الفصل 103
أرييلا كانت قد فتحت الرسالة السرية التي أرسلتها هيلينا لتوّها.
القتال بين الأورك وقافلة إلسو كان دمويًا وشرسًا. و الجانب التابع للقافلة لم ينجُ منه أحد، وحتى الجواسيس الذين اختلطوا بينهم من طرف ديلارك قُتلوا جميعًا.
ديلارك، الذي فقد أتباعه المفضّلين بلا معنى، ثار على نفسه حتى كاد يفقد العقل.
ومع ذلك، لا يمكنهم الخروج لصيد الأورك الذين يعيشون في تلك الجبال الوعرة. فالمهمة كانت سريةً ولا توجد لهم ذريعةٌ لذلك.
من المؤكد أن ديلارك الآن في حالة انفجار غضب كامل.
“من وجهة نظرنا، فقد تمت الأمور دون أن نتحمل عناءً.”
قالت آرييلا ذلك بصوت غامض.
“لكن لا يمكننا أن نفرح تمامًا.”
“لماذا؟”
مال لودفيك برأسه بتساؤل، ففسَرّ له غيرو الأمر بدلاً من أرييلا.
“المضمون هو، أن الضمان، الذي يقول، أن الأورك لا يهاجمون، المراكب، عبر هذا الطريق، قد تلاشى.”
“صحيح.”
إن استمرار القوافل الجنوبية في إرسال العربات عبر الطريق وزيارة الغرباء للإقليم كان يستند إلى قناعة أن الأورك لا يتدخلون هناك.
ولكن ذلك الاعتقاد تلاشى، فيما سيعطل صعود القوافل ويقلل دخول الغرباء.
‘لا يمكن الاعتماد بنسبة مئة بالمئة على فتح الممر البحري قريبًا. يجب تأمين طريقٍ بري بديل.’
وليس لديهم وسيلةٌ لمعرفة أن الأورك يهاجمون اعتمادًا على لون العربات.
ولهذا فكروا مليًا. ما الخطة للتغلّب على خطر إغلاق الطريق البري الوحيد؟
بعد لحظة، تحدّثت آرييلا،
“علينا إقناع عشيرة الأورك.”
“……؟”
“……!”
صُدم الجميع. و عمّ الصمت البارد لوهلة، ثم كسر أولكن الصمت بضرب الطاولة،
“إقناعهم؟ هل تقولين الآن أننا سنجلس في نفس الجانب مع تلك الوحوش؟”
لو كان الموضوع لشخص آخر ربما لمازح ريتشموند قائلاً أنظروا من يتكلم عن الوحوش، لكنه التزم الصمت هذه المرّة.
حتى لودفيك، الذي كان سيُؤيّد سريعًا لو كان الأمر من أرييلا، بدا متجهّمًا.
“أنتِ تعلمين كم من جنودنا ضحوا بسبب هؤلاء طوال الوقت، أليس كذلك؟”
“أعلم، وأعلم جيدًا.”
نظرت إلى لودفيك ثم إلى أولكن بالتتابع. الغضب والعداء الذي بنته الإمارة تجاه الأورك لا يزالان حادين وملتهبين.
“من الطبيعي أن تريدوا الانتقام. لكم حق قول ذلك، فأنتم من قاتلوا في الخطوط الأمامية.”
لم تكن أرييلا تنوي إغفال تضحياتهم أو إنكار جهودهم. ولكن اقتراحها كان في نهاية المطاف من أجل مستقبل هذه الإمارة.
“لكن كيف سينتهي ذلك الانتقام؟ هل سنذبح كل أوركٍ مختبئ هناك حتى لا يبقى واحد منهم؟”
“هـ–هذا..…”
تلعثم أولكن كأن الكلمات خانته.
“لا أقول أن نتجاهل التضحيات المتراكمة. بل لأن الإمارة صانتها بتعب، فعلينا أن نجعلها أكبر وأقوى حتى لا يجرؤ أحدٌ على استهدافها مستقبلًا.”
عرضت حججها بهدوء.
“إن الاقتصاد المتداعي الذي بالكاد كان ينتعش معرضٌ الآن لضرر جديد. ومن تسبب في ذلك هم الأورك.”
التقت عيونهم واحدًا تلو الآخر وهي تقنعهم.
“فما الحل إذاً؟ سأكرر: هل بإمكاننا أن نُبيد نسل الأورك تمامًا؟ حتى ديلارك لن يجرؤ على مثل هذا المسعى.”
موقع عشيرة الأورك معروفٌ لديهم، لكنهم لا يزرعون أرضًا، فإذا لزم الأمر سينتقلون بسهولة إلى موطن آخر.
