبها النوم بفعل الدواء، وبدا أنّ الشمس كانت توشك على المغيب، إذ غمرت الغرفة أشعّة الغروب الذهبيّة المائلة إلى الحمرة عبر النافذة الزجاجيّة الكبيرة.
حدّقت بخمول في الضوء المنسكب فوق جسدها.
“أخيرًا استيقظتِ؟”
ارتجفت ريانا على صوتٍ منخفضٍ بارد، واستدارت نحو مصدره.
كان رجلٌ طويل القامة يستند إلى الجدار، يحدّق إليها بعينين باردتين، وحين اعتدل في وقفته، جلست ريانا على السرير بحذر وهي تراقبه.
‘من يكون؟’
رجلٌ دخل غرفة الدوقة الشابّة كارتر أثناء نومها من دون إذن.
ثبّتت ريانا نظرها في الرجل الذي كان يتقدّم نحوها بخطواتٍ واثقة، محاولةً تخمين هويّته، ومع اقترابه، بدأت ملامحه تتّضح شيئًا فشيئًا.
شعرٌ أسود حالك يلمع ببريقٍ ناعم، وعينان باردتان، لكن داخل ذلك الجوّ القاسي كانت عيناه تحملان بريقًا ذهبيًّا لا ينسجم مع هيبته.
‘عينان ذهبيّتان؟’
كان من المستحيل ألّا تعرف من يكون.
“الدوق الأكبر… كلود غراي؟”
المالك الوحيد للعينين الذهبيّتين في الرواية، إنّه بطل هذا العالم، وخطيب ريانا كارتر الذي سيتخلّى عنها بلا رحمة.
‘واو… لا عجب أنّ ريانا تعلّقت به إلى هذا الحدّ!’
أثنت ريانا عليه في سرّها، وهي تعجز عن صرف نظرها عن وسامته، لكن إعجابها لم يدم طويلًا فما إن اقترب منها كلود حتّى قبض على إحدى ذراعيها بقوّة، وجذبها بعنف.
مال جسد ريانا نحوه فجأة.
“آخ!”
كان ذراعها الذي أمسكه يؤلمها وكأنّه على وشك الانكسار.
“هل أنتِ راضية؟”
“…ماذا؟”
سألت ريانا بتلقائيّة، وقد أربكها الموقف المفاجئ.
“أسأل إن كنتِ راضية بعد أن دمّرتِ خطّتي لإتمام الخطوبة بهدوء، يا آنسة الدوقة.”
لامس صوتُه الغاضب، الذي بدا كأنّه يخدش الأرض، أذنها ببرودة.
“ماذا… لا تقل إنّك تظنّ أنّني أفسدت الخطوبة عمدًا…!”
“أليس كذلك؟”
اقترب كلود حتّى أصبح وجهه أمام وجهها مباشرة، فتجمّدت في مكانها.
“بفضلكِ، أصبح الحديث في الإمبراطوريّة كلّها.”
“لقد… كان حادثًا.”
حاولت ريانا ألّا تستسلم لضغط حضوره المتسلّط، وانتزعت الكلمات بصعوبة.
“همف.”
أطلق كلود ضحكةً ساخرة، وأبعد وجهه قليلًا.
“حادث؟ بالنسبة إلى شخصٍ تدحرج على الدرج، تبدين سليمةً أكثر من اللازم، أليس كذلك؟”
انخفضت نظرات كلود من وجه ريانا إلى كتفيها، ثم إلى أسفل جسدها ببطء.
شعرت بالاشمئزاز من نظرته التي كانت تمسح جسدها كلّه فضربت صدره بكلتا يديها ودفعته بعيدًا.
مرّ الاستغراب في عيني كلود.
وعلى عجل، سحبت ريانا الغطاء لتستر جسدها الذي كانت ملامحه ظاهرةً بوضوح تحت ثوب النوم الرقيق.