والجبال خارج طرق التجارة هي ملعبهم الخاص.
و لو حشد لودفيك جيشًا وانطلق لِمهاجمة القبيلة، فسيُكتشف قبل أن يبلغ نصف الطريق إلى قمتها.
“لا يمكننا شن حرب إبادةٍ في الجبال ضد الأورك.”
فحالما يلاحظ الأورك اقتراب القوات سيتفرّقون ويهربون، ثم يشنون هجماتٍ خاطفة لا يُستعاد منها الرد.
“حتى لو بذلنا جهدًا وقتلنا آخر واحد، سنفقد في ذلك الكثير من الجنود. فماذا سنفعل حينئذٍ مع ديلارك؟”
غمر الصمت قاعة الاجتماع. فلم يكن ثمة مجالٌ للاعتراض.
“إن لم نستطع اقتلاع الجذور، فعلينا إقناعها بالامتداد في اتجاهٍ يخدمنا.”
ثم تدخّل ريتشموند،
“من الناحية الاستراتيجية كلامكِ صحيح. على الأقل نظرياً. لكن هل يا ترى سيرضى الأورك بسهولة بمصافحتنا؟”
“علينا أن نجرب على الأقل.”
وبعد هذا الشرح، اضطر لودفيك وأولكن إلى الموافقة في النهاية.
***
في أعماق الجبال، قرية الأورك.
“أيها الزعيم!”
“وماذا هناك هذه المرة؟”
استدار الزعيم ورأسه مغطى باللفائف.
فقد انتصروا منذ وقت قريب في المعركة ضد قافلة إيلسو. لكن، رغم إبادة الخصم عن بكرة أبيه، لم يستطع الزعيم أن يفرح. إذ تبيّن بعد المعركة أن خسائر الأورك كانت فادحةً للغاية.
‘لقد كنا متفوقين عدداً بلا شك!’
والأسوأ، أن ما غنموه من العربات بعد كل هذا لم يزد الأمر إلا خيبة.
فبدلاً من الطعام الذي كانوا يتوقعونه، لم يجدوا سوى أكياس عطرية، و أوانٍ فاخرة، وأشرطة حريرية.
“شم! شم! زعيم! ما فائدة هذه النفايات المعطّرة؟”
“وهل يُسمّى هذا سيفاً؟ نصله لا يتجاوز راحة اليد، بماذا ينفع؟”
“وهذا الخيط الملون؟ لا هو متينٌ ولا صلب، بل لين كالعشب!”
كان الأمر طبيعياً. فإنتاج الطعام في مملكة لودفيك تضاعف بسرعة، حتى صاروا يصدّرون منه.
ومن ثم خرج الطعام من قوائم التجارة، ودخلت مكانه الكماليات.
‘هكذا سنموت جوعاً بالفعل!’
وفي غمرة أفكاره المتشابكة، كان صخب التابع بالكاد يصل إلى سمعه.
“ماذا قلت؟ ذئبٌ لا يبقى منه غير العظم جاء إلى قريتنا؟”
“كلا! عند مدخل القرية ظهر هيكلٌ عظمي وذئب معاً!”
“……؟”
وبعد بضع جمل من التوضيح—هبّ الزعيم واقفاً مدهوشاً.
“أتقول أن ساحراً عظمياً و مستذئب اقتحما المكان؟!”
لقد كان يعرف ذاك المستذئب جيداً. إنه القائد الذي قتل من الأورك أكثر مما فعل أي جنرال بعد ملك النار.
فتجمّد دم الزعيم.
“هاتوا سيفي! إنهم أذكياء…..يستغلّون ضعفنا ليهجموا علينا!”
فقد قُتل وأصيب كثيرٌ من الأورك في المعركة السابقة. فهل يهاجموننا الآن ونحن على هذه الحال؟
“لكن كيف صعدوا حتى القرية أصلاً؟ ألم يرَهم الحراس؟”
لو أن جيشاً من جند الملك تسلّق الجبال، لكان رُصد منذ ساعات طويلة!
“تمهّل.”
توقف الزعيم فجأة وهو يعيد كلمات تابعه في ذهنه.
“قلتَ هيكلاً عظمياً وذئب؟ لكن أين الجنود الآخرون؟”
“لم يتبعهم أي جندي من جيش الملك. الاثنان فقط وصلا إلى مدخل القرية وهما بانتظاركَ.”
‘إذاً…..لم يأتيا لغزو قريتنا؟’
ثم أكمل التابع،
“لا نية لهم في القتال، بل يرغبون في التحدث!”
***
جرت المحادثة في أطراف القرية. فلم يكن من المأمون إدخال الغرباء إلى العمق حيث النساء والأطفال.
وحشد الأورك ما بقي من محاربين صالحين وأحاطوا بهم كطوقٍ ضاغط، يتوسطه الزعيم.
“غرووو!”
وقف أولكن مكتوف اليدين، صامت الشفتين.
حتى الآن لم يصدق أنه حاضرٌ في مثل هذا المجلس. فلولا كلمات أرييلا قبل الرحيل، لكان قد أشهر مخالبه منذ زمن.
“جئنا ننقل إرادة الملك الذي نخدمه.”
قال ريتشموند ذلك بلهجة هادئة مطمئنة. ومع كل جملة ينطقها، ازداد الاضطراب على وجه زعيم الأورك.
“هذا يعني…….”
ظل الزعيم يكرر ما سمعه في ذهنه طويلاً. إذ لم يخطر له قط مثل هذا المقترح.
“تريدون أن نوقف القتال ونعقد صلحاً؟”
كان الأمر مضحكاً.
“كيف سنثق بكم؟”
“صحيحٌ أن كسب الثقة المطلقة فجأةً أمرٌ عسير. لذا فلنبدأ بخطواتٍ صغيرة، تتراكم شيئاً فشيئاً.”
ظل الجو مشحوناً بالتوتر، غير أن نبرة ريتشموند لم تخلُ من هدوء.
والسبب في اختيار هذين الرجلين مبعوثين، هو أن باستطاعتهما النجاة والفرار حتى لو ساءت الأحوال داخل معسكر العدو.
“السلام الصوري خواءٌ لا طائل منه. إنما يقوم الصدق على منفعةٍ متبادلة، فإذا جرى تبادل الموارد بسلاسة، عندها فقط تُبنى الثقة الراسخة.”
لم يفهم معظم المحاربين معنى حديثه، لكن الزعيم التقط لبّه.
“……تقصد أن نتاجر معاً؟”
“نعم. لكن لا بد أولاً من اعتذار صادق، ووعدٍ بعدم تكرار الماضي.”
أشار الزعيم نافياً برأسه.
“أما الاعتذار والوعد فلا بأس. لكن، هل عندكم ما تشترونه منا أصلاً؟ نحن الأورك لا نزرع ولا نرعى ماشية. لفي هذه الجبال الأمر مستحيل.”
وهم الذين اضطروا إلى النهب بسبب الجوع، فكيف يقومون بتجارة؟
وكانت لديهم تجربةٌ قديمة مع قافلة فيدوِك في المقايضة، لكن رصيدهم من النقود ضئيل.
فكيف تُعقد صفقة إذاً؟
أجاب ريتشموند،
“بالقوة العاملة.”
“……ماذا؟”
ألقى ريتشموند نظرةً بطيئة على حشد الأورك المترامي.
صحيحٌ أنهم أقصر قامةً من أبناء الشياطين، لكن أجسادهم الهائلة تعوض ذلك وزيادة.
رجالاً ونساءً، كباراً وصغاراً، كلهم يمتازون بعظام متينة وعضلات صلبة.
“صحيحٌ أنكم لا تميلون إلى السحر، لكنكم تملكون قوةً بدنية وصبراً خارقين.”
“……!”
“وإن استُغل هذا الامتياز كما ينبغي، فسيُنجَز بفضلهم مشروعنا العمراني العظيم بسرعة وكفاءة، وذلك هو الرأي الحكيم الذي أبدياه……المتعاقدة مع الملك.”
ولم يشأ أن ينسب الفكرة للودفيك نفسه ولو على سبيل المجاملة.
عندها سأله الزعيم،
“وما هذا المشروع الذي تريدون تشييده؟”
“نبني قريةً جديدة تستوعب المزيد من السكان. وستكون الأضخم في تاريخ الجنوب كله.”
أما حوض السفن العملاق، الذي يتطلب عمالاً أكثر، فقد تعمّد ريتشموند عدم ذكره.
ها قد كشفنا أوراقنا. كيف سيرد الأورك؟
***
“قلتَ رفضوا من أول كلمة؟”
شعرت أرييلا بصداعٍ يكاد يشق رأسها بعد هذه الأخبار.
_____________________
ما امداهم يكملون مسرع رفضوا 😂
الأورك عربجيين ما احبهم لو يطب عليهم أولكن واحد واحد احسن
لودفيك اظن اول مره يجري يصبر ذا الصبر عشان مملكته😭
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.