“إذًا أنتَ منزعج لأنّني بخير؟! ليتني متُّ تمامًا، أليس هذا ما كنتَ تتمناه؟”
قالت ريانا ذلك وهي ترفع ذقنها بتحدٍّ، وفي خضمّ الموقف المفاجئ، نسيت تمامًا أنّ دورها في هذه الرواية هو أن تكون واقعةً في حبّ هذا الرجل.
“وأيضًا! مَن الذي سمح لكَ بدخول غرفتي؟ مهما كنّا مخطوبَين، هل يليق بكَ أن تدخل غرفة سيّدة بهذه الطريقة؟”
“ها!”
أطلق كلود ضحكةً قصيرةً وكأنّه لا يصدّق ما يسمعه.
“سيّدة…؟”
ارتسمت ابتسامةٌ مائلة على شفتيه.
“أنتِ مَن سمحتِ بذلك.”
“…ماذا؟”
توقّفت ريانا عن الكلام، وحدّقت إليه بشرود قبل أن تسأله بضعف.
“أنا… سمحتُ؟ بماذا…؟”
“سمحتِ لي بدخول غرفتكِ متى شئتُ. بل توسّلتِ إليَّ أن أدخلها.”
‘لقد جُننتِ يا ريانا!’
“لكن لا تُسيئي الفهم. لم أدخل لأنّني أردتُ ذلك.”
“…إذًا؟”
“حين سمعتُ أنّكِ نائمة، كنتُ على وشك المغادرة مباشرةً، لكن الدوق طلب منّي أن أرى وجهكِ ولو مرّة قبل أن أرحل، فلم يكن أمامي خيار.”
استعادت ريانا وعيها فجأة، تذكّرت من جديد الدور الذي تؤدّيه، وأدركت أنّها ارتكبت خطأ فأنزلت رأسها الذي كانت ترفعه بكبرياء، وعضّت شفتها السفلى بقوّة.
لكن سرعان ما رُفع وجهها بيدٍ كبيرة، غير أنّ لمسته كانت ألطف قليلًا من ذي قبل.
“إذًا، هل انتهى بالفعل تمثيلكِ بأنّكِ سيّدة رزينة لا تشبه نفسها؟”
ابتسم كلود وكأنّه وجد الأمر مسلّيًا.
وكان رجلًا فاتنًا إلى درجةٍ قد تُسحر أيّ شخص.
وبينما كانت تحدّق إليه بشرود، رأت البرودة تتسرّب إلى عينيه في لحظة.
“من الآن فصاعدًا، احرصي دائمًا على التنبّه إلى أقوالكِ وأفعالكِ. حتّى الآن كانت أفعالكِ تخصّ أسرة دوق كارتر وحدها، أمّا من الآن، فهي مرتبطة أيضًا بأسرة دوق غراي، ولذلك لن أسمح لكِ بالتصرّف كما يحلو لكِ.”
تجمّدت ريانا أمام نظرته الحادّة كالإبرة، وصوته المكتوم.
“أنا لا أسامح أيّ شخصٍ يلطّخ سمعة عائلتنا. وإن أردتِ البقاء فردًا من أسرة دوق غراي، فاحفظي هذا جيّدًا.”
وبعد أن ترك خلفه ذلك التحذير الثقيل، أفلت كلود وجه ريانا بلا مبالاة، واستدار ببرود وغادر غرفة نومها.
ولم تستطع ريانا أن تطلق الزفرة التي كانت تحبسها في صدرها، إلّا بعد أن تأكّدت من خروجه وإغلاق الباب تمامًا.
“هاه… أهذا الرجل البارد إلى هذه الدرجة هو بطل الرواية؟”
صحيحٌ أنّ أبطال الروايات غالبًا ما يكونون لطفاء مع البطلة وحدها، لكنّه كان باردًا إلى حدٍّ مبالغ فيه، باردًا بما يكفي لتتجمّد القلوب، وكانت برودةً لا ترغب في مواجهتها مرّةً أخرى أبدًا.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